تجاوز إلى المحتوى

من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)

أخبار عنان

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

كانت عنان مولّدة من مولّدات اليمامة، وبها نشأت وتأدبت، واشتراها الناطفيّ، وربّاها، وكانت صفراء جميلة الوجه، شكلة مليحة الأدب والشعر سريعة البديهة. وكان فحول الشعراء يساجلونها، ويقارضونها، فتنتصف منهم.

أخبرني محمد بن جعفر الصيدلانيّ صهر المبرّد النحويّ وعليّ بن صالح بن الهيثم قال: حدّثنا أبو هفّان عن الجمّاز قال: دخل أبو نواس يوما على عنان جارية الناطفيّ، فتحدّثا ساعة، ثم قال لها: قد قلت شعرا، فقالت: هات فقال:

إن لي أيرا خبيثالونه يحكي الكميتا
لو رأى في الجوّ صدعالنزا حتّى يموتا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «إن لي أيرا خبيثا»
أو رآه فوق سقفلتحوّل عنكبوتا
أو رآه جوف بحرخلته في البحر حوتا

قال: فما لبثت أن قالت:

زوّجوا هذا بألفوأظنّ الألف قوتا
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة
إنني أخشى عليهإن تمادى أن يموتا
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة
بادروا ما حلّ بالمسكين خوفا أن يفوتا
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة
قبل أن ينتكس الدّاء فلا يأتي ويوتي
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة

قال: ودخل إليها يوما، فقال:

ماذا ترين لصبّيريد منك قطيره

فأجابته:

إياي تعني بهذاعليك فاجلد عميره
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة

فقال لها:

أريد هذا وأخشىعلى يدي منك غيره

قال: فخجلت وقالت: تعست، وتعس من يغار عليك.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ: قال: حدّثنا عمر بن شبّة: قال: حدّثني أبو أحمد بن معاوية: قال: سمعت أبا حنش يقول: قال لي الناطفيّ: لو جئت إلى عنان فطارحتها، فعزمت على الغدوّ، فبتّ ليلتين أحوك بيتين، ثم غدوت عليها فقلت:

أحبّ الملاح البيض قلبي وربّماأحبّ الملاح الصّفر من ولد الحبش
بكيت على صفراء منهنّ مرّةبكاء أصاب العين منّي بالعمش

فقالت:

بكيت عليها أنّ قلبي يحبّهاوأنّ فؤادي كالجناحين ذو رعش
تغنّيتنا بالشّعر لما أتيتنافدونك خذه محكما يا أبا حنش

أخبرني أحمد: قال: حدّثني عمر بن شبّة: قال: حدّثني أحمد بن معاوية: قال: سمعت مروان بن أبي حفصة يقول: لقيني الناطفيّ؛ فدعاني إلى عنان، فانطلقت معه، فدخل إليها قبلي، فقال لها: قد جئتك بأشعر الناس، مروان بن أبي حفصة، فوجدها عليلة، فقالت له: إني عن مروان لفي شغل، فأهوى إليها بسوط فضربها به، وقال لي: ادخل، فدخلت وهي تبكي، فرأيت الدموع تنحدر من عينيها فقلت:

بكت عنان فجرى دمعهاكالدّرّ إذ يسبق من خيطه

فقالت وهي تبكي:

فليت من يضربها ظالماتيبس يمناه على سوطه
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة

فقلت: أعتق مروان ما يملك إن كان في الجنّ والإنس أشعر منها.

أخبرني الجوهريّ، قال: حدّثنا أبو زيد عن أحمد بن معاوية: قال: قال لي رجل: تصفّحت كتبا، فوجدت فيها بيتا جهدت جهدي أن أجد من يجيزه، فلم أجد، فقال لي صديق: عليك بعنان جارية الناطفيّ، فجئتها فأنشدتها:

صوت

وما زال يشكو الحبّ حتى رأيتهتنفّس في أحشائه وتكلّما

فما لبثت أن قالت:

ويبكي فأبكي رحمة لبكائهإذا ما بكى دمعا بكيت له دما
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة

- في هذين البيتين لحن من الرّمل، أظنّه لجحظة أو لبعض طبقته - قرأت في بعض الكتب:

دخل بعض الشّعراء على عنان جارية الناطفي، فقال لها مولاها عاييه، فقالت:

سقيا لبغداد لا أرى بلدايسكنه الساكنون يشبهها
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة

فقال:

كأنها فضّة مموّهةأخلص تمويهها مموّهها

فقالت:

أمن وخفض ولا كبهجتهاأرغد أرض عيشا وأرفهها

فانقطع.

أخبرني أحمد بن عبيد اللّه بن عمار، قال: حدّثني ابن أبي سعيد قال: حدّثني مسعود بن عيسى، قال: أخبرني موسى بن عبد اللّه التّميميّ، قال: دخل أبو نواس على الناطفيّ، وعنان جالسة تبكي، وخدّها على رزّة من مصراع الباب، وقد كان الناطفيّ ضربها، فأومأ إلى أبي نواس أن يحرّكها بشيء، فقال أبو نواس:

عنان لو جدت لي فإني منعمري في آمن الرسول بما

فردّت عليه عنان:

فإن تمادى ولا تماديت فيقطعك حبلي أكن كمن ختما
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة

فردّ عليها أبو نواس فقال:

علقت من لو أتى على أنفس الماضين والغابرين ما ندما
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «جنان إن جدت يا مناي بما»

فردّت عليه:

لو نظرت عينها إلى حجرولّد فيه فتورها سقما
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة

أخبرني ابن عمار، قال: حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه: قال: حدّثني محمد بن أبي مروان الكاتب: قال: أخذ أبو نواس من عنان جارية الناطفيّ خاتما فصّه أحمر، فأخذه أحمد بن خالد حيلويه من أبي نواس، فطلبته منه عنان، فبعث إليها مكانه خاتما فصّه أخضر، فاتّهمته في ذلك، فكتب أبو نواس إلى أحمد بن خالد، فقال:

فدتك نفسي يا أبا جعفرجارية كالقمر الأزهر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «فدتك نفسي يا أبا جعفر»
تعلقتني وتعلّقتهاطفلين في المهد إلى المكبر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «فدتك نفسي يا أبا جعفر»
كنت وكانت نتهادى الهوىبخاتمينا غير مستنكر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «فدتك نفسي يا أبا جعفر»
حنّت إلى الخاتم مني وقدسلبتني إياه مذ أشهر
فأرسلت فيه فغالطتهابخاتم في قدّه أخضر
قالت: لقد كان لنا خاتمأحمر أهداه إلينا سري
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «فدتك نفسي يا أبا جعفر»
لكنه علّق غيري فقدأهدى له الخاتم لا أمتري
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «فدتك نفسي يا أبا جعفر»
كفرت باللّه وآياتهإن أنا لم أهجره فليصبر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «فدتك نفسي يا أبا جعفر»
أو فأت بالمخرج من تهمتيإياه في خاتمنا الأحمر
فاردده تردد وصلها إنّهاقرّة عيني يا أبا جعفر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «فدتك نفسي يا أبا جعفر»
فإنني متّهم عندهاوأنت قد تعلم أني بري
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «فدتك نفسي يا أبا جعفر»

قال: فردّ إليه الخاتم، وبعث إليه معه بألفي درهم.

أخبرني ابن عمار وعليّ بن سليمان الأخفش، قال: حدّثنا محمد بن يزيد المبرد، عن المازنيّ عن الأصمعيّ - وقال ابن عمار في خبره عن بعض أصحابه - أظنّه المازنيّ - عن الأصمعيّ، قال: ما رأيت أثر النبيذ في وجه الرشيد قطّ إلا مرّة واحدة، فإني دخلت إليه أنا وأبو حفص الشّطرنجي، فرأيت التّخثّر في وجهه، فقال لنا: استبقا إلى بيت بل إلى أبيات، فمن أصاب ما في نفسي فله عشرة آلاف درهم، قال: فأشفقت، ومنعتني هيبته، قال: فقال أبو حفص:

كلّما دارت الزجاجة زادته اشتياقا وحرقة فبكاك
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «مجلس ينسب السرور إليه»

فقال: أحسنت فلك عشرة آلاف درهم.

قال: فزالت الهيبة عني، فقلت:

لم ينلك الرجاء أن تحضرينيوتجافت أمنيّتي عن سواك
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «مجلس ينسب السرور إليه»

فقال: للّه درّك! لك عشرون ألف درهم، قال: فأطرق مليّا، ثم رفع رأسه إليّ، فقال: أنا واللّه أشعر منكما، ثم قال:

فتمنّيت أن يغشّيني اللّه نعاسا لعلّ عيني تراك
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «مجلس ينسب السرور إليه»

أخبرني ابن عمار والأخفش قالا: حدّثنا محمد بن يزيد عن المازني: قال: قال الأصمعيّ: بعثت إليّ أمّ جعفر أن أمير المؤمنين قد لهج بذكر هذه الجارية عنان، فإن صرفته عنها فلك حكمك. قال: فكنت أريغ لأن أجد للقول فيها موضعا، فلا أجده، ولا أقدم عليه هيبة له، إذ دخلت يوما فرأيت في وجهه أثر الغضب، فانخزلت، فقال: مالك يا أصمعيّ؟ قلت: رأيت في وجه أمير المؤمنين أثر غضب، فلعن اللّه من أغضبه! فقال: هذا الناطفيّ واللّه، لو لا أني لم أجر في حكم قطّ متعمّدا لجعلت على كل جبل منه قطعة، ومالي في جاريته أرب غير الشعر، فذكرت رسالة أمّ جعفر، فقلت له: أجل واللّه ما فيها غير الشعر، أفيسرّ أمير المؤمنين أن يجامع الفرزدق؟ فضحك حتى استلقى، واتّصل قولي بأم جعفر فأجزلت لي الجائزة.

أخبرني عمي والحسن بن عليّ، قالا: حدّثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات، قال: حدّثني محمد بن هارون، عن يعقوب بن إبراهيم: أن الرشيد طلب من الناطفيّ جاريته، فأبى أن يبيعها بأقلّ من مائة ألف دينار، فقال: أعطيك مائة ألف دينار على أن تأخذ بالدينار سبعة دراهم، فامتنع عليه، وأمر أن تحمل إليه، فذكروا أنها دخلت مجلسه، فجلست في هيئتها تنتظره فدخل عليها، فقال لها: ويلك! إن هذا قد اعتاص عليّ في أمرك، قالت: وما يمنعك أن توفيه وترضيه؟ فقال: ليس يقنع بما أعطيه، وأمرها بالإنصراف. فبلغني أن الناطفيّ تصدّق بثلاثين ألف درهم حين رجعت إليه، فلم تزل في قلب الرشيد حتى مات مولاها، فلما مات بعث مسرورا الخادم، فأخرجها إلى باب الكرخ، فأقامها على سرير وعليها رداء رشيديّ قد جلّلها، فنودي عليها: من يزيد؟ بعد أن شاور الفقهاء فيها، وقال: هذه كبد رطبة، وعلى الرجل دين، فأشاروا ببيعها، قال: فبلغني أنها كانت تقول - وهي في المصطبة -: أهان اللّه من أهانني، وأذلّ من أذلّني، فلكزها مسرور بيده، وبلغ بها مسرور مائتي ألف درهم، فجاء رجل، فقال: عليّ زيادة خمسة وعشرين ألف درهم، فلكزه مسرور، وقال: أتزيد على أمير المؤمنين! ثم بلغ بها مائتين وخمسين ألفا، وأخذها له قال: ولم يكن فيها شيء يعاب، وطلبوا لها عيبا لئلا تصيبها العين، فأوقعوا بخنصر رجلها شيئا. وأولدها ابنين - قال: أظنهما ماتا صغيرين - ثم خرج بها إلى خراسان، فمات هناك وماتت عنان بعده.

قال: وأنشدنا لأبي نواس في قصيدة يمدح بها يزيد بن مزيد ويذكر عنان في تشبيبها:

عنان يا من تشبه العيناأنت على الحبّ تلومينا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «عنان يا من تشبه العينا»
حسنك حسن لا أرى مثلهقد ترك الناس مجانينا
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «عنان يا من تشبه العينا»

أخبرني عمّي: قال: حدّثنا الحسن بن عليل العنزيّ: قال: حدّثني أحمد بن القاسم العجليّ: قال: حدّثني أبو القاسم النخعيّ قال: كان العباس بن الأحنف يهوى عنان جارية الناطفي، فجاءني يوما، فقال: امض بنا إلى عنان جارية الناطفي، فصرنا إليها، فرأيتها كالمهاجرة له، فجلسنا قليلا، ثم ابتدأ العباس فقال:

قال عباس وقد أجهد من وجد شديد
ليس لي صبر على الهجر ولا لذع الصّدود
لا ولا يصبر للهجر فؤاد من حديد

فقالت عنان:

من تراه كان أعنىمنك عن هذا الصدود
بعد وصل لك منّيفيه إرغام الحسود
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة
فاتّخذ للهجر إن شئت فؤادا من حديد
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة
ما رأيناك على ماكنت تجني بجليد
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة

فقال العباس:

لو تجودين لصبّراح ذا وجد شديد
وأخي جهل بما قدكان يجني بالصدود
ليس من أحدث هجرالصديق بسديد
ليس منه الموت إن لمتصليه ببعيد

قال: فقلت للعباس: ويحك! ما هذا الأمر؟ قال: أنا جنيت على نفسي بتنايهي عليها، فلم أبرح حتى ترضّيتها له.

أخبرني الحسن بن عليّ: قال: حدّثنا الحارث بن يحيى بن حمد بن أبي أميّة: قال: حدّثني يحيى بن محمد: أن الرشيد كان يساوم بعنان جارية النّطّاف، فبلغ ذلك أمّ جعفر، فشقّ عليها، فدسّت إلى أبي نواس أن يحتال في أمرها فقال يهجوها:

إن عنان للنّطّاف جاريةأصبح حرها للنّيك ميدانا
ما يشتريها إلا ابن زانيةأو قلطبان يكون من كانا

فبلغ ذلك الرشيد، فكان يقول: لعن اللّه أبا نواس، وقبّحه، فلقد أفسد عليّ لذّتي في عنان بما قال فيها، ومنعني من شرائها.

صوت

مالي وللخمر وقد أرعشتمنّي يميني هات باليسرى
حتى تراني مائلا مسندالا أستطيع الكأس بالأخرى
للشاعر الحسن بن وهب، اقرأ القصيدة

الشعر للحسن بن وهب، والغناء لعبد اللّه بن العباس الرّبعيّ، خفيف ثقيل بالوسطى، وفيه أيضا له خفيف رمل بالبنصر.

النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «كتاب الأغاني»