من «كتاب الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني (ت ٣٥٦هـ)
أخبار بكر بن خارجة
حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.
كان بكر بن خارجة، رجلا من أهل الكوفة، مولى لبني أسد، وكان ورّاقا ضيّق العيش، مقتصرا على التكسب من الوراقة، وصرف أكثر ما يكسبه إلى النبيذ، وكان معاقرا للشّرب في منازل الخمّارين وحاناتهم، وكان طيّب الشّعر مليحا مطبوعا طبعا ماجنا.
فذكر أبو العنبس الصّيمري أن محمد بن الحجاج حدّثه قال: رأيت بكر بن خارجة يبكّر في كل يوم بقنّينتين من شراب إلى خراب من خرابات الحيرة، فلا يزال يشربه فيه على صوت هدهد كان يأوي إلى ذلك الخراب، إلى أن يسكر، ثم ينصرف، قال: وكان يتعشق ذلك الهدهد.
وحدّثني عمي عن ابن مهرويه عن عليّ بن عبد اللّه بن سعد، قال: كان بكر بن خارجة يتعشق غلاما نصرانيا، يقال له: عيسى بن البراء العباديّ الصّيرفي، وله فيه قصيدة مزدوجة يذكر فيها النصارى وشرائعهم وأعيادهم، ويسمّي دياراتهم، ويفضّلهم.
قال: وحدّثني من شهد دعبلا وقد أنشدني قوله في عيسى بن البراء النصراني العبادي:
زنّاره في خصره معقودكأنه من كبدي مقدود
فقال دعبل: ما يعلم اللّه أنّي حسدت أحدا قطّ كما حسدت بكرا على هذين البيتين.
وحدّثني عمي عن الكرانيّ، قال: حرّم بعض الأمراء بالكوفة بيع الخمر على خماري الحيرة، وركب فكسر نبيذهم، فجاء بكر يشرب عندهم على عادته، فرأى الخمر مصبوبة في الرحاب والطرق، فبكى طويلا، وقال:
يا لقومي لما جنى السلطانلا يكونن لما أهان الهوان
قهوة في التراب من حلب الكرم عقارا كأنّها الزعفران
قهوة في مكان سوء لقد صادف سعد السعود ذاك المكان
من كميت يبدي المزاج لها لؤلؤ نظم والفصل منها جمان
فإذا ما اصطبحتها صغرت فيالقدر تختالها هي الجرذان
كيف صبري عن بعض نفسي وهليصبر عن بعض نفسه الإنسان!
قال: فأنشدتها الجاحظ، فقال: إن من حق الفتوة أن أكتب هذه الأبيات قائما وما أقدر على ذلك إلا أن تعمدني، وقد كان تقوّس، فعمدته، فقام، فكتبها قائما.
وقال محمد بن داود بن الجرّاح في كتاب الشعراء: قال لي محمد بن الحجاج: كانت الخمر قد أفسدت عقل بكر بن خارجة في آخر عمره، وكان يمدح ويهجو بدرهم وبدرهمين ونحو هذا فاطّرح، وما رأيت قطّ أحفظ منه لكلّ شيء حسن، ولا أروى منه للشعر.
قال: وأنشدني بعض أصحابنا له في حال فساد عقله:
هب لي فديتك درهماأو درهمين إلى الثّلاثة
إني أحبّ بني الطفيل ولا أحبّ بني علاثه
قال ابن الجراح حدّثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدّثني بعض أصحابنا الكوفيين قال: حضرنا دعوة ليحيى بن أبي يوسف القاضي وبتنا عنده، فنمت فما أنبهني إلّا صياح بكر يستغيث من العطش، فقلت له: مالك؟ فاشرب فالدار مليئة ماء، قال: أخاف، قلت: من أي شي ء؟ قال: في الدار كلب كبير، فأخاف أن يظنني غزالا فيثب عليّ ويقطعني ويأكلني، فقلت: له ويحك يا بكر! فالحمير أشبه منك بالغزال، قم فاشرب إن كنت عطشان وأنت آمن، وكان عقله قد فسد من كثرة الشراب.
قال: وأنشدني له، وقد رأى صديقا له قرأ رقعة من صديق له آخر ثم حرقها:
لم يقو عندي على تحريق قرطاسيإلا امرؤ قلبه من صخرة قاسي
إن القراطيس من قلبي بمنزلةتحويه كالسمع والعينين في الرأس
ومما يغنّى فيه من شعر بكر بن خارجة:
صوت
قلبي إلى ما ضرّني داعييكثر أحزاني وأوجاعي
لقلّ ما أبقى على ما أرىيوشك أن ينعاني الناعي
كيف احتراسي من عدوّي إذاكان عدوي بين أضلاعي؟
أسلمني الحبّ وأشياعيلمّا سعى بي عندها الساعي
لمّا دعاني حبّها دعوةقلت له: لبّيك من داع
الغناء لإبراهيم بن المهدي ثقيل أول، وفيه لعبد اللّه بن العباس هزج، جميعا عن الهشامي، وقيل: إن فيه لحنا لابن جامع.
وقد ذكر الصولي في أخبار العباس بن الأحنف وشعره أن هذه الأبيات للعباس بن الأحنف، وذكر محمد بن داود بن الجرّاح عن أبي هفّان أنها لبكر بن خارجة:
صوت
ويلي على ساكن شطّ الصّراهمن وجنتيه شمت برق الحياه
ما ينقضي من عجب فكرتيفي خصلة فرّط فيها الولاه
ترك المحبين بلا حاكملم يقعدوا للعاشقين القضاه
الشعر لإسماعيل القراطيسي والغناء لعباس بن مقام خفيف رمل بالوسطى.
النص من طبعة دار إحياء التراث العربي (١٤١٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف حواشي المحققين وتعليقاتهم. مصادر الموقع