من «التحف والهدايا» للخالديين (ت نحو ٣٨٠هـ)
الباب السادس في ذكر من ذم ما أهدي إليه نظما أو نثرا
حدثنا الرجائي قال: حدثني صديق لي طريف أديب أنه وصف لجحظة ممقوراً كان عنده فاستهدى منه شيئا؛ قال: فوجهته كله إليه، فكتب إلي:
يا بن روحي فدتك روحي من الأسواء إني بك الغداة عميد
قد أتانا الممقور لازلت كالممقور في خله وفي الخل دود
عملته العجوز حتى إذا ماجاد جادت به على من تريد
زوجه طالق وبنت شرودوأمور منها يشيب الوليد
قال: فلقيته وكنت له كالخادم، فقلت: من أنا ويحك حتى تهجوني؟ وأي شيء ذنبي إليك؟ فقال: سألتك ممقورا فوجهت إلي برفائد الفصد.
وحدثنا علي بن اسحق الكاتب قال: أهدى ابن اليتيم الكاتب إلى البسامي دن شراب فلم يرضه وكتب إليه:
أقبل الدن من بعيد فأيقنابخفض ولذة وسرور
ففتحناه مسرعين فألقيناه خلا يعد للممقور
قال: وأهدى إليه بعض إخوانه أقداحا وصفها له قبل إهدائها، وذكر أنها مخروطة في نهاية الحسن؛ فلما رآها لم تقع منه موقعا، فردها وكتب معها:
قد دعتني إلى التنسك أقداحك بعد المجون والإفراط
هي مخروطة زعمت ولكنسقطت طاؤها من الخراط
قال: وأهدى إليه صديق له قمريا غير فصيح، فكتب إليه:
تعرضت مني للهجاء ولم يكنسوى الشكر والإحماد في كل مجلس
وما الناس إلا من تكامل فيهمسماحة أخلاق وعفة أنفس
فشأنك بالقمرى يا أهل مثلهعلى صوته فأطرب وإياه فاحبس
ولكن من حق العجوز وبرهابعثت إلى غضب اللسان بأخرس
قال: وزار عبد الله -الذي كان أبو تمام يهواه - أبا تمام يوما ولم يكن عنده نبيذ، فأنفذ غلاما له إلى بعض إخوانه، يستهديه نبيذا بهذه الأبيات:
جعلت فداك "عبد الله" عنديبعقب الهجر منه والبعاد
له لُمةٌ من الكتاب بيضقضوا حق الزيارة والوداد
واحسب يومهم أن لم تجدهممصادف دعوة منهم جماد
فكم بر من الصهباء ساروآخر منك بالمعروف غاد
فهذا يستهل على ضميميوهذا يستهل على تلادي
دعوتهم عليك وكنت ممنيناديه إلى النوب الشداد
فحبس غلامه وقتا طويلا ثم أنفذ نبيذا ردئيا فكتب إليه أبو تمام:
قد عرفنا دلائل المنع أو مايشبه اللوم باحتباس الرسول
وافتضحنا عند الحبيب بما صح لديه من قبح وجه الشمول
فاجأتنا كدراء لم تسب من تسنيم جريالها ولا السلسبيل
من عقار لا ريحها نكهة المسك ولا خدها بخد أسيل
لا تهدى سبل العروق ولا تنساب في مفصل بغير دليل
وكأن الأنامل اعتصرتهابعد كد من ماء وجه البخيل
وهي نزر لو أنها من دموع الصب لم تشف منه حر الغليل
احتسابا بذلتها أم تصدقت بها رحمة على ابن سبيل
كم مغطى قد اختبرنا جداهوعرفنا كثيره بالقليل
وحدثنا أبو نجدة الأنماطي الموصلي قال: اعتل البحتري بالموصل فأشار عليه الطبيب بتجنب اللحم وأن يتغذى بمزورة وصفها له، فقال بعض رؤساء الموصل: لي طباخ يجيد صنعة هذه المزورة، وأنا أتقدم إليه باتخاذها في كل يوم، وتوجيهها إليك، فقال له: افعل. فلما جاءته لم يستطبها فكتب إلى الرجل:
وجدت وعدك زورا في مزورةحلفت مجتهدا إحكام طاهيها
فلا شفى الله من يرجو الشفاء بهاولا علت كف ملق كفه فيها
فاحبس رسولك عنها أن يجيء بهافقد حبست رسولي عن تقاضيها
وأهدى معمر السدوسي إلى أبي الخطاب البهدلي جملاً مهزولاً فكتب إليه أبو الخطاب:
أهدى إلينا معمر خروفاكان زمانا عنده مكتوفا
يعلفه الكستج والسفوفاوالغارقون بعده مدوفا
حتى إذا ما صار مستجيفاأهدى فأهدى قصبا ملفوفا
عظما وجلدا فوقه وصوفاوكان من أفعاله موصوفا
واستهدى ابن طباطبا من صديق له نبيذا في قرابة، فوجه إليه نبيذا ممزوجا فكتب إليه:
كنت استمحتك في قرابة ماء"أبا الحسين" أم استهديت صهباء
خطبت جارية سمراء قد جليتعلى زفت إلي اليوم بيضاء
فرطت في ختم بر قد سمحت بهقدبر اللص فيه أمس ما شاء
وأهدى رجل إلى دعبل بن علي أضحية مهزولة فلم يرضها وكتب إليه:
بعثت إلي بأضحيةوكنت حريا بان تفعلا
ولكنها خرجت غثةكأنك أعلفتها حرملا
فإن قبل الله قربانهافسبحان ربك ما أعدلا!
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع