من «التحف والهدايا» للخالديين (ت نحو ٣٨٠هـ)
الباب الثاني في ذكر من أهديت إليه هدية فشكر عنها بشعر
حدثنا الصداني قال: أهدى محمد بن علي القمى إلى البحتري غلاما فاشتغل به أياما عن حضور مجلسه، فكتب إليه محمد:
هجرت كأن الوصل أعقب هجرةوما خلت وصلا قبلها أعقب الهجرا
فأجاب البحتري:
فتى مذحج عفوا فتى مذحج غفرالمعتذر جاءت إساءته تترى
أتاني قريض منك يحدوه نائلفأنطقني جودا وأفحمني شعرا
وأكسبني شغلا عن الوصل شاغلاتعاتبني فيه وتعتده هجرا
فإن كنت مشغوفا بقربي آنسابشخصي فلم خولتني ذلك البدرا؟
وما هو إلا درة لم أجد لهاسوى جودك الأمسى إذ برزت نحرا
حملت عليه في سبيل فتوةهي الثغر خلف المجد بل تفضل الثغرا
وجدت نداك اليوم ألطف موقعاود كنت لي خلا فأصبحت لي صهرا
قال وأهدى إليه عبد الله بن السحين بن سعد القطربلي نبيذا أصفر في إناء زجاج أزرق فكتب إليه البحتري شعرا منه هذه الأبيات:
حبذا أنت من منمم بريفرج الهم أو معظم رفد
طرقتنا تلك اهدية والصهباء من خير ما تبرعت تهدي
لبست زرقة الزجاج فجاءتذهبا يستنير في لازورد
قال: وأهدى إليه محمد بن علي القمي نبيذا مع غلام حسن الوجه، فجمشه البحتري، وكتب معه إلى صاحبه هذه الأبيات:
أبا جعفر كان تجميشناغلامك إحدى الهنات الدنية
بعثت إلينا بشمس المدام تضيء لنا مع شمس البرية
فليت الهدية كانت رسولاوليت رسولك كان الهدية
فوهب له الغلام لما قرأ الأبيات.
وحدثنا البرمكي عن أبي هفان قال: أهدى أحمد بن يوسف الكاتب إلى أبي الزرقاء الشاعر دابة، فكتب إليه أبو الزرقاء:
أيها السيد الذيشرفته أرومه
قد بعثت الجواد ليفعلى من قضيمه؟
فوقع على ظهر رقعته: "قضيمه على مهديه ما دام حيا فإن نفق أخلفنا عليك غيره".
قال: واستهدى بعض الشعراء من صديق له يكنى أبا العباس خطرا فلم يسعفه بما طلب، فكتب على معن بن زائدة وهو يتقلد بلاد اليمن يطلب منه ذلك فأنفذ إليه جراب خطر وفيه ألف دينار، وكتب إليه أن اختضب بالخطر، وانتفع بنخالته، فقال:
إذا ما أبو العباس ضن بخطرهكتبنا إلى معن فأهدى لنا خطرا
وأهدى دنانيرا وأهدى دراهماوأهدى لنا بزا وأهدى لنا عطرا
فبلغ البيتان "معنا"، فوجه إليه ألف دينار ثانية وألف درهم وسفط بز وعتيد عطر.
وحدثنا البرمكي عن أبي هفان قال: وعد عبد الصمد بن المعذل خالي مسلمة بن مهزم غلاما يهديه إليه ثم أهدى إليه جارية فكتب إليه:
قد لعمري يا أبا القاسم ملحت الرسالة
قلت لي: أرسل ظبياثم أرسلت غزالة
قال: أهدى أبو القاسم التنوخي القاضي ﵁ إلى طيلساناً فكتبت إليه:
قد أتي الطيلسان مستوعبا شكري في حسن منظر ورواء
مثقلاً عاتقي وإن كان في الخفة واللطف في قياس الهواء
تسرح العين منه والقلب في الآل وفي الماء والسنا والبهاء
يتلقى حر الصدود يبرد الوصل والصيف في طباع الشتاء
يخفق الدهر في النسيم كما يفخفق قلب الجبان في الهيجاء
كل جزء منه يمج إلى الأرواح روح المنى وبرد الوفاء
ليس فيه للنار والأرض حظهو من جوهري هواء وماء
زاد في همتي ونفسي وتأميلي علوا وزاد في كبريائي
فكأني إذا تبخترت فيهقد تطيلست نصف بدر السماء
قال: وأهدى الحسن بن وهب على أبي تمام غلاما جميلاً فكتب إليه:
قد جاءنا الرشأ الذي أهديتهخرقا ولو شئنا لقلنا المركب
لدن البنان له لسان أعجمخرس معانيه ووجه معرب
يرنو فيثلم في القلوب بطرفهويعن للنظر الحرون فيصحب
قد صرف الرانون خمرة خدهوأظنها بالريق منه ستقطب
وأهدى إليه ثياباً، فكتب إليه:
قد كسانا من كسوة الصيف قرممكتس من مكارم ومساع
حلة ذات رونق ورداءكسحا القيض أو رداء الشجاع
كالسراب الرقراق بالقفر إلاأنه ليس مثله في الخداع
سابري يسترجف الريح متنيهـ بأمر من الهبوب مطاع
رجفانا كأنه الدهر منهكبد الصب أو حشا المرتاع
لازماً ما يليه تحسبه جزء من المتنين والأضلاع
يطرد اليوم ذا الهجير ولو شبهـ في حره بيوم الوداع
خلعة من أغر أروع رحب الصدر رحب الفؤاد رحب الذراع
سوف أكسوك ما يعفى عليهامن ثناء كالبرد برد الصناع
حسن هاتيك في العيون وهذاحسنه في القلوب والأسماع
وأهدى بعض الرؤساء إلى صالح الديلمي ثيابا فكتب إليه صالح:
كسوت من تملكه كسوةجاءت إلى ملكك من ملككا
صنيعة أعطى نساجهاأنموذج الرقة من وجهكا
فهي من الحسن ترينا الذييعرفه الزائر من بشركا
طويلة في عرضها فضلةكأنما مرت على صدركا
أظنها من قبل إهدائهامرغها الخازن في خلقكا
فنشرها في وقت نشرى لهاأذكى على الأنف من ندكا
وأهدى الحسن بن وهب إلى أبي تمام فرسا رائعا، فكتب إليه أبو تمام شعرا يقول فيه:
نعم متاع الدنيا حباك بهأروع لا حيدر ولا جبس
اصفر منها كأنه محة البيضة صاف كأنه عجس
هادية جذع من الأراك وماخلف الصلا منه صخرة جلس
يكاد يجري الجادي من ماء عطفيه ويجني من متنه الورس
ضمخ من لونه فجاء كأنقد كسفت في أديمه الشمس
هذب في جنسه فنال المدىبنفسه فهو وحده جنس
أحرز آباؤه الفضيلة مذتفرست في عروقه الفرس
وهو إذا ما ناجاه فارسهيفهم عنه ما تفهم الإنس
كل ثمين من التلاد لهغير ثنائي فإنه بخس
وأهدى إليه فرسا آخر فقال فيه شعرا، منه هذه الأبيات:
ما مقرب يختال في أشطانهملآن من صلف به وتلهوق
حوافر حفر وصلب صلبوأشاعر شعر وخلق أخلق
وبشعلة تبدو كأن فلولهافي صهوتيه بدو شيب المفرق
ذو أولق تحت العجاج وإنمامن صحة إفراط ذاك الأولق
تغري العيون به ويفلق شاعرفي نعته عفوا وليس بمفلق
صلتان يبسط إن ردى أو إن عدافي الأرض باعا منه ليس بضيق
مسود شطر مثل ما اسود الدجىمبيض شطر كابيضاض المهرق
قد سالت الأوضاح سيل قرارةفيه فمفترق عليه وملتق
صافي الأديم كأنما ألبستهمن سندس بردا ومن استبرق
يرقى وما هو بالسليم ويغتديدون السلاح سلاح أروع محلق
في مطلب أو مهرب أو رغبةأو رهبة أو مركب أو فيلق
أمطاكه "الحسن بن وهب" إنهداني ندى اليد من رجاء المملق
وحدثنا أحمد بن جعفر البرمكي قال: أهدى سعيد بن حميد الكاتب إلى أبي هفان قارورة من ماء الورد الفارسي فكتب إليه أبو هفان:
بعثتها حالية النحربكرا وكل الخير في البكر
ملفوفة في حلل هن منخضر ومن صفر ومن حمر
تزر في الجيد ولكنهاتجر أذيالا على الخصر
بيضاء في زرقاء كالشمس إذ تطلعت من زرقة الفجر
كجامد الياقوت أقطاره مملوءةمملوءة من ذائب الدر
جادت لمن ركب جثمانهاروحها سيدة الزهر
ما حضرت والعطر في مجلسوإلا وكانت ربة العطر
نابت عن الورد كما نبت عنأبيك في العز وفي القدر
فعاد ذا منها إلى غصنهوقام ذا عنك من القبر
إن أنت حييت بها مسكةفمثلها الأبيات في النشر
ولم يضيع فارسي الندىفي عربي الحمد والشكر
وحدثنا طاهر بن محمد الهاشمي قال: كان أبو بكر الصنوبري صديقاً لوالدي كثير الإلمام به والسلام عليه، وكان والدي محباً له بارا به، وكنت وأنا غلام أميل إليه وأكتب شعره، فأهديت إليه يوما نبيذا ووردا فكتب إلي:
أهدى إلي فأي حسن معجبأو معوز في غيره لم يهده
الراح تضحك عن عتيق فرندهاوالورد يضحك عن حديث فرنده
فكأن حمرة ورده من راحهوكأن نكهة راحه من ورده
وكأن هذي تمترى من ريقهوكأن هذي تجتنى من خده
وأهديت إليه نعلاً صفراء فكتب إلي:
بخير الهدايا جدت يا خير منتمإلى خير باد في الأنام وحاضر
بمحذوة حذو اللسان شبيهةأوائلها في حسنها بالأواخر
مخالفة الوجهين قام خلافهامقام اتفاق عند أهل البصائر
فأما الذي من فوقها وجه عاشقوأما الذي من تحتها وجه شاعر
وحدثنا أبو منصور طلحة بن عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: أهديت إلي علي بن محمد المعروف بابن طباطبا العلوي الأصبهاني خاتما فصه عقيق حسن، فكتب إلي:
جاءتك إبهامي وسبابتيتشكر ما أوليته خنصري
فالتتا في قلم ناطقيفصح عن شكرهما المضمر
أعانتا أختهما بالتيسطرتا لمدح من أسطر
جزاء ما أوليتها بالذيقد زانها من رائق الجوهر
ألبستها فص عقيق غدايزهى على ياقوتها الأحمر
قال: وأهدى أبو جعفر محمد بن حميد إلى البحتري فرساً، فكتب إليه البحتري يشكره، ويصف الفرس ويستهديه سرجا ولجاما بشعر يقول فيه:
أما الجواد فقد بلونا يومهوكفى بيوم مخبرا عن عامه
جارى الجياد فطار عن أوهامهاسبقا وكاد يطير عن أوهامه
جذلان تلطمه جوان غرةجاءت مجيء البدر تحت تمامه
وأسود ثم صفت لعيني ناظرجنباته وأضاء في إظلامه
مالت نواحي عرفه فكأنهاعذبات أثل مال تحت حمامه
ومقدم أذنين تحسب أنهبهما يرى الشخص الذي لأمامه
يختال في استعراضه ويكب في استدباره ويشب في استقدامه
وإذا التقى الثفر القصير وراءهفالطول حظ عنانه وحزامه
لانت معاطفه فخيل أنهللخيزران مناسب لعظامه
في ضعلة كالشيب مر بمفرقيغز لها عن شبيه بغرامه
ومردد بين القوافي يجتنيما شاء من ألف القريض ولامه
وكأن صهلته إذا استعلى بهارعد يقعقع في ازدحام غمامه
وكأن فارسه وراء قذالهردف فليس تراه من قدامه
لا شيء أجود منه غير فتىً غدامن جوده الأوفى ومن إنعامه
وكأن كل عجيبة موصولةتتقسم اللحظات في أقسامه
والطرف أجلب زائر لمؤونةما لم يزرك بسرجه ولجامه
حدثنا الأسباطي قال: أهدى بعض بني طولون إلى المريمي في يوم عيد هدية فيها دنانير جدد من ضرب السنة، فكتب إليه المرمي شعرا طويلا، يقول فيه:
لم ترض نيلا جاء يسبق موعداحتى وصلت النيل منك بموعد
ورأيت في بر اللسان وإن حلامذقا إذا لم تبله بر اليد
فحبوتني بعيون وشي مونقمعه حباء من عيون العسجد
من كل ذي وجهين لم يقنع لهفي الحسن صانعه بوجه مفرد
واشتق من لونين مشرق لونهمن أصفر في أحمر متوقد
لا روح فيه وما لذي روح غنىعنه ولا صبر إذا لم يوجد
مولى لمكرمة وعبد مهيبةوترى له الأحرار مثل الأعبد
قال: وامتدح عباس الخياط المصيصي علي بن عامر الحلبي، فدفع إليه ديناراً، فقال يشكره:
أبا حسن أصبحت زين الأقاربودينارك البراق زين المواهب
رأته عيون الحاسدين فخلنهمن الحسن في كفي إحدى الكواكب
ليهنك منه أنك الرجل الذينجوت به من أمهات عقارب
وقال وامتدح أبا عثمان الأموي فدفع إليه دينارا، فقال:
يا عمرو يا مكنى بعثمانأصبح دينارك ذا شان
لما أتى في السبت صرنا بهمنك إلى معيار وزان
فلم يطق وزانه وزنهحتى وزناه بقبان
وفيه يقول أيضاً:
دينارك الواثقي نحن بهنجلو عن العين ظلمة الغسق
إنك يا عمرو حين جدت بهجاء على حاجة إلى الورق
حاولت تحريكه فأعجزنيورمت تعييره فلم أطق
حتى حملناه بين أربعةخشن إلى الصيرفي بالوهق
قال: وأهدى ابن يزداد إلى أبي القاسم الخبزأرزي البصري ثيابا وطيبا، ودراهم، ودنانير في بعض الأعياد، فقال يشكره، ويذكر الدراهم والدنانير في شعر طويل:
فأعطيتها تحكي أياديك في الورىبياضا وإن كانت أياديك أنصعا
زواهر أوضاحا لها أريحيةإذا خامرت خمر القلوب تشعشعا
ومن بعدها قد نلت صفرا توقدتمن السبك حتى صرن كالجمر لمعا
إذا اختلطا كانا كنور وزهرهزكا بهما غرس النجار فأينعا
كأنهما بيض الوجوه تلألأتصفاء بتوريد الخدود مرصعا
وأهدى إليه بعض إخوانه وردا في طن آس وكان ذلك في ابتداء الورد، فكتب إليه:
أبدعت في كل المكارم سابقاحتى لقد أبدعت في إهدائكا
أتحفتني بالورد قبل أوانهفي قضب آس غضة كإخائكا
فالورد عن نفحات عرضك مخبروالآس يخبر عن دوام وفائكا
فاسلم ونشر الورد حسن ثنائكاواعمر وعهد الآس طول بقائكا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع