من «التحف والهدايا» للخالديين (ت نحو ٣٨٠هـ)
الباب السابع في ذكر من استهدى شيئا فمنع منه أو مطل به فذم واستبطأ بشعر
حدثنا أبو الفرج قدامة بن جعفر قال: حدثني أبي قال: أهدى أبو جعفر بن سطام إلى إبراهيم بن عيسى الزمن حمارا فلم يحمده، فكتب إلى أبي جعفر يذم الحمار ويعرض بأبي الصقر بن بلبل، وكان يعاديه:
قل "لأبي جعفر" في عيركمخمس خلال من "أبي الصقر"
مبلد يغمز من حقوهمع رقة الحافر والظهر
فامنن لهذا العير يا سيديبقوته للشهر والدهر
فوقع: ليطلق له العلف في كل شهر. قال: فتأخر في بعض الشهور، وكان في شهر رمضان، فكتب إلى أبي جعفر:
يا "أبا جعفر" بعيشك هل أبصرت عيرا يصوم شهر الصيام
جاءني الصك للحمار ولكنلم أحصل سوى استماع الكلام
فعلى حسب ذاك سوف أجازيك وآتيك شاكرا في المنام
فأمر أن يسلف لعشر سنين.
واستهدى الحمدوي البصري من أحمد بن حرب طيلسانا لم يرضه، فعمل فيه شعرا كثيرا مشهورا عند الناس، نحن نذكر شيئا منه:
يا بن حرب كسوتني طيلسانامل من صحبة الزمان وصدا
قد حسبنا نسج العناكب فيهقيس من نسج طيلسانك سدا
إن تنحنحت فيه ينخر عشراأو تنفست نحوه انقد قدا
طال ترداده إلى الرفو حتىلو بعثناه وحده لتهدى
ومن مشهور قوله فيه أيضا، وقد روى بعض هذه القطعة لعبد الصمد بن المعذل في خبر ليس ها هنا موضعه، وهي:
طيلسان لو كان لفظا إذا ماشك خلق في أنه بهتان
فهو كالطور إذ تجلى له اللهـ فهدت قواه والأركان
يا بن حرب فكيف يبقى على البذلة ثوب يذوب وهو يصان
يا بن حرب لقد رفوناه حتى بقى الرفو وانقضى الطيلسان
وفيه قوله أيضا:
يا بن حرب إني أرى في زوايابيتنا مثل ما كسوت جماعة
طيلسان رفوته ورفوت الرفو منه وقد رقعت رقاعة
فأطاع البلى فصار خليعاليس يعطى الرفاء في الرفو طاعة
فإذا سائل رآني فيهظن أني فتى من أهل الصناعة
واستهدى الحمدوي أيضا من سعيد بن أحمد البصري شاة فكانت غير مرضية، فأكثر في ذمها؛ فمن ذلك قوله:
بشاة سعيد وهي روح بلا جسمتمثلت الأمثال في شدة السقم
يقول لي الإخوان لما طبختها:أتطبخ شطرنجا عظاما بلا لحم
فقلت: كلوا منها فقالوا تجمزا:أتطعمنا ناووس قوم من العجم
فقلت لهم: كانت لديهم أسيرةترى القت في أيدي العدو وفي الحلم
وكم قد تغنت إذ تطاول جوعها، ولم تر عند القوم شيئا من الطعم
ألا أيها الغضبان بالله ما جرميإليك فقد بليت لحمى على عظمى
شاة سعيد في أمرها عبرلما أتتنا قد مسها الضرر
وهي تغنى لسوء حالتهاحسبي ما قد لقيت يا عمر
مرت بقطف خضر يشررهاقوم فظنت بأنها خضر
فأقبلت نحوها لتأكلهاحتى إذا ما تبين الخبر
وأبدلتها الظنون من طمعيأسا تغنت والدمع ينحدر
كانوا بعيدا فكنت آملهمحتى إذا ما تقاربوا هجروا
واستهدى ابن طباطبا من بعض الأمراء دابة، وكتب إليه بشعر يقول فيه:
سأغدوا منه محمولاعلى أدهم هملاج
بلون آبنوسيووجه كسنا العاج
وثيق خلقه لم يؤت من طي وإدماج
قصير الظهر محبوكعظيم الردف رجراج
كمنشور الميادينبه سرعة إدراج
ويسبى السمع منه عند إلجام وإسراج
صهيل في لجام علكه إيقاع صناج
له منه على إيقاهـ ألحان أهزاج
عليه أبدا من صبغه سربالديباج
أزح عني به الهم ولا تولع بإحراجي
فلم أثتضك المركب إلا بعد إحواج
فوعده ومطله أياما فكتب إليه:
يا سيدي أيها الأمير أماتقضى لنا بحاجة رجوناها
دابة الأرض تخرج من قبل خروج التي طلبناها
بشرت نفسي بما سمحت بهوعدا فحقق لدى بشراها
عندي لك الشكر والثناء وإنأغريت نفسي بطول شكواها
واستهدى دعبل بن علي دراعة من بعض الرؤساء، فلم يهدها إليه، وقال: "هذه الدراعة كانت لأبي، وما أسعف بها أحد، فقال دعبل:
ما يتقضى عجبيما عشت من مطلب
سألته دراعةلباسها يجمل بي
فقال لي: أكره أنتلبس من بعد أبي
وقد رأى البرد ومنيلبسه بعد "النبي"
حدثنا جحظة قال: كتب البسامي إلى ابن عمه محمد بن جعفر البسامي يستهديه برذونا كان عنده، فكتب يعتذر ولم يهده إليه، ثم بلغه أنه قال: "أنا أصون هذا البرذون عن ولدي، فكيف أهبه لغيري؟ " فقال البسامي:
بخلت عني بحارن حطملست تراني ما عشت أطلبه
فلا تقل صنته، فما خلق اللهـ مصونا وأنت تركبه
ثم استهداه بعد ذلك حمارا فلم يسعفه، فكتب إليه:
بعثت لأستهديك عيرا فلم تجدولم أدر أن العير صار لنا صهرا
فوجه به كي نشترك في ركوبهفتركبه بطنا وأركبه ظهرا
واستهدى البحتري من إسماعيل بن شهاب كاتب ابن أبي داؤاد برذونا كان عنده، فوعده إياه ومطله مدة، وكان للبحتري برذون أدهم فنفق في تلك الأيام، فكتب إليه:
وعدت برذونا ورددتنيإليك حتى مات برذوني
وكان مصقول النواحي إذارأيته مستغرب اللون
لؤلؤة تضحك أرجاؤهاتحسن في البذلة والصون
منيتني الأشهب من بعد مافجعتني بالأدهم الجون
إن يكذب الميعاد تظلم وإنيصدق فبرذون ببرذون
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع