من «البديع في وصف الربيع» لأبي الوليد الحميري (ت نحو ٤٤٠هـ)
نور الباقلاء
صفات جيدة وتشبيهات حسنة أذكرها بأسرها وأورد جميعها.
نور الباقلاء
فمن بديع ما قيل فيه، ورفيع ما شبه به قول صاحب الشرطة أبي بكر بن القوطية وهو:
وبنات للباقلاء تبدتكعيون تفتحت من رقاد
فبياض منها مكان بياضوسواد منها مكان سواد
وقال أبو جعفر بن الأبار يصفه في قطعة موصولة بمدح أبي_أطال الله لي عمره، ورزقني بره_فاستكمل الصفات بأبدع تشبيهات وأرفع تمثيلات [والقطعة]:
وباقلاء باقليعجب حسنا من رمق
كأنما نوارهإذ رق خلقا وخلق
أذقان بيض غلفتلمبصر ومنتشق
أوأعين حور جرتإلى مآقيها الحدق
وهدبها مستبطنفي ورق من الورق
أو جنح ليل بقيتمنه بقايا من فلق
أو سبج من دررأو ثنن بها بلق
كأن للمسك بهامشقا بنيات طرق
وعرفه معرفبأنه فيه فتق
كأن نجل عامرمن خلقه طيبا خلق
ملك إذا صال عفاحلما وإن سيل اندفق
إن بخل الغيث سخاأو عنف الدهر رفق
قوله: "جرت إلى مآقيها الحدق" بديع غريب لأن السواد الذي جعله حدقة العين هو في ناحية من النور، وليس متوسطا له، فكأن الحدقة قد جرت إلى المأق وهو طرف العين ممايلي الأنف. "وهدبها مستبطن.." البيت وهو مما أكمل به الوصف وتمم التشبيه، لأن في الورقة التي ظاهرها تلك الصفة المتقدمة خطوطا سودا جعلها هدبا لتلك العيون، وهي التي عنى بقوله:
كأن للمسك بهامشقا بنيات طرق
قوله: "أو ثنن بها بلق" جمع ثنة وهي الشعر الذي يكون على مؤخر الرسغ. قال أبو الوليد: ولي فيه تشبيه ربما يوافق، وتمثيل كأنه يطابق وهو:
أرى الباقلاء الباقل اللون لابسابرود سماء من سحائبها غذي
ترى نوره يلتاح في ورقاتهكبلق جياد في جلال زمرذ
ودخلت بستانا لي مع الفقيه أبي الحسن بن علي وكان به باقلاء قد نور، فأخذ من نوره وصنع مصارعا وسألني إجازته، ففعلت وزدت بيتا آخر. ومصراعه:
سبج في كأس در ... ..........................
وزيادتي........أو كسوف وسط بدر
أو غوال في لآلأو غشاء بين فجر
ووقعت إي أيضا في الباقلاء بعينه قطع مستطرفة وأوصاف مستظرفة تشبهت بالنور فرأيت ذكرها، فمنها وصف الوزير أبي عامر بن شهيد_رحمه الله_في قطعة بديعة [بزيعة] مطبوعة مصنوعة وهي:
إن لآليك أحدثت صلفافاتخذت من زمرد صدفا
تسكن ضراتها البحور وذيتسكن للحسن روضة أنفا
هامت بلحف الجنان فاتاخذتمن سندس في جنانها لحفا
تثقبها بالثغور من لطفحسبك منا ببر من لطفا
أكل ظريف وطعم ذي أدبوالفول يهواه كل من ظرفا
وقال لي الفقيه أبو الحسن بن علي: رأيت في يد صديق حبة باقلاء شديدة سواد القشر، وكلفني وصفها فقلت بديهة:
فص من العاج حقه سبجممتزج بالجمال مزدوج
فيه سواد يزين غرتهكأنه مقلة بها دعج
يؤثر رطبا ويابسا أبداويستبي النفس فوحه الأرج
وأخبرني أيضا قال: طالعت بستانا لي بغربة قرطبة، وكان فيه باقلاء فجعل بعض الغلمان ينقي منه ويناولني فقلت:
ريم سبى مقلتي توردهيسل سيف الهوى ويغمده
جار على جرجر فخربهوظل من قشره يجرده
وكلما ابتز ثوب واحدةمنها حبتي بحبها يده
فقلت مستطرفا لفعلتهوزاد في نبله تعمده
كلاكما لاعدمت حسنكماينشق عن لؤلؤ زبرجده
فارتاب بي وانثنى على خجلوحبه ساقط يبدده
قوله: (جار على جرجر" الجرجر لغة في الباقلاء. وقوله: ينشق عن لؤلؤ زبرجده" فاللؤلؤان من هذا وهذا الحب والثغر. والزبرجدان منهما: القشر والشارب الأخضران. وفي هذه القطعة من جيد الصناعة، وحسن الصياغة ما يعجب الناظر، ويعجز الخاطر قال أبو الوليد: وفي بزر الكتان أوصاف موسومة بالإحسان أنا ذاكرها إن شاء الله تعالى.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع