تجاوز إلى المحتوى

من «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» للسري الرفاء (ت ٣٦٢هـ)

هشيمة الخمّارة

كانت هشيمة من ساكني الشام تخدم الوليد بن يزيد في شرابه، وتتولى اتخاذه وتختاره له، ويقال إنه لم يُرَ أعرف منها بأمره، ولا ألطف آلةً وصنعةً، ولا ألبقَ في الخدمة، وقد ذكرها الوليد بن يزيد في بعض شعره يصفها فقال:

قد شربْنا وحنَّتِ الزمّارَهْفاسقِني يا بذيحُ بالقَرْقارَهْ
من شرابٍ كأنّهُ دمُ خَشفٍعتقتْهُ هشيمةُ الخمّارَهْ
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إسقنا يا يزيد بالقرقاره»
اسقِني اسقِني فإنَّ ذنوبيقدْ أحاطَتْ فما لها كَفّارَهْ
للشاعر الوليد بن يزيد، من قصيدة «إسقنا يا يزيد بالقرقاره»

وعُمّرت حتى أدركت الرشيد. وحدث إسحاق الموصلي قال: كانت هشيمة الخمارة جارتي، وكانت تخصّني بطيب الشراب وجيّده، فلما ماتت رثيتُها فقلت فيها:

أضحَتْ هشيمةُ في القبورِ مقيمةًوخلَتْ منازلُها من الفتيانِ
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
كانتْ إذا هجرَ المحبُّ حبيبَهُدبَّتْ لهُ في السرِّ والإعلانِ
للشاعر إسحاق الموصلي، اقرأ القصيدة
حتى يلينَ لما تريدُ قيادُهُويعودُ سيئُهُ إلى إحسانِ

قال: وأجود ما رُثي به إسحاق الموصلي لما مات:

أصبحَ اللهوُ تحتَ عفرِ الترابِثاوياً في محلّةِ الأحبابِ
إذْ مضى الموصليُّ وانقرضَ الأُنسُ ومَحَّتْ مشاهدُ الأطرابِ
بكَتِ المُلهياتُ حزناً عليهِوبَكاهُ الهوى وصفوُ الشرابِ
وبكتْ آلةُ المجالسِ حتىأصبحَ العودُ آلةَ المِضرابِ

وحدث عمر بن شبّة قال: لما مات إبراهيم الموصلي في سنة ثمان وثمانين ومائة، ومات في ذلك اليوم الكسائي النحوي، والعباس بن الأحنف، وهشيمة الخمارة فرُفع ذلك إلى الرشيد، فأمر المأمونَ أن يصلي عليهم، فخرج، فصُفوا بين يديه، فقال: من هذا الأول؟ فقالوا: إبراهيم الموصلي، فقال: أخّروه، وقدموا العباس، فقُدّم فصلّي عليه. فلما فرغ وانصرف دنا منه هاشم بن عبد الله بن مالك الخزاعي، فقال: يا سيدي! كيف آثرت العباسَ بن الأحنف بالتقدمة على من حضر؟ فقال: لقوله:

وسعى بها ناسٌ فقالوا: إنّهالهيَ التي تشقى بها وتُكابدُ
فجحدتُهم ليكونَ غيرُكَ ظنَّهمإنّي ليعجبني المحبُّ الجاحدُ
للشاعر العباس بن الأحنف، من قصيدة «قالت مرضت فعدتها فتبرمت»

ثم قال: أتحفظها؟ قلت: نعم! وأنشدته فقال المأمون: أليس من قال هذا الشعر حقيقاً بالتقدمة؟ فقلت: بلى والله يا سيدي.

وفي هشيمة يقول بعض الشعراء، وكان يشرب عندها:

وردَ الشتاءُ فمرحباً بورودِهِومضى المصيفُ مُولّياً لسبيلِهِ
فاقرِ السلامَ على بساتين القرىوعلى الشرابِ كثيرِه وقليلِهِ
وعلى هشيمةَ والحلولِ بدارِهاوعلى وِصالِ مُواصلٍ لخليلهِ
حتى يعودَ لكَ الربيعُ وحُسنُهُفيعودُ ممنوعٌ إلى مبذولهِ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من كتاب المشروب

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.