من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار ماني الموسوس
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
هو رجل من أهل مصر، يكنى أبا الحسن واسمه محمد بن القاسم، شاعر ليّن الشعر رقيقه، لم يقل شيئا إلا في الغزل، وماني لقب غلب عليه، وكان قدم مدينة السّلام، ولقيه جماعة من شيوخنا، منهم أبو العباس محمد بن عمّار وأبو الحسن الأسديّ وغيرهما، فحدّثني أبو العباس بن عمار، قال: كان ماني يألفني، وكان مليح الإنشاد حلوه، رقيق الشعر غزله، فكان ينشدني الشيء، ثم يخالط، فيقطعه، وكان يوما جالسا إلى جنبي، فأنشدني للعريان البصريّ:
ما أنصفتك العيون لم تكفوقد رأيت الحبيب لم يقف
فابك ديارا حلّ الحبيب بهافباع منها الجفاء باللّطف
ثم استعارت مسامعا كسد اللوم عليها من عاشق كلف
كأنها إذ تقنّعت ببلىشمطاء ما تستقلّ من خرف
يا عين إمّا أريتني سكناغضبان يزوي بوجه منصرف
فمثّليه للقلب مبتسمافي شخص راض عليّ منعطف
إن تصفيه للقلب منقبضافأنت أشقى منه به فصفي
يقال بالصّبر قتل ذي كلفكيف وصبري يموت من كلفي
إذا دعا الشوق عبرة لهوىفأيّ جفن يقول لا تكفي
ومستراد للّهو تنفسح المقلة في حافتيه مؤتلف
قصرت أيامه على نفرلا منن بالنّدى ولا أسف
بحيث إن شئت أن ترى قمرايسعى عليهم بالكأس ذا نطف
قال: فسألته أن يمليها عليّ، ففعل، ثم قال: اكتب، فعارضه أبو الحسن المصري: يعني «ماني» نفسه فقال:
أقفر مغني الديار بالنّجفوحلت عما عهدت من لطف
طويت عنها الرضا مذمّمةلمّا انطوى غضّ عيشها الأنف
حللت عن سكرة الصّبابة منخوف إلهي بمعزل قذف
سئمت ورد الصّبا فقد يئستمنى بنات الخدور والخزف
سلوت عن نهّد نسبن إلىحسن قوام واللحظ في وطف
يمددن حبل الصّبا لمن ألفترجلاه قدّ المحول والدّنف
ومدنف عاد في النحول منالوجد إلى مثل رقّة الألف
يشارك الطير في النّحيب ولايشركنه في النّول والقضف
ومسمعات نهكن أعظمهفهو من الضيم غير منتصف
مفتخرات بالجور عجبا كمايفخر أهل السّفاه بالجنف
وقهوة من نتاج قطربّلتخطف عقل الفتى بلا عنف
ترجع شرخ الشباب للخرف الفاني وتدنى الفتى من الشّغف
قال: فبينا هو ينشد إذ نظر إلى إمام المسجد الذي كنّا بإزائه قد صعد المئذنة ليؤذن فأمسك عن الإنشاد، ونظر إليه - وكان شيخا ضعيف الجسم والصوت - فأذّن أذانا ضعيفا بصوت مرتعش، فصعد إليه ماني مسرعا، حتى صار معه في رأس الصّومعة، ثم أخذ بلحيته، فصفعه في صلعته صفعة ظننت أنّه قد قلع رأسه، وجاء لها صوت منكر شديد، ثم قال له: إذا صعدت المنارة لتؤذّن، فعطعط، ولا تمطمط، ثم نزل ومضى يعدو على وجهه. ولقيت عنتا من عتب الشيخ وشكواه إياي إلى أبي ومشايخ الجيران، يقول لهم: هذا ابن عمّار يجيء بالمجانين، فيكتب هذيانهم، ويسلّطهم على المشايخ فيصفعونهم في الصوامع إذا أذّنوا، حتى صرت إلى منزله، فاعتذرت وحلفت أني إنما أكتب شيئا من شعره، وما عرفت ما عمله ولا أحيط به علما.
ونسخت من كتاب لابن البراء: حدّثني أبي قال: عزم محمد بن عبد اللّه بن طاهر على الصّبوح، وعنده الحسن بن محمد بن طالوت، فقال: له محمد: كنا نحتاج أن يكون معنا ثالث نأنس به ونلذّ في مجاورته فمن ترى أن يكون! فقال ابن طالوت: لقد خطر ببالي رجل ليس علينا في منادمته ثقل، قد خلا من إبرام المجالسين، وبرىء من ثقل المؤانسين، خفيف الوطأة إذا أدنيته، سريع الوثبة إذا أمرته، قال: من هو؟ قال: ماني الموسوس، قال: ما أسأت الاختيار، ثم تقدّم إلى صاحب الشّرطة يطلبه وإحضاره، فما كان بأسرع من أن قبض عليه صاحب الشرطة بربع الكرخ فوافى به باب محمد بن عبد اللّه، فأدخل، ونظّف وأخذ من شعره، وألبس ثيابا نظافا، وأدخل على محمد بن عبد اللّه، فلما مثل بين يديه سلّم، فردّ عليه، وقال له: أما حان لك أن تزورنا مع شوقنا إليك؟ فقال له ماني: أعزّ اللّه الأمير: الشوق شديد، والودّ عتيد، والحجاب صعب، والبواب فظّ، ولو تسهّل لنا الإذن لسهلت علينا الزيارة، فقال له محمد: لقد لطفت في الاستئذان، وأمره بالجلوس. فجلس، وقد كان أطعم قبل أن يدخل، فأتى محمد بن عبد اللّه بجارية لإحدى بنات المهديّ، يقال لها: منوسة، وكان يحبّ السماع منها، وكانت تكثر أن تكون عنده، فكان أول ما غنّته:
ولست بناس إذ غدوا فتحمّلوادموعي على الخدّين من شدّة الوجد
وقولي وقد زالت بعيني حمولهمبواكر تحدى لا يكن آخر العهد
فقال ماني: أيأذن لي الأمير؟ قال: في ماذا؟ قال: في استحسان ما أسمع، قال: نعم، قال: أحسنت واللّه، فإن رأيت أن تزيدي مع هذا الشعر هذين البيتين:
وقمت أداري الدمع والقلب حائربمقلة موقوف على الضّرّ والجهد
ولم يعدني هذا الأمير بعدلهعلى ظالم قد لجّ في الهجر والصّدّ
فقال له محمد: ومن أيّ شيء استعديت يا ماني؟ فاستحيا، وقال: لا من ظلم أيها الأمير، ولكن الطّرب حرّك شوقا كان كامنا، فظهر. ثم غنّت:
حجبوها عن الرياح لأنّيقلت: يا ريح بلّغيها السّلاما
لو رضوا بالحجاب هان ولكنمنعوها يوم الرياح الكلاما
قال: فطرب محمد، ودعا برطل فشربه فقال ماني: ما كان على قائل هذين البيتين لو أضاف إليهما هذين البيتين:
فتنفّست ثم قلت لطيفي:ويك إن زرت طيفها إلماما
حيّها بالسلام سرّا وإلّامنعوها لشقوتي أن تناما
فقال محمد: أحسنت يا ماني، ثم غنّت:
يا خليليّ ساعة لا تريماوعلى ذي صبابة فأقيما
ما مررنا بقصر زينب إلافضح الدمع سرّك المكتوما
قال ماني: لو لا رهبة الأمير لأضفت إلى هذين البيتين بيتين لا يردان على سمع سامع ذي لبّ فيصدران إلا عن استحسان لهما، فقال محمد: الرغبة في حسن ما تأتي به حائلة عن كلّ رهبة، فهات ما عندك، فقال: ظبية كالهلال لو تلحظ الصخر بطرف لغادرته هشيما وإذا ما تبسّمت خلت ما يبدو من الثّغر لؤلؤا منظوما
فقال محمد: إن أحسن الشعر ما دام الإنسان يشرب ما كان مكسوّا لحنا حسنا تغنّي به منوسة وأشباهها، فإن كسيت شعرك من الألحان مثل ما غنّت قبله طاب، فقال: ذلك إليها.
فقال له ابن طالوت: يا أبا الحسين، كيف هي عندك في حسنها وجمالها وغنائها وأدبها؟ قال. هي غاية ينتهي إليها الوصف، ثم يقف، قال: قل في ذلك شعرا، فقال:
وكيف صبر النفس عن غادةتظلمها إن قلت طاووسه
وجرت إن شبّهتها بانةفي جنّة الفردوس مغروسه
وغير عدل إن عدلنا بهالؤلؤة في البحر منفوسه
جلّت عن الوصف فما فكرةتلحقها بالنعت محسوسه
فقال له ابن طالوت: وجب شكرك يا ماني، فساعدك دهرك، وعطف عليك إلفك، ونلت سرورك، وفارقت محذورك، واللّه يديم لنا ولك بقاء من ببقائه اجتمع شملنا، وطاب يومنا.
فقال ماني:
مدمن التخفيف موصولومطيل اللّبث مملول
فأنا أستودعكم اللّه، ثم قام فانصرف، فأمر له محمد بن عبد اللّه بصلة، ثم كان كثيرا ما يبعث يطلبه إذا شرب، فيبرّه، ويصله، ويقيم عنده.
أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدّثني المبرد، قال: حدّثني بعض الكتاب ممّن كان ماني يلزمه، ويكثر عنده، قال: لقيني يوما ماني بعد انقطاع طويل عني، فقال: ما قطعني عنك إلا أني هائم، قلت: بمن؟ قال بمن إن شئت أن تراه الساعة رأيته فعذرتني، قلت: فأنا معك، فمضى، حتى وافى باب الطاق، فأراني غلاما جميل الوجه بين يدي بزّاز في حانوته، فلما رآه الغلام عدا، فدخل الحانوت، ووقف ماني طويلا ينتظره، فلم يخرج، فأنشأ يقول:
ذنبي إليه خضوعي حين أبصرهوطول شوقي إليه حين أذكره
وما جرحت بطرف العين مهجتهإلا ومن كبدي يقتصّ محجره
نفسي على بخله تفديه من قمروإن رماني بذنب ليس يغفره
وعاذل باصطبار القلب يأمرنيفقلت: من أين لي قلب أصبّره
ومضى يعدو ويصيح: الموت مخبوء في الكتب.
صوت
وشادن قلبي به معمودشيمته الهجران والصّدود
لا أسأم الحرص ولا يجودوالصبر عن رؤيته مفقود
زنّاره في خصره معقودكأنه من كبدي مقدود
عروضه من الرجز، والشّعر لبكر بن خارجة، والغناء للقاسم بن زرزور، خفيف رمل بالوسطى.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع