تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار أبي حشيشة

فيه ٤٠ بيتًا

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أبو حشيشة لقب غلب عليه، وهو محمد بن أمية بن أبي أمية، يكنى أبا جعفر، وكان أهله جميعا متّصلين بإبراهيم بن المهديّ، وكان هو من بينهم معنيّا بالطّنبور، يغنّى أحسن غناء وخدم جماعة من الخلفاء أولهم المأمون، ومن بعده إلى المعتمد.

وله يقول أبو صالح بن يزداد وكتب بها في استتاره:

جعلت فداك يا بن أبي أميّهأرى الأيام قد حكمت عليه
وملّني الصديق وخان عهديفما أقرا لكم كتبا إليّه
فإن كان الضمير كما بداليفهذا والإله هو البليّه

كان أكثر انقطاعه إلى أبي أحمد بن الرشيد أيام حياته، وكان أبوه وجده وأخواله كتّابا.

وقرأت على أحمد بن جعفر جحظة ما ذكره عن أبي حشيشة في كتابه الذي ألّفه في أخبار مراتب الطّنبوريين والطّنبوريات وكان من ذلك أنه قال: شاهدت أبا حشيشة مدّة، وكان يتغنّى في أشعار خالد الكاتب وبني أمية، وكانت معه فقر من الأحاديث يضعها مواضعها، وكانت له صنعة تقدّم فيها كلّ طنبوريّ، لا أحاشي من قولي ذلك، فمنها:

كأنّ هموم الناس في الأرض كلّهاعليّ وقلبي بينهم قلب واحد
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
ولي شاهدا عدل سهاد وعبرةوكم مدّع للحبّ من غير شاهد
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة

وهو خفيف رمل مطلق. قال جحظة: ورأيته في القدمة التي قدمها مع ابن المدبّر بين يدي المعتمد، وقد غناه من شعر عليّ بن محمد بن نصر.

صوت

حرمت بذل نوالكواسوأتا من فعالك!
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة
لما مللت وصاليآيستني من وصالك

فوهب له مائتي دينار.

واللحن رمل مطلق.

أخبرني جحظة فيما قرأته عليه، قال: حدّثني ابن نوبخت: يعني عليّ بن العباس قال: رأيته وقد حضرت عريب عند ابن المدبر، وهو يغنّي، فقالت له عريب: أحسنت يا أبا جعفر، ولو عاش الشّيخان ما قلت لهما هذا - تعني علويه ومخارقا.

حدّثني أبو حشيشة، قال: هجم عليّ خادم أسود، فقال لي: البس ثيابك، فعلمت أن هذا لا يكون إلا عن أمر خليفة أو أمير، فلم أراجعه، حتى لبست ثيابي، فمضيت معه فعبر بي الجسر، وأدخلني إلى دار لا أعرفها، ثم اجتاز بي في رواق فيه حجر تفوح منهنّ رائحة الطعام والشراب، فأدخلت منهنّ إلى حجرة مفروشة، وجاءني بمائدة كأنها جزعة يمانية قد نشرت في عراصها الحبرة، فأكلت وسقاني رطلين وجاءني بصندوق ففتحه فإذا فيه طنابير، فقال لي: اختر، فاخترت واحدا، وأخذ بيدي، فأدخلني إلى دار فيها سمّاعة وفيها رجلان على أحدهما قباء غليظ، وعلى الآخر ثياب ملحم وخزّ، فقال لي صاحب الخزّ: اجلس، فجلست، فقال: أكلت وشربت؟ فقلت: نعم.

قال: عندنا؟ قلت: نعم، قال: تغنّي ما نقول لك؟ فقلت له: قل، فقال: تغنّي بصنعتك:

يا كثير الإقبال والإنصرافوملولا ولو أشأ قلت خاف

وهو رمل مطلق، فغنّيته إياه، وجعل يطلب مني صوتا بعد صوت من صنعتي، فأغنّيه، ويستعيده، ويشرب هو والرجل، وأسقى بالأنصاف المختوته إلى أن صلوا العشاء الآخرة، وهم لا يشربون إلا على الصوت الأول لا يريدون غيره، ثم أومأ إليّ الخادم: قم، فقمت، فقال لي صاحب القباء منهما: أتعرفني؟ قلت: لا واللّه، قال: أنا إسحاق بن إبراهيم الطاهريّ، وهذا محمد بن راشد الخنّاق، واللّه لئن بلغني أنك تقول: إنك رأيتني لأضربنّك مائتي سوط، انصرف. فخرجت ودفع إلى الخادم ثلاثمائة دينار، فجهدت أن يقبل منها شيئا على سبيل البرّ، فما فعل.

حدّثني جحظة قال: حدّثني أبو حشيشة: قال: وجّه إليّ إسحاق بن إبراهيم الطاهريّ، فصرت إليه وهو في داره التي على طرف الخندق، فدعا بجونة، فأكل وأكلت من ناحية، ودعا بستارة وقال: تغنّ بصنعتك:

عاد الهوى بالكأس بردافأطع إمارة من تبدّى

وهو خفيف رمل مطلق.

فغنّيته مرارا، ثم ضرب السّتارة، وقال: فولوه، فقالته جارية فأحسنت غاية الإحسان، فضحك ثم قال: كيف تراه؟ فقلت: قد واللّه بغّضوه إليّ، فازداد في الضحك، وأنا أرمق جبّة خزّ خضراء كانت عليه، فقال: كم ترمق هذه الجبّة؟ يا غلام، كانت عشرة أثواب خزّ فقطعت منها هذه الجبّة، فهات التسعة فجيء بها، فدفعها إليّ فكنت أبيع رذالها بستين دينارا.

حدّثني جحظة قال: حدّثني أبو حشيشة أن بني الجنيد الإسكافيّين كانوا أوّل من اصطنعه، وأنهم كانوا يسمونه الظّريف، وأن أول منزل ابتاعه من أموالهم إلى أن شاع خبره، وتفاقم أمره. قال: وكانوا آكل الناس، رأيت رجلا منهم، وقد أكل هو وابن عم له اثنين وعشرين رأسا كبارا، وشربا، فسكرا وناما، ثم انتبها في وقت الظّهر، فدعوا بالطعام، فعادا إلى الأكل، ما أنكر منهما شيئا.

ونسخت من كتاب ألّفه أبو حشيشة، وجمع فيه أخباره مع من عاشره، وخدم من الخلفاء، وهو كتاب مشهور، قال: أول من سمعني من الخلفاء المأمون، وهو بدمشق، وصفني له مخارق، فأمر بأشخاصي إليه، وأمر لي بخمسين ألف درهم أتجهّز بها، فلما وصلت إليه أدناني، وأعجب بي، وقال للمعتصم: هذا ابن من خدمك وخدم آبائك وأجدادك يا أبا إسحاق، جدّ هذا أمية كاتب جدّك المهديّ على كتابة السرّ وبيت المال والخاتم، وحجّ المهديّ أربع حجج كان جدّ هذا زميله فيها. واشتهى المأمون من غنائي:

صوت

كان ينهى فنهى حين انتهىوانجلت عنه غيابات الصّبا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «كان ينهى فنهى حين انتهى»
خلع اللهو وأضحى مسبلاللنّهى فضل قميص وردا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «كان ينهى فنهى حين انتهى»
كيف يرجو البيض من أوّلهفي عيون البيض شيب وجلا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «كان ينهى فنهى حين انتهى»
كان كحلا لمآقيها فقدصار بالشيب لعينيها قذى
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «كان ينهى فنهى حين انتهى»

الشعر لدعبل، والغناء لمحمد بن حسين بن محرز رمل بالوسطى.

قال أبو حشيشة: وكان مخارق قد نهاني أن أغنّي ما فيه ذكر الشيب من هذا الشعر، وأن أقتصر على البيتين الأوّلين؛ لأن المأمون كان يشتدّ عليه ذكر الشيب، ويكرهه جدّا من المغنّين، وأمر ألّا يغنّيه أحد بشعر قيل في الشيب أو فيه ذكر له، فسكرت يوما، فمررت في الشعر كلّه، فقال: يا مخارق، ألا تحسن أدب هذا الفتى! فنقفني مخارق نقفة صلبة، فما عدت بعدها لذكر شيء فيه الشيب.

وذكر أبو حشيشة في كتابه هذا مما كان يشتهيه عليه المأمون وغيره من الخلفاء أصواتا كثيرة، ولا فائدة في ذكرها هاهنا لأنها طويلة، فذكرت مما كان يختاره عليه كلّ خليفة صوتا. قال أبو حشيشة: كان المعتصم يشتهي عليّ:

صوت

أسرفت في سوء الصنيعوفتكت بي فتك الخليع
وولعت بي متمرّداوالعذر في طرف الولوع
صيّرت حبّك شافعافأتيت من قبل الشّفيع

الشعر لأصرم بن حميد، والغناء لأبي حشيشة.

قال: وكان الواثق يختار من غنائي:

يا تاركي متلدّد العوّاد جذلان العداة
انظر إليّ بعين راض نظرة قبل الممات
خلّيتني بين الوعيد وبين ألسنة الوشاة
ماذا يرجّي بالحياة منغّص روح الحياة؟

الشعر لمحمد بن سعيد الأسديّ، والغناء لأبي حشيشة خفيف رمل.

قال: وكان المتوكّل يحبّني، ويستخفّني، وكانت أغانيه التي يشتهيها عليّ كثيرة منها:

صوت

أطعت الهوى وخلعت العذاراوباكرت بعد القراح العقارا
ونازعك الكأس من هاشمكريم يحبّ عليها الوقارا
فتى فرّق الحمد أموالهيجرّ القميص ويرخي الإزارا
رأى اللّه جعفر خير الأنامفملّكه ووقاه الحذارا

الشعر والغناء لأبي حشيشة.

قال: وكان الفتح بن خاقان يشتهي عليّ:

صوت

قالوا عشقت فقلت أحسن من مشىوالعشق ليس على الكريم بعار
يا من شكوت إليه طول صبابتيفأجابني بتجهّم الإنكار

قال: وكان المستعين يشتهي عليّ:

صوت

وما أنس لا أنس منها الخشوعوفيض الدموع وغمز اليد
وخدّي مضافا إلى خدّهاقياما إلى الصّبح لم ترقد

الشعر لمحمد بن أبي أمية والغناء لأبي حشيشة.

قال: وأخبرني محمد بن عليّ بن عصمة - وكان إليه الزهد في الدنيا كلّها - قال: حضرت المعتزّ وقد ورد عليه جواب كتابه إلى محمد بن عبد اللّه بن طاهر، وكان كتب إليه يطلبني منه، فكتب إليه محمد: إني عليل، لا فضل فيّ للخدمة، قال أبو عصمة: فقال لي المعتزّ: يا أبا محمد، صديقك أبو حشيشة يؤثر علينا آل طاهر، فقلت له: يا سيّدي، أنا أعلم الناس بخبره، هو واللّه عليل: ما فيه موضع لخدمة أمير المؤمنين، قال: ثم ذكرني المعتمد.

وحرّضه عليّ ابن حمدون، فكتب إلى أيوب سليمان بن عبد اللّه بن طاهر - وهو يومئذ أمير بغداد - في إشخاصي، فشخّصني إليه من ساعتي، فأكرمني، وأدنى في مجلسي، وأمر لي بجائزة، واشتهى عليّ:

قلبي يحبّك يا منىقلبي ويبغض من يحبّك
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «قلبي يحبك يا منى»
لأكون فردا في هواك فليت شعري كيف قلبك؟
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «قلبي يحبك يا منى»

الشعر لأحمد بن يوسف الكاتب، والصنعة لأبي حشيشة رمل.

قال أبو حشيشة: سمع إبراهيم بن المهديّ أصواتا من غناء محمد بن الحارث بن بسخنّر وعمرو بن بانة، فاستحسنها وأخذها جواريه، وقال: الطّنبور كلّه باطل، فإن كان فيه شيء حقّ فهذا. وأشتهي أن يسمعني. فهبته هيبة شديدة، وقلت: إن رضيني لم يزد ذلك في قدري، وإن لم يرضني بقيت وصمة آخر الدهر، وكان يطلبني من محمد بن الحارث بن بسخنّر خاصة، ومن إسحاق بن عمرو بن بزيع، فكنت أفرّ منهما، حتى صرت بسرّ من رأى، وأنا في تلك الأيام منقطع إلى أبي أحمد بن الرشيد، ونحن في مضارب لم نكن سكنّا المنازل بعد، فوافى إلى أبي أحمد بن الرشيد رسول إبراهيم بن المهدي فأبلغه السّلام، وقال: يقول لك عمّك: قد أعيتني الحيل في هذا الخبيث، وأنا أحبّ أن أسمعه، وهو يهرب مني، فأحبّ أن تبعث به إليّ، ويكون زيرب معه تؤنسه. فقال لي: أبو أحمد: لا بدّ أن تمضي إلى عمي، فجهدت كلّ الجهد أن يعفيني، فأبى، فلما رأيت أنه لا بدّ لي منه لبست ثيابي، ومضيت إليه، وهو نازل في دسكرة، فرحّب بي وقرّب، وبسطني كلّ البسط ومعي زيرب، ودعا بالنبيذ، وأمر خدما له كبارا، فجلسوا معي وشربوا وسقوني. وعرض لي بكلّ حيلة أن أغنّي، فهبته هيبة شديدة، وحصرت.

صوت

كيف احتيالي وأنت لا تصلعيل اصطباري وقلّت الحيل
إن كان جسمي هواك ينحلهفإن قلبي عليك يتّكل
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة

الشعر لخالد الكاتب، والغناء لأبي حشيشة رمل. وكان يسميه الرّهبانيّ، عمله على لحن من ألحان النصارى سمعه من رهبان في الليل يردّدونه، فغنّاه عليه.

فقالته إحداهنّ، فذهب عقلي، وسمعت شيئا لم أسمع مثله قطّ، فقال: يا خليلي، أهذا لك؟ فقلت: نعم - أصلح اللّه الأمير - وأخذتني رعدة، ثم قال لهنّ: إيه، قلن:

صوت

ربّ مالي وللهوىما لهذا الهوى دوا
حاز طرفي الذي هوى الحسن قلبي وما حوى

الشعر لخالد، والغناء لأبي حشيشة رمل.

فغنّته فسمعت ما هو أعجب من الأول، فقال: يا خليلي، هذا لك؟ قلت: نعم يا سيدي، قال: هكذا أخذناهما من محمد بن الحارث، ثم شرب رطلا آخر، فقلت: يا نفس، دعاك الرجل يسمعك، أو يسمعك، وقوّيت عزمي، وتغنّيته بشعر خالد الكاتب، وهو هذا:

صوت

لئن لجّ قلبك في ذكرهولجّ حبيبك في هجره
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة
لقد أورث العين طول البكاوعزّ الفؤاد على صبره
فإن أذهب القلب وجد بهفجسمك لا شكّ في إثره
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة
وأيّ محبّ تجافى الهوىبطول التفكّر لم يبره
للشاعر خالد الكاتب، اقرأ القصيدة

فجعل يردّد البيت الأول والبيت الأخير، وقال لي: لا تخرجنّ يا خليلي من هذا إلى غيره، فلم أزل أردده عليه، حتى شرب ثلاثا، واسترحت ساعة، وشربت وطابت نفسي، ثم استعادني فغنّيته، فأعجب به خلاف الأول، فنظر إليّ وضحك، ولم يقل شيئا، وشرب رطلا رابعا وجاءت المغرب، فقال لي: يا خليلي، ما أشك في أنك قد أوحشت ابني منك، فامض في حفظ اللّه تعالى. فخرجت أطير فرحا بانصرافي سالما، فلما وافيت أبا أحمد، وبصر بي من بعيد قال: حنطة، أو شعير؟ فقلت، بل سمسم وشهد، انج على رغم أنف من رغم، فقال: ويحك، أتراني لا أعرف فصلك! ولكن أحببت أن أتسعين برأيه على رأيي فيك، وقصصت عليه القصة، فسرّه ذلك، ولم يرض حتّى دسّ إليه محمد بن راشد الخناق، فسأله عني، فقال: ما ظننت أن يكون في صناعته مثله.

قال أبو حشيشة: وسمع إسحاق بن إبراهيم الموصليّ غنائي فاستحسنه، فسئل عني، فقال: غناء الطّنبور كله ضعيف، وما سمعت فيه قطّ أقوى ولا أصحّ من هذا.

حدّثني جحظة، قال: كان سبب موت أبي حشيشة بسرّ من رأى، أن قلما غلام الفضل بن كاووس صار إليه في يوم بارد، فدعاه إلى الصّبوح، فقال له: أنا لا آكل إلا طعاما حارّا، وليس عندك إلا فضيلة من مجليّة، قال: تساعدني، وتأكل معي، فأكل منها، فجمّدت دم قلبه، فمات، فحمله إبراهيم بن المدبّر إلى بناته وما كسبه بسر من رأى معه، فاقتسمنه بينهنّ.

صوت

سقيا لقاطول لا أرى بلداأوطنه الموطنون يشبهها
أمنا وخفضا ولا كبهجتهاأرغد أرض عيشا وأرفهها

البيت الأول من البيتين لعنان جارية الناطفيّ، والثاني يقال: إنه لعمرو الوراق، ويقال إنّه لأبي نواس، ويقال بل هو لها.

والغناء لعريب خفيف رمل. وكان الشعر: «سقيا لبغداد» فعيّرته عريب وجعلت مكانه «سقيا لقاطول».

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»