من «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» للسري الرفاء (ت ٣٦٢هـ)
يحيى الخمّار
من أهل السواد. وندب الحارث بن عبد الله بن ربيعة عامل الزبير الناسَ لحرب أهل الشام، وأعطاهم عطاءً نزراً، وكان فيمن ندب الأقيشر، ولم يكن عنده شيء يركبه سوى حمار ضعيف، ورمح وترس، فأخذ العطاء وخرج. فلما عبر جسر سُورا عدل إلى قريةٍ يقال لها فَنين، فنزل على خمّار نبطيّ يبذل زوجته لمن نزل عليه، يقال له يحيى، فتوارى عنده، وباع حماره ورمحه وترسه، وجعل يشرب بعطائه، وثمن ما باعه، ويفجر بامرأة الخمار إلى أن قفل الجيش، فدخل معهم وقال:
خرجتُ من المصرِ الحواريّ أهلُهُبلا نيّةٍ فيها احتسابٌ ولا جُعلِ
إلى جيشِ أهلِ الشامِ أُغريتُ كارهاًسَفاهاً بلا سيفٍ حديدٍ ولا نَبلِ
ولكنْ بترسٍ ليسَ فيهِ حِمالةٌورمحٍ ضعيفِ الزُّجِّ منصدعِ النَّصلِ
حباني به ظلمُ القباعِ فلم أجدْسوى أمرِهِ والسيرِ شيئاً من الفعلِ
فأجمعتُ أمري ثم أصبحتُ غازياًوسلّمتُ تسليمَ الغزاةِ على الأهلِ
وقلتُ لعل أن أرى ثَمَّ راكباًعلى فرسٍ أو ذا متاعٍ على بغلِ
جوادي حمارٌ كانَ دهراً لظهرهِأكافٌ وإشناقُ المزادةِ والرحلِ
وقدْ خانَ عينيه بياضٌ وخانَهُقوائمُ سُوءٍ حينَ يُزجرُ في الوحلِ
إذا ما نتحى في لُجّةِ الماءِ لم ترِمْقوائمُهُ حتى يؤخَّرَ بالحِملِ
فإنْ بلغَ الضحضاحَ فحجَّ بائلاًصبوراً على ضربِ الهراوةِ والركلِ
أنادي الرفاقَ: باركَ اللهُ فيكمُرويدَكمُ حتى أجوزَ إلى السهلِ
فسِرنا إلى فنينَ يوماً وليلةًكأنّا بغايا ما يَسرْنَ إلى بعلِ
إذا ما نزلْنا لم نجدْ ظِلَّ ساعةٍسوى يابسِ الأنهارِ أو سعفِ النخلِ
مررْنا على سوراءَ نسمعُ جرسَهُيئطّ نقيضاً عن سفائنهِ العصلِ
فلما بدا جسرُ الصراةِ وأعرضَتْلنا سوقُ فرّاغِ الحديثِ بلا شغلِ
نزلْنا على يحيى فيا طيبَ دارِهِوطاعةَ من فيها على أيسرِ البذلِ
يشارطُهُ من شاءَ كانتْ بدرهمٍعروساً لما بين السبيئةِ والبَسْلِ
فأتبعْتُ رمحي ترسَهُ ثم نصلَهُوبعتُ حماري واسترحتُ من الثقلِ
مهرتُهما حُردنقةً فتركتُهاطموحاً بطرفِ العينِ شائلةَ الرِّجلِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع