من «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» للسري الرفاء (ت ٣٦٢هـ)
الباب الأول
الربيع
أنشد علي الأسواري هذه المقطوعة:
أوائلُ رسلٍ للرَّبيعِ تقدَّمتْعلى حسن وجهِ الأرض خيرَ قدومِ
فراقتْ لها بعدَ الممات حدائقٌكواسٍ وكانتْ مثل ظهر أديمِ
كأنَّ اخضرارَ الرَّوضِ والنَّورُ طالعٌعليه سماءٌ زُيِّنت بنجومِ
إذا افتضَّها لحظُ البصير بلحظةٍتوهَّمها مفروشةً برقومِ
تردَّتْ بظلٍّ دائمٍ وتضاحكتْبضحكِ بروقٍ في بكاءِ غيومِ
فأوردها فحلُ السَّحاب عرائساًضعافَ القِوى من مرضعٍ وفطيمِ
كمثلِ نشاوى الرَّاح يلثمُ دائباًإذا الرّيحُ جادتْ بنتها بنسيمِ
الخليع:
ضحكت ضواحي الأرض لمَّا رقرقتْظهرانهنَّ مدامعُ الأنواءِ
فترى الرّياضَ كأنَّهنَّ عرائسٌيُنقلنَ من صفراءَ في حمراءِ
البسَّامي:
أما ترى الأرضَ قد أعطتكَ زهرتَهابخضرةٍ واكتسى بالنَّوْرِ عاريها
فللسماءِ بكاءٌ في جوانبهاوللرَّبيعِ ابتسامٌ في نواحيها
الزاهي وأحسن فيه:
هذا الربيعُ وهذه أنوارُهطابتْ لياليه وطابَ نهارهُ
درِّيَّةٌ أنوارهُ فضيَّةٌأنهارهُ ذهبيَّةٌ أشجارُهُ
متأرِّجٌ نشواتهُ متبلّجٌضحواتهُ ومتبرِّجٌ أسحارُهُ
والماءُ فضيُّ القميصِ مفروزٌببنفسجٍ واللازوردُ شعارُهُ
والسَّروُ ممدودُ القوام كأنَّهقدُّ القناةِ يصفهُ أنهارُهُ
وترنَّمتْ عجمُ الطّيورِ كأنَّهاسربُ القيان ترنَّمتْ أوتارُهُ
فاشربْ على ورد الخدودِ بجنبهِوردُ الربيع تحُفُّهُ أنوارُهُ
من كلِّ أحورَ كالقضيب منعَّمٍقد شدَّ خوطَ قوامه زنَّارُهُ
يسقيكَها من كفِّه وبطرفهأضعافَ ما قدْ أسكرتْه عُقارُهُ
متدلِّلٌ من عقدهِ بدرُ الدجىمتهلِّلٌ وظلامُه أزرارُهُ
الصنوبري:
إنْ كانَ في الصيفِ ريحانٌ وفاكهةٌفالأرضُ مستوقد والجوّ تنُّورُ
وإن يكنْ في الخريفِ النخلُ مختَرفاًفالأرض محصورةٌ والجوُّ مأسورُ
وإن يكنْ في الشتاء الغيمُ متَّصلاًفالأرض عريانةٌ والجوُّ مقرورُ
ما الدَّهرُ إلاَّ الربيعُ المستنيرُ إذاجاء الربيعُ أتاكَ النَّورُ والنُّورُ
فالأرض ياقوتةٌ والجوُّ لؤلؤةٌوالنَّبتُ فيروزجٌ والماءُ بلُّورُ
لا تعدمُ الأرض كأساً من سحائبهفالنبتُ ضربانِ سكرانٌ ومخمورُ
فيه جنى الورد منضودٌ مورَّدةٌبه المجالسُ والمنثور منثورُ
هذا البنفسجُ هذا الياسمينُ وذا النِّسرينُ ذا سوسنٌ بالحسنِ مشهورُ
حيثُ التفتَّ فقمريٌّ وفاختةٌوبلبلٌ ووراشينٌ وزرزورُ
يطيبُ حولَ صحاريهِ المقامُ كماتطيبُ في غيرهِ الحاناتُ والدُّورُ
في كلِّ ظهرٍ علونا فيه دَسْكرةٌوكلِّ بطنٍ هبطنا فيه ماخورُ
تباركَ اللهُ ما أحلى الربيع فلايغررْ مقايسهُ بالحسن تغريرُ
مَن شمَّ ريحَ نحياتِ الربيع يقلْلا المسك مسك ولا الكافورُ كافورُ
آخر:
هذا الربيعُ من الجنانِ هديَّةٌونديمُ كأسكَ من نتاجِ الحورِ
لك نزهتانِ محاسنٌ ومناقبٌإنْ لم تلذَّ فلستَ بالمعذورِ
فالوردُ في خُضر القُموعِ كأنَّهوردُ الخدودِ بخُضرةِ التَّعذيرِ
آخر:
قهقهَ نورُ الربيع فاستبشرْواكتستِ الأرضُ مطرفاً أخضرْ
ترى ربيعاً نوَّارهُ ذهبٌماءُ لجينٍ حصباؤه جوهرْ
عطَّل صبّاغُه الخدودَ بماورَّدَ من صبغها وما عصفرْ
لابسُ قميصٍ من العقيق علىغلائلٍ من زبرجدٍ أخضرْ
الخبزأرزي:
هذا الربيعُ من الجنَّات مسترقٌففيه من صفة الجنَّات تمثيلُ
فالوردُ من وجنة المعشوق صِبغتُهوالطيبُ من نكهةِ المعشوق معلولُ
وردُ الخُدود مصونٌ ليس يقطفهُإلاَّ العيونُ ووردُ الرَّوض مبذولُ
طيبوا فما طيبُ هذا الفصل مُدَّغمٌيخفى ولا فضلُ هذا اليومِ مجهولُ
أمَّا النَّهارُ فر حرٌ ولا خصرٌوالليلُ لا قصرٌ فيه ولا طولُ
فلا البنانُ عن التجميش منقبضٌولا العناق لكرب الحرِّ مملولُ
طاب الهواءُ لتعديل الهواءِ بهفللَّذاذاتِ في الأرواحِ تعديلُ
فشيِّعوا يومَكم واستقبلوا غدهُفقسمةُ العيش تعجيلٌ وتأميلُ
وما انتظاركمُ والعيشُ مقتبلٌوالوردُ مُبتسمٌ والروضُ مطلولُ
غيره:
اخضرَّتِ الأرضُ واصفرَّت وقد لبستْثوبَ النضارةِ أشجارُ البساتينِ
والروضُ مبتهجٌ والماءُ مطّردٌوالنَّورُ مفترشٌ وسطَ الميادينِ
والوردُ أطيبُ شمَّاماً ورائحةًمن مسك تُبَّتْ أوْ من عنبر الصينِ
أما ترى الطيرَ غنَّتْ وقد طربتْتحكي بنغمتها وزنَ الدَّساتينِ
الصنوبري:
أما ترى جواهرَ الأنواءِألَّفها مؤلِّفُ الأنداءِ
ما شئتَ من ياقوتةٍ حمراءفيها ومن ياقوتةٍ صفراءِ
قدْ فُصِّلتْ بدرَّةٍ بيضاءزهراءَ مثلِ الزَّهرةِ الزَّهراءِ
فإن لحظتَ زاهرَ الشَّجراءِألفيتهُ معصفرَ السماءِ
وإنْ شممتَ أرجَ الفضاءِوجدتَهُ معنبرَ الهواءِ
في ذهبِ التُربُ لجينُ الماءِيجري على زمرُّد الحصباءِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع