تجاوز إلى المحتوى

من «البديع في وصف الربيع» لأبي الوليد الحميري (ت نحو ٤٤٠هـ)

الياسمين

الياسمين

قال أبو الوليد: أبدع ما قيل فيه، وأبزع ما شبه به، [وأرفع] ما أمل علي لنفسه فيه ذو الوزارتين القاضي_حرس الله حوباءه وصان ذكاءه_وهو:

وياسمين حسن المنظريفوق في المرأى وفي المخبر
للشاعر القاضي الظافر ابن عباد، من قصيدة «وَيَاسمين حسن المنظر»
كأنه من فوق أغصانهدراهم في مطرف أخضر
للشاعر القاضي الظافر ابن عباد، من قصيدة «وَيَاسمين حسن المنظر»

قال أبو الوليد: هذا التشبيه معدوم الشبيه. ومما يوازيه دقة، ويضاهيه رقة، قوله أمله علي_أبقاه الله_وهو:

وياسمين حسن المجتلىكأنه في قضبه الضافيه
زمرد رصع ما بينهمداهن من فضة صافيه

وأمل_أعزه الله، وأحسن ذكراه_علي فيه له قطعة قوية الوصف، سرية الرصف وهي:

سبحان من أنشأ ذا الياسمينخلقا بديعا للنهى والعيون
كأنما الأغصان من تحتهوالورق المخضوضر المستبين
زمرد نضد فوق الرباوهو على أعلاه در مصون
آيات صدق شاهدت بأنليس لمن أبدعها من قرين

وهذه التشبيهات كلها، والصفات بأسرها إنما هي فيه وهو في شجره، ولو لم يكن كذلك لم تشبه خضرته وأكثر ما وصف في هذه الحال، ولم يقع إلي في نواره مفردا إلا قول أبي عمر الرمادي، وهو من الصفات المطبوعة والتشبيهات البديعة:

انظر إلى روض ياسمينلم يرد الورد وهو وارد
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة
كأنه عدة ولوناأكف حور بلا سواعد
للشاعر يوسف بن هارون الرمادي، اقرأ القصيدة

قال أبو عمر أحمد بن فرج يصف بقاءه، ويقرض وفاءه:

ليس كالياسمين نور الرياضهو باق والنور أجمع ماض
للشاعر ابن فرج الجياني، اقرأ القصيدة
فاقض بالفضل للوفاء على الغدر تكن إن حكمت أعدل قاض
للشاعر ابن فرج الجياني، اقرأ القصيدة

ومن السحر الحلال، المستوفي نهاية الكمال، قول ذي الوزارتين أبي عمرو عباد_أعزه الله_وقد دخل بستانا لي اكتسبته من نوافل كرمه وسوابغ نعمه، فرأى ياسمينا فيه فقال بديهة:

كأنما ياسميننا الغضكواكب في السماء تبيض
للشاعر المعتضد بن عباد، اقرأ القصيدة
والطرق الحمر في جوانبهكخد عذراء ناله عض

شبه النور بالكواكب، وخضرة ورقه بخضرة السماء، ولم أسمع لأحد قبله وصف حمرته وهي تكثر عند قلة الياسمين في زمن الشتاء وتقل عند كثرته. وللوزير أبي عامر بن مسلمة فيه وصف رائق، وتشبيه رائع، وصله بمدح ذي الوزارتين المذكور_أعزه الله وأسبغ عليه نعماه_وهو:

وذكي العرف لاقانا على كرسي ملكه
للشاعر أبو عامر بن مسلمة، اقرأ القصيدة
أرضه الخضراء بحرنوره فيه كفلكه
للشاعر أبو عامر بن مسلمة، اقرأ القصيدة
ياسمين قد غدت أنوارنا طوعا لملكه
للشاعر أبو عامر بن مسلمة، اقرأ القصيدة
طوع حر الشعر عبادا وقد أومى لسلكه
للشاعر أبو عامر بن مسلمة، اقرأ القصيدة
ماجد ينقاد منه الأدب الغض لملكه
للشاعر أبو عامر بن مسلمة، اقرأ القصيدة
ماله يوقن منهومناويه بهلكه
للشاعر أبو عامر بن مسلمة، اقرأ القصيدة

ومن المعاني الدقيقة في الألفاظ الأنيقة ما أنشدنيه [لنفسه فيه] الوزير الكاتب أبو الأصبغ بن عبد العزيز وهو:

وياسمين بعرشه أشرفعرفه العرف قبل أن يعرف
تكامل الطيب والجمال لهفهو من الفضل فوق أن يوصف
كأنما خلقه البديع إذاتزاحم النور قبل أن يقطف
سرير ملك عليه مشملةخضراء والقطن فوقها يندف

ومن التشبيه السري والتمثيل السني، قول الفقيه أبي الحسن بن علي وشبه مجلس الأنس بالحرب وهو:

وشرب أدلجوا للأنس لمااصيغ على يد الشجر الذمار
سرت بهم إلى ثغر التصابيركاب لا يخاف لها عثار
فخلوا آمنين على الأمانيفكان لهم من الشجر انتصار
عريش الياسمين لهم سماءوخضرة أرضه لهم قرار
به حجف من النوار بيضمفضضة وأرماح صغار
فوجه نهارهم بالظل ليلوليلهم بأنجمه نهار
فإن أوحشت من شمس تبدتعليك بشمس كفرها العقار
وما شهد الكرام وغى كحربجراح المقصدين بها جبار

قوله: جبار: أي لا دية فيها ولا مطالبة بها. وقوله: به حجف، الحجف صغار الترسة. وأرماح صغار: يعني النواوير المتعلقة منه أول ما تبدو. ومن الصفات السرية وصف صاحب الشرطة أبي بكر بن القوطية وهو:

وأبيض ناصع صافي الأديمتطلع فوق مخضر بهيم
للشاعر أبو بكر بن القوطية، اقرأ القصيدة
نزيه النفس همته المعاليذكي العرف مسكي النسيم
للشاعر أبو بكر بن القوطية، اقرأ القصيدة
فلست تراه إلا عند ملكوإلا عند خاصي كريم
للشاعر أبو بكر بن القوطية، اقرأ القصيدة
شاى النوار فارتفع اعتراشاعليه كهيئة الملك العظيم
للشاعر أبو بكر بن القوطية، اقرأ القصيدة
كأن ثماره المجني منهاسماء قد تحلت بالنجوم
للشاعر أبو بكر بن القوطية، اقرأ القصيدة

وأنشدني لنفسه فيه أبو علي إدريس بن اليمان قطعة حسنة التشبيه وهي:

أمير النور يأمرني بشربولست أطيق عصيان الأمير
فخذ كأس السرور فاسقنيهاعلى ود الأمير على السرير
نجوم من لجين تجتليهاسماء زبرجد خضل نضير
تزيد على الأقاحي في ابتسامكما زاد الكبير على الصغير
وينخفض الشذا المسكي عنهاكما انخفض الصغير على الكبير

قال أبو الوليد: هذا ما وقع إلي في الياسمين البستاني وعثرت على قطع في الياسمين البري وهو الظيان، وليس يبقى مدة العام، إنما هو ربيعي، ولكن قدمته على الربيعية لتسميه باسم المتقدم، وانتسابه إليه، واشتباهه به، فوصلت ذكره بذكره. وما قيل فيه مما قيل فيه مع أن وصفه لم يكثر، وذكره لم يتكرر، فليس يحتمل إفرادا وإنما يجب أن يكون تبعا لهذا، وخلق شجره ونوره كخلق البستاني إلا أن نوره أصغر. فمن أطبع ما قيل فيه وأبدعه، وأعلى ما شبه به وأرفعه أبيات لذي الوزارتين القاضي الجليل المنقطع المثيل أملها علي وهي:

ترى ناضر الظيان فوق غصونهإذا هو من ماء السحائب يغتذي
وحفت به أوراقه في رياضهوقد قد بعض مثل بعض وقد حذي
كصفر من الياقوت يلمعن بالضحىمنضدة من فوق قضب الزمرذ

وله_أعلى الله ذكره وأيد أمره_في صفرته خاصة تشبيه بديع، وتمثيل رفيع [أمله علي]، وهو:

كأن لون الظيان حين بدانواره أصفرا على ورقه
لون محب جفاه ذو مللفاصفر من سقمه ومن ارقه

وأنشني فيه لنفسه الوزير الكاتب أبو الأصبغ بن عبد العزيز أبياتا معجبة [تضمنت أوصافا مغربة] وهي:

فضائل الظيان معروفةتروق في المنظر والخبر
فاق النواوير معا أنهمنزه يأوي إلى البر
وأنه يأنف أن يقتنىعلى سبيل الملك والقسر
فآثر الصحراء مستأنسافي ليله بالأنجم الزهر
متى تزره تلق من عرفهما شئت من طيب ومن عطر
أبراده خضر ولكنهامخصوصة باللبن الصفر

وللفقيه أبي الحسن بن علي فيه وصف رائع [وتشبيه بارع] في قطعة موصولة بمدح ذي الوزارتين القاضي وهي:

إذا نور الظيان في خضر قضبهوراح بثوب من دجا الري قد حذي
أفادك من صفر اليواقيت أنجماله طالعات في سماء زمرذ
كأن سناه في الرياض وحسنهبحسن ابن عباد ورياه محتذي

قال أبو الوليد: [وحين] أوردت إلي في الآس والياسمين من بديع الشعر الموزون نذكر الأنوار على أزمنتها ونبدأ بالأول منها وهو نور

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «البديع في وصف الربيع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.