من «التحف والهدايا» للخالديين (ت نحو ٣٨٠هـ)
الباب التاسع في ذكر شيء من أشعار من قصرت يده عن الهدية فاقتصر على الدعاء واعتمد على الشكر
والثناء
حدثنا علي بن حيان الأهوازي قال: قال لي الحسن بن دعبل: وافى النوروز في بعض السنين وما عندي شيء أرتضيه هدية لمحمد بن واصل التميمي، فكتبت إليه:
الجود يغرق في المنهل من ديمكوالمجد مفتخر بالغر من شيمك
أما ترى غرة النوروز مشرقةكأنها بعض ما تسديه من كرمك
يوم جديد وعز أنت لابسهفافخر بمجدك إن الملك في ذممك
تذل في عزك الأيام صاغرةوتغرق الراسيات الشم في همك
الدهر طوعك، والدنيا بأجمعهافي راحتيك، وأهل الأرض في نعمك
هذي هدية عبد أنت ملبسهثوب الغنى فاقبل الميسور من خدمك
فلما قرأ الأبيات استخفه الطرب، وحركته الأريحية، فوقع تحت كل بيت منها ألف درهم، ودابة وخلعة، وأحضرني جميع ذلك، فأقمت يومي عنده، وانصرفت بما ذكرت.
وحدثنا الإيذجي القاضي: أنه كتب إلى بعض الرؤساء في يوم مهرجان هذين البيتين:
وافق المهرجان والعيد منيرقة الحال وهو داء الكرام
فاقتصرنا على الدعاء وفيهعون صدق على قضاء الذمام
فوقع على الرقعة: "هذا القول يستحسن من المساكين، وجوابه أن تقول: صنع الله لك". فلم تمض عليه إلا أيام يسيرة حتى اجتاحته جائحة من السلطان أتت على ماله، وألجأته إلى سؤال الناس.
وحدثنا ابن أبي خالد قال: قال أبو علي البصير كتبت إلى الفتح ابن خاقان في يوم مهرجان:
إني جعلت هديتيفي المهرجان إليك شكري
لما تعذر واجبفسح التعذر فيه عذري
فإذا أجزت على اسم منوافت هديته ببر
فأدر على اسمي دارةواكتب عليه طليح فقر
فضحك وقال: وقعوا على اسمه مائتي دينار وخلعة.
قال أبو هفان: كتبت إلى بعض إخواني في يوم النوروز:
دخلت السوق أبتاعوأستطرف ما أهدي
فما استطرفت للإهداء إلا طرف الحمد
إذا نحن مدحناكقضينا حرمة المجد
ونشر المدح في مثلك أذكى من ثنا الند
وكتب بعض الشعراء، وكان ممتحنا إلى رجل جليل في يوم نوروز:
جعلت فداك للنوروز حقوأنت علي أعظم منه حقا
ولو أهديت فيه جميع ملكيلكان جليله لك مستدقا
فأهديت الثناء بنظم شعروكنت لذاك مني مستحقا
لأن هدية الألطاف تفنىوإن هدية الأشعار تبقى
وحدثنا جحظة قال: دخلت على أبي الصقر بن بلبل، وهو وزير في يوم نوروز، فقال: أين هدية النوروز يا جحظة؟ فقلت: "في صدري أيد الله الوزير" قال: "أحب الهدايا هاتها"، فأنشدته: ب"أبي الصقر" علينا=نعم الله جليله
ملك في عينه الدنيا لراجيه قليله
فأمر لي بمائتي دينار، وخلع علي، وحملني.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع