من «المحب والمحبوب والمشموم والمشروب» للسري الرفاء (ت ٣٦٢هـ)
حانة الشط للواثق
كان الواثق يحب المواخير، فاتخذ حانتين، إحداهما في دار الحرم، والأخرى على الشط، وأمر بأن يُختار له خمار نظيف جميل المنظر، نصراني من قطربّل، فأتى رجل له ابنان وابنتان، فجعل النساء في دار الحرم، وضم إليهن وصائف روقةً وعدّةً من الجواري الشرابيات. وفُرشتا بفُرش الخلافة، وعُلّقت الستور والستائر، ونُقل إليهما من آلة الشراب محاسن ما في الخزانة، واستعمل الخمّار دِناناً مُذهّبةً، وكراسي مدهونةً مذهبةً، وروّق الشراب. فجلس يوماً، وخرج هو وأولاده في أوساطهم الزنانير المحلاة ومعهم غلمان يحملون المكاييل والكُبَّرات والصواني، وبُزلت، وجُعل يؤتى بالأنموذجات ويكتال منها بمكيال، ووُضع على كل رأسٍ حصير من أكاليل الآس. قال الحسين بن الضحاك: قال لي الواثق: قل شعراً فيما ترى، فخجلت حتى ضقت ذرعاً، فقال: مالكَ؟ أما ترى نور صباح ونَورَ أقاحٍ، فانفتح لي القول فقلت:
ألستَ ترى الصبحَ قد أسفراومُبتكرَ الغيثِ قدْ أمطرا
وأصحرتِ الأرضُ في حُلّةِتُضاحكُ بالأحمرِ الأصفرا
ووافاكَ نَيسانُ في سُنبلٍوحثَّكَ بالشربِ كي تسكرا
وتعملَ كأسينِ في فتيةٍتطاردُ بالأصغرِ الأكبرا
يحثُّ كؤوسَهمُ مُخطَفٌتُجاذبُ أردافُهُ المئزرا
ترجّلَ بالبانِ حتى إذاأدارَ غدائرَهُ وفَّرا
وقصّرَ في الجُلّنارِ البهارَوالآبنوسةَ والعنبرا
فلما تمازجَ ما شذّرتمقارضُ أطرافِهِ شَهّرا
فكلٌّ ينافسُ في بِرِّهِليركبَ في أمرِهِ المُنكرا
فضحك الواثق وقال: سنعمل يا حسين كل ما قلت إلا الفسوق الذي ذكرت فلا، ولا كرامة، ثم قال: هل لك في حانة الشط، فقلت: إي والله، فشرب وطرب، ووصلهم كلهم. فلما كان من الغد غدوتُ إليه، فقال: أنشدني يا حسين ما قلته في يومنا الماضي فأنشدته:
يا حانةَ الشطِّ قد أكرمْتِ مثواناعودي بيومِ سرورٍ كالذي كانا
لا تُفقدينا دعاباتِ الإمامِ ولاطيبَ البطالةِ إسراراً وإعلانا
ولا تخالُعَنا في غيرِ فاحشةٍإذا تطرَّبَنا الطنبورُ أحيانا
وهاجَ زَمرٌ زُناميٌّ يعدُّ لناشجواً فأهدى لنا رَوحاً ورَيحانا
وسلسلَ الرطلَ عمروٌ ثمَّ بهِ السُقيا فألحقَ أُولانا بأُخرانا
سُقيا لشكلِكِ من شكلٍ خُصِصْتِ بهِدونَ الدساكرِ من لذّاتِ دنيانا
حَفّتْ رياضَكِ جناتٌ مُجاورةٌفي كلِّ مُخترَقٍ نهراً وبستانا
لا زلتِ آهلةَ الأوطانِ عامرةًبأكرمِ الناسِ أعراقاً وأغصانا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع