من «البديع في وصف الربيع» لأبي الوليد الحميري (ت نحو ٤٤٠هـ)
الفصل الثالث في القطع المنفردة كل قطعة منها بنور على حدة
قال أبو الوليد: يجب أن نبدأ بأول الأنوار، وأبكر الأزهار، وهو من النواوير الربيعية، نور البهار. ولكن ما كان من النواوير باقيا في كل وقت، وثاويا مع كل فصل، هو أول على الحقيقة، وصدر في هذه الطريقة كالآس والياسمين، فأما الآس فقد فضل قديما على ضروب الأنوار وصنوف الأزهار، وصيغت في ذلك حسان الأشعار، إذ شجره يقوم مقام النوار، ثم يزيده نواره جمالا ثانيا، ويضيف إليه كمالا زائدا. وأما الياسمين فإن نورهلا ينقطع أبدا كله، ولا يذهب جميعه. فنبدأ بهما ثم نذكر النواوير على أزمنتها.
الآس
قال أبو الوليد: من حسن ما قيل ما أنشدنيه لنفسه الشيخ أبو عبد الله بن مسعود، وهو:
الآس آس لأسىكل فؤاد مكتئب
في كل فصل زاهروما سواه منقلب
إذا سرى منه الشذافي آخر الليل وهب
أهدى لأرواح بهأرواح روح وطرب
كأنه في جنة الخلد نما ثم اقتضب
لو نافر النور إلىعدل صحيح المعتقب
وصحفت نصبتهجاء نبيا فغلب
قوله: "أرواح روح" الأرواح هنا جمع ريح، والروح: الراحة. والأرواح الأول: جمع روح. وقوله: "جاء نبيا" يعني أن هذا اللفظ تصحيف آس مقلوبا. ومما فيه من حسن التشبيه قول أبي عمر الرمادي في قطعة تضمنت وصف غيره وهو:
خلوف من الريحان راقت كأنهاوإن حسنت في لحظنا لمم شعث
ومما يقرب من هذا_وإن كانت فيه زيادة_بيت أبي الحسن بن أبي غالب:
فما شئت من آس تفتح نورهكما أخلست هام لها شعر جثل
يقال: أخلس الرأس إذا بدا شيبه. ومن الفائت الفائق، والرائع الرائق في وصفه قطعة خاطبني بها الوزير أبو عامر ابن مسلمة وبعث معهما مطيبا وهي:
يا واحد الأدباء والشعراءوابن الكرام السادة النجباء
إني بعثت مطيبا نمقتهمن روض داري دارك الغناء
من آسه لا زلت تأسو عاطراوتبيد ما يعدو من الأعداء
يحكي بطيب عرفه وبحسنهخلقا خليقا منك بالإطراء
هو كالسماء إذا بدت مخضرةلاحت عليها أنجم الجوزاء
[فاقبله من صب بحبك ودهألا تزال أخا علا وعلاء]
قال أبو الوليد: فجاوبته عن هذه الألفاظ البديعة، والمعاني الرفيعة بما يمكن أن يدخل في هذا الباب ويوافق بعض غرض هذا الكتاب، وهو:
يا من حبوت بوده حوباءوهي الفداء له من الأسواء
وصل المطيب معربا عن طيب منأهداه مكتئبا من الإهداء
أظميته من بعد ما أرويتهبمدامة فيها دواء الداء
ما كان أشهر طيبه لو لم يكنمتسترا بالقطعة الغراء
أربى عليه نظمك الحلو الحلىفانحط بعد الرتبة العلياء
إن كان نور الآس في ورقاتهنورا بدا في ليلة ظلماء
فجمال خلقك حين ينظم عقدهكالبدر ينظم أنجم الجوزاء
ومن المستحسن المستغرب، والمستطاب المستعذب، ما أنشدنيه لنفسه فيه صاحب الشرطة أبو بكر بن القوطية وهو:
أما ترى الريحان أوراقهتلتف تجعيدا ولا تنبسط
دقيقة اللمات في رؤوسهاكأنه أسود جعد قطط
وقد غدا تنويره جوهراففي الموامي والربا يلتقط
حتى إذا ما مل من مكثهفي عوده المشرق فيه سقط
منكشفا عن ثمر أسودكأنه من نفض حبر نقط
قوله: "الموامي" جمع موماة وهي الفقر، ويقال: بوباة فيها أيضا. والربا جمع ربوة وهو ما ارتفع من الأرضز ومن المشرق جماله، المونق كماله، المعدوم مثاله، ما أنشدنيه لنفسه أبو جعفر ابن الأبار، وهو:
وآس كاسمه للهم آستتيه به حلى الزمن القشيب
ترسل كالغدائر مرسلاتبها قطط ونم بكل طيب
وكتم نوره فبدت لآلمدحرجة لها عرف الحبيب
كأن الصبح شق به جيوبافغادر فيه أزرار الجيوب
ونافسه الورى شغفا وحبافعود سود حبات القلوب
هذا الوصف مستوعب لجميع أحوال الآس لأن نوره أولا مبيض ثم يسود. وله أيضا فيه وصف يوازي هذا [ويضاهيه]، وهو:
لا أيأس الآس هامي السكب مدرارفهو الوفي وكل النور غدار
تكاد تثمر نفس الصب من جذلإذا بدا ثمر منه ونوار
كأنما ألبسته المزن خضر حلىلها من المسك والكافور أزرار
هذا ما وقع إلي في الآس، وحين أكملته أبدأ بما ورد علي في
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع