من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار العطوي
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي عطية مولى بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، ويكنى أبا عبد الرحمن بصريّ المولد والمنشأ.
وكان شاعرا كاتبا من شعراء الدولة العباسية، واتصل بأحمد بن أبي داود، وتقرّب إليه بمذهبه وتقدّمه فيه بقوة جداله عليه، فلما توفّي أحمد نقصت حاله. وله فيه مدائح يسيرة، ومراث كثيرة.
منها ما أنشدنيه الأخفش عن كوثرة أخي العطويّ:
حنّطته يا نصر بالكافوروزففته للمنزل المهجور
هلّا ببعض خصاله حنّطتهفيضوع أفق منازل وقبور؟
تاللّه لو من نشر أخلاق لهيعزى إلى التقديس والتطهير
حنّطت من سكن الثّرى وعلا الرّبالتزوّدوه عدّة لنشور
فاذهب كما ذهب الوفاء فإنهذهبت به ريحا صبا ودبور
واذهب كما ذهب الشباب فإنهقد كان خير مصاحب وعشير
واللّه ما أبّنته لأزيدهشرفا ولكن نفثة المصدور
وأنشدني الأخفش للعطويّ أيضا يرثي أحمد بن أبي دواد قال:
وليس صرير النعش ما تسمعونهولكنه أصلاب قوم تقصّف
وليس نسيم المسك ريّا حنوطهولكنّه ذاك الثناء المخلّف
وذكر محمد بن داود في كتاب الشعراء، فقال: كان له فن من الشعر لم يسبق إليه، ذهب فيه إلى مذهب أصحاب الكلام، ففاق جميع نظرائه، وخفّ شعره على كل لسان، وروي، واستعمله الكتاب، واحتذوا معانيه، وجعلوه إماما.
قال ابن داود: وحدّثني المبرّد: قال: كان العطويّ - وهو عندنا بالبصرة - لا ينطق بالشعر، ثم ورد علينا شعره لمّا صار إلى سرّ من رأى، وكنا نتهاداه، وكان مقتّرا عليه رزقه، دفرا وسخا، منهوما بالنبيذ، وله فيه في وصف الصّبوح وذكر النّدامى والمجالس أحسن قول، وليس له قول يسقط، فمن ذلك قوله:
فيئي إلى أهدى السّبلقولا وعلما وعمل
قاتلها اللّه لقدسامتكما إحدى العضل
تقول هلا رحلةتنقلنا خير نقل
أخشى على جائلةالآمال جوّال الأجل
أيضمن الآجال جامع الأموال؟
أخبرني علي بن سليمان الأخفش: قال: حدّثني محمد بن يزيد: قال: سمع العطويّ رجلا يحدّث أن رجلا قال لعمر بن الخطاب: إن فلانا قد جمع مالا، فقال عمر بن الخطاب: فهل جمع له أياما؟ فأخذ العطوي هذا المعنى فقال:
أرفه بعيش فتى يغدو على ثقةإنّ الذي قسم الأرزاق يرزقه
فالعرض منه مصون لا يدنّسهوالوجه منه جديد ليس يخلقه
جمعت مالا ففكّر هل جمعت لهيا جامع المال أياما تفرّقه؟
المال عندك مخزون لوارثهما المال مالك إلا حين تنفقه
ومن قوله في النّدمان والنّبيذ مما يغنّي فيه ما أنشدنيه الأخفش وغيره من شيوخنا:
صوت
فكم قالوا تمنّ فقلت كاسيطوف بها قضيب في كثيب
وندمان تساقطني حديثاكلحظ الحبّ أو غضّ الرقيب
الغناء في هذين البيتين لذكاء وجه الززّة خفيف رمل.
أخبرني عمي: قال: حدّثني كوثرة أخو العطوي قال: كان أخي أبو عبد الرحمن يشرب مع أصدقاء له من الكتّاب، ومعهم قينة يقال لها: مصباح، من أحسن الناس وجها، وأطيبهم غناء، فما زالوا في قصف وعزف إلى أن انقطع نبيذهم؛ فبقوا حيارى، وكانوا قريبا من منزل أبي العباس أحمد بن الحسين بن موسى بن جعفر بن محمد العلويّ، وكان صديقا لأبي عبد الرحمن فكتب إليه:
يابن من طاب في المواليد مذ آدم جرّا إلى الحسين أبيه
أنا بالقرب منك عند كريمقد ألحّت عليه شهب سنيه
عنده قينة إذا ما تغنّتعاد منّا الفقيه غير فقيه
تزدهيني وأين مثلي في الفهم تغنّيه ثم لا تزدهيه؟
مجلس كالرياض حسنا ولكنليس قطب السرور واللهو فيه
فأقمه بما به يمتري دن عجوز خمارة ممتريه
وبأشياخك الكرام إلى السّودد موسى بن جعفر وأبيه
إن تحشّمتني وإن كان إلّامثل ما يأنس الفتى بأخيه
قال: فلما وصلت الرقعة إلى أبي العباس أرسل إليهم براوية شراب، فلم يزالوا يشربون مجتمعين، حتى نفدت في أخفض عيش.
حدّثني أبو يعقوب إسحاق بن الضحّاك بن الخصيب الكاتب: قال: جاءني يوما أبو عبد الرحمن العطوي بعد وفاة عمي أحمد بن الخصيب بسنتين، وكان صديقه وصنيعته، فجلس عندي يحادثني حديثه، ويبكي ساعة طويلة، ثم تغيمت السماء وهطلت، فسألته أن يقيم عندي، فحلف ألا يفعل إلا بعد أن أحضره من وقتي ما راج من الطعام، ولا أتكلّف له شيئا، ففعلت وجئته بما حضر، فقال لي: ما فعلت عقد؟ قلت: باقية، وهي في يومنا هذا مقيمة عندي، والساعة تسمع غناءها، فقال لي: عجّل إذن فإنّ النهار قصير، ثم أنشأ يقول:
أدر الكأس قد تعالى النّهارما يميت الهموم إلا العقار
صاح هذا الشتاء فاغد عليهاإنّ أيامه لذاذ قصار
أيّ شيء ألذ من يوم دجنفيه كأس على النّدامى تدار
وقيان كأنهنّ ظباءفإذا قلن قالت الأوتار
حدّثني عمي: قال: حدّثني كوثرة: قال: كان لأبي عبد الرحمن صديق من الأدباء، وكان يتعشّق جارية من جواري القيان يقال لها: عثعث، وكان لا يقدر عليها إلا على لقاء عسير، واجتماع يسير، فأرسل إليها يوما، فأحضرها وأصلح جميع ما يحتاج إليه، واتفق أن كان ذلك في يوم رذاذ به من الطّيب والحسن ما اللّه به عليم، فكتب إلى صديقه يعرفه الخبر، ويسأله المصير إليه ووصف له القصة بشعر، فقال:
يوم مطير وعيش نضيروكأس تدور وقدر تفور
وعثعث تأتي إذا جئتنافتسمع منها غناء يصور
وعندي وعندك ما تشتهيه شعر يمرّ وعلم يدور
وإذ كان هذا كما قد وصفتفإن التفرّق خطب كبير
فقم نصطبح قبل فوت الزّمانفإنّ زمان التلهّي قصير
قال: فسار إليه صاحبه فمرّ لهما أحسن يوم وأطيبه.
وهذا الشعر أخذه العطويّ من كلام إسحاق، أخبرني به وسواسة بن الموصلي عن حماد عن أبيه: قال: كان يألفني بعض الأعراب وكان طيبا، فجاءني يوما، فقلت له: لم أرك أمس، فقال: دعاني صديق لي، فقلت: صف لي ما كنتم فيه، فقال لي: كنا في مجلس نظامه سرور بين قدور تفور، وكأس تدور، وغناء يصور، وحديث لا يحور وندامى كأنهم البدور.
قال إسحاق: وقلت لأعرابي: كان يألفني: أين كنت بالأمس؟ قال: كنت عند بعض ملوك سرّ من رأى، فأدخلني إلى قبة كإيوان كسرى، وأطعمني في قصاع تترى، وغنتني جارية سكرى، تلعب بالمضراب كأنه مدري، فيا ليتني لقيتها مرة أخرى.
قال إسحاق: وقلت لبعض الأعراب: طلبتك أمس فلم أجدك فأين كنت؟ قال: كنت عند صديق لي، فأطعمني بنات التّنانير، وأطعمني أمّهات الأبازير وحلواء الطّناجير، وسقاني زعاف القوارير، وأسمعني غناء الشادن الغرير، على العيدان والطّنابير، قد ملكت بأوقار الدراهم والدّنانير.
قرأت في بعض الكتب بغير إسناد: أنّ العطوي كان يوما جالسا في منزله، وطرقه صديق له ممن كان يغنّي بسرّ من رأى، فقال له: قد أهديت إليك جواريّ اليوم ونبيذا يكفيك، وحسبك بالكفاية. وأقام عنده، فدخل عليه غلام أمرد أحسن من القمر، فاحتبسوه وكتب العطويّ إلى صديق له من أهل الأدب: يومنا طيّب به حسن القصف وحثّ الأرطال والكاسات
ما ترى البرق كيف يلمع فيهورشاشا يبلّ في الساعات
ولدينا ظبي غرير ظريفقد غنينا به عن القينات
إن تخلّفت بعد ما تصل الرّقعة عنّا فأنت في الأموات
فأجابه الرجل فقال:
أنا في إثر رقعتي فاعلمن ذاك على أنّني من البيّات
فأفهم الشّرط بيننا لا تقل ليقد تثاقلت فانصرف بحياتي
لا لسوء لكن لأمتع نفسيبحديث الظبي الغرير المواتي
صوت
أيا بيت ليلى إنّ ليلى مريضةبرادان لا خال لديها ولا ابن عمّ
ويا بيت ليلى لو شهدتك أعولتعليك رجال من فصيح ومن عجم
ويا بيت ليلى لا يبست ولا تزلبلادك سقياها من الواكف الدّيم
الشعر لمرة بن عبد اللّه النّهدي، والغناء لأحمد النّصيبي ثقيل أول بالوسطى، يقال إنه لحنين.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع