من «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» للسري الرفاء (ت ٣٦٢هـ)
جابر الحِيريّ
كان جابر هذا نظيف الخلقة، نظيف الثياب، والآلات، يُعتّق الشراب سنين.
قال محمد بن الصلصال: فقدم علي أبو نواس، فدخل إلي وسلّم عليّ، وفي يدي شيء من شراب جابر، عجيب الحسن والرائحة، فقال: لا يجتمع هذا والهم في صدرٍ واحد أبداً. فكان إذا جاءني جمعت له ضُرّاب الطنابير بالكوفة، وهي معدنهم، وكان يسكر سكراتٍ في الليلة الواحدة، فأحضرته شيئاً من الشراب العتيق، فقال: ألم تعلم ما حدث عليّ؟ قلت: ما هو؟ قال: نهاني أمير المؤمنين عن الشراب، وتوعّدني، وأغلظ لي، ثم أنشأ يقول:
أيُّها الرائحانِ باللومِ لُومالا أذوقُ الشرابَ إلا شَميما
فكأنّي فما أحسنُ منهاقَعديَّ يُزيّنُ التحكيما
كلَ عن حملهِ السلاحَ إلى الحربِ فأوصى المُطيقَ ألا يُقيما
فقلت له: فأقم معنا كما حكيت من فعل القعدية، قال: أفعل، وصرنا إلى حانة جابر، فقال شِعراً ذكر فيه ما قاله لي، وهو:
عتبَتْ عليكَ محاسنُ الدهرِأمْ غيَّرتْكَ نوائبُ العصرِ
فصرفتَ وجهَكَ عن مُعتّقةٍتفترُّ عن دُرَرٍ وعنْ شَذْرِ
يسعى بها ذو غُنّةٍ غنجٌمُتكحّلُ اللحظاتِ بالسِّحْرِ
ونسيتَ قولكَ حين تمزجُهافتُريكَ مثلَ كواكبِ الفجرِ
لا تحسبَنَّ عُقارَ غانيةٍوالهمَّ يجتمعانِ في صدْرِ
فقال: هاتها في كذا وكذا من أم الأمين، ثم مد يده، وأخذ القدح، ثم سار إلى محمد الأمين، فمد يده وحدثه بذلك، وقال: شربت، قال: أحسنت وأجملت، اشخص حتى تُحمل إلى صديقك هذا، فقدم وحملني إلى محمد، فلم أزل معه حتى قُتل ﵁ وأرضاه.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع