من «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» للسري الرفاء (ت ٣٦٢هـ)
الباب الثاني: البرق
أنشد لبعض العرب، وهو نادرٌ ما قيل:
ألا يا سنا برقٍ علا قُللَ الحِمىليهنكَ من برقٍ عليَّ كريمُ
لمعت اقْتذاءَ الطيرِ والقومُ هجَّعفهيجتَ أوجاعاً وأنتَ سليمُ
آخر، وهو من البديع:
نارٌ تُجدِّدُ للعيدانِ نضرتَهاوالنَّارُ تلفح عيداناً فتحترقُ
أعرابي:
وكمْ دونَ ليلى منْ بريقٍ كأنَّهسُيَيْفٌ ولكن لم يسلَّ من الغمدِ
يضيءُ ويخفى تارةً فكأنَّهتقطُّعُ لمعِ النَّارِ في طرفِ الزندِ
أنشد الجاحظ لحميد بن ثور:
أرِقتُ لبرق آخر اللَّيل يلمعُسرى موهناً دوني يهبُّ ويهجعُ
خفا كاقتذاء الطير والليلُ ضاربٌبأرواقهِ والصبحُ قد كادَ يسطعُ
وأنشد أيضاً:
أشاقكَ برقٌ أخرَ الليل لامعٌوكلُّ حجازيٍّ لهُ البرقُ شائقُ
سرى كاحتساء الطير والليلُ دونهوأعلامُ سلمى كلُّها والأسالقُ
جحظة:
ألا أيُّها البرقُ الذي صابَ ودقُهوسارتْ به في الجانبينِ الجنائبُ
إذا أنتَ روَّيتَ المطيرة مثلماروينا به خمراً فحقُّكَ واجبُ
آخر:
ربَّ ليلٍ أرِقتُ فيه لبرقضاحكٍ في ظلام ليلٍ عبوسِ
لاحَ في أفقهِ فخلتُ سناهلهباً ساطعاً بأعلى وَطيسِ
آخر:
أرقتُ لبرق سَرى موهِناًخفياً كغمزِكَ بالحاجبِ
كأنَّ تألقَه في السمايدا كاتبٍ أوْ يدا حاسبِ
وأما قول امرئ القيس:
أصاحِ ترى برقا أريك وَميضَهُكلمعِ اليدين في حَبِيٍّ مكلَّلِ
فتفسيره قول الكميت:
كما انتظر المُسنِتونَ الربيعَ أومضَ برقاهُ ثمَّ اسْتطارا
وإذا أومض البرق مثنى مثنًى فهم لا يشكون في الغيث، ويشدون الرحال للنجعة وتتبع مساقط القطر ومواقع الكلأ. وعلى ذكر البرق فقد هفا أبو الفتح عثمان بن جني في تفسير قول المتنبي:
تبلُّ خديَّ كلَّما ابتسمتمن مطر برقهُ ثناياها
وبيانه قول ابن الرومي:
وواضحٍ باردٍ به شنبٌيعرقُ من شامَ برقَه مطرهْ
ينبت لألاؤه عذوبَتَهوليس يُخفي نسيمه خصرهْ
وذكر أبو الفتح أيضاً، في آخر كتاب المعرّب في القوافي، في قول بعض الخوارج يذكر الحجاج بن يوسف:
ولا الحجاج عَينيْ بنتِ ماءتُقلِّبُ طرفَها حذرَ الصُّقور
أنه ذليل. وحمله على معنى قول الله ﷿:) ينظرون من طرف خفي (. أي نظراً بذلٍّ واستكانة؛ واستشهد به عليه.
وهذا البيت قد أنشده الرواة في كتب المعاني، وفسروه مصححاً: أن طيور الماء منسلقة الأجفان بلا أهداب. وكان الحجاج منسلق الأجفان بلا أهداب.
آخر:
وبدا لهُ من بعد ما انْدملَ الهوىبرقٌ تتابعَ موهِناً لمعانهُ
يبدُو كحاشية الرِّداء ودونهصعبُ الذرا متمنِّعٌ أركانهُ
فالنَّارُ ما اشتملتْ عليه ضُلوعهُوالماءُ ما سحَّت بهِ أجفانهُ
عروة:
ألا لا أريدُ السَّيرَ إلاَّ مُصاعداًولا البرقَ إلاَّ أن يكونَ يَمانيا
على مثلِ ليلى يقتلُ المرءُ نفسهوإنْ كنت من ليلى على اليأسِ ثاويا
ابن المعتز:
إذا تفرَّى البرقُ فيها خلتَهبطن شجاع في كثيب يضطَربْ
وتارةً تبصِره كأنَّهأبلقُ مالَ جلُّه حين وثبْ
وتارةً تخالهُ إذا بداسلاسلاً مصقولةً من الذهبْ
وأخذ البيت الأول من قول عروة:
ألمْ تأرقْ لبرق باتَ يسريبأكنافِ الأراكةِ مستطيرِ
تكشفَ عائذٍ بلقاءَ تنفيذكورَ الخيلِ عن ولدٍ صغيرِ
وأنشد أبو الفرج الأصفهاني لبعض إماء العرب:
أتربَيَّ من عُليا تميم بن عامرٍأجدَّا البكا إنَّ التفرُّقَ باكرُ
أتربَيَّ عاقتني نوًى عن نواكماوشعبُ هوًى قد بانَ لي متشاجرُ
ألا تريانِ البرقَ باتَ كأنَّهروامحُ شقرٌ تتقيهِ الحوافرُ
فما مكثُنا دامَ الجميلُ عليكُمابنعمانَ إلاَّ أن تُردَّ الأباعرُ
الحسن بن وهب:
أما ترى البارقَ اليمانيحقّاً يقيناً لقدْ شَجاني
ذكَّرني عارِضيْ سعادٍتلكَ التي فاقتِ الغَواني
ففاضَ دمعي وأسلمتْهُللوجدِ عينانِ تذرِفانِ
حبيبةٌ لي مُنعتُ منهافلا أراها ولا تَراني
وقد استعار أبو تمام لفظ البرق، وركَّب من البرق معنى اخترعه فقال:
برقٌ إذا برقُ غيثٍ باتَ مختطفاًللطَّرف أصبحَ للأعناقِ مختطفا
إلاَّ أن في لفظه كلفة. ولسهولة الألفاظ، وائتلاف مراتبها، والتحام أجزائها، وتناسب أبعاضها مدخلٌ في جودة الشعر، وبراعة النظم. ألا ترى فيما أنشده الرواة كم بين قول امرئ القيس:
كأنِّيَ لم أركبْ جواداً للذةولم أتبطن كاعباً ذات خلخال
ولم أسبأ الزق الروي ولم أقللخيليَ كُرِّي كرة بعد إجفالِ
وبين قول عبد يغوث الحارثي:
كأني لم أركب جواداً ولم أقللخيلي كري نفسي عن رِجاليا
ولم أسبأِ الزقَّ الرويّ ولم أقلْلأيسار صدقٍ عظِّموا ضوءَ نارِيا
وقال عبد الله بن المعتز في قول أبي تمام:
جعلتَ الجودَ لألاءَ المساعيوهل شمسٌ تكونُ بلا شُعاعِ
كاد البيت يكون جيداً لو لم يقلْ لألاء.
وعلى هذا أنشد خالد بن كلثوم بشار بن برد قول المجنون:
ألا إنَّما ليلى عصا خيزرانةٍإذا غَمزوها بالأكفِّ تَلينُ
فقال بشار: لو كان قال: عصاً من زُبْدٍ لكان جافياً من بعد ذكر العصا. هلاّ قال كما قلت:
وحوراءِ المدامعِ من معدٍّكأنَّ حديثها ثمرُ الجنانِ
إذا قامتْ لسُبحتها تثنَّتْكأنَّ عظامَها من خيزُرانِ
ابن الدمينة:
ذكرتكِ والنَّجمُ اليَمانيّ كأنَّهوقد عارضَ الشِّعْرى قريعُ هِجانِ
فقلتُ لأصحابي ولاحتْ غمامةٌبنجدٍ ألا للهِ ما تريانِ
فقالوا نرَى برقاً تقطَّعَ دونَهُمن الطَّرفِ أبصارٌ إليه رَواني
فكمْ شامَ ذاكَ البرقَ من متردِّدٍحبيبٍ وجفنا عينيهِ هملانِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع