من «البديع في وصف الربيع» لأبي الوليد الحميري (ت نحو ٤٤٠هـ)
النرجس الأصفر
النرجس الأصفر
قال الوزير أبو مروان عبد الملك بن جهور_رحمه الله_يصفه فأبدع وأعجب وأحسن وأغرب أنشدنيه له حفيده عبد الله، وهو:
اصفر حتى كأن الإلف يهجرهوطاب حتى كأن المسك ينثره
واخضر أسفله من تحت أصفرهفراق منظره الباهي ومخبره
يا نرجسا ظل قدامي تنم لهريح تذكرني شوقي فأذكره
زمرد ماثل من فوقه ذهبمعين، نابه منه ومحجره
هيجت لي شجنا قد كان فارقنيذكرتني بالذي ما زلت أؤثره
وكتب الوزير الكاتب أبو مروان بن الجزيري إلى المنصور أبي عامر_رحمهما الله_عن نرجس العامرية في أول يوم من كانون الآخر سنة ثلاث وثمانين وثلاث مئة [فأبدع واخترع] وهو:
حيتك يا قمر العلا والمجلسأزكى تحيتها عيون النرجس
زهرا تريك بشكلها وبلونهازهر النجوم الجاريات الكنس
طلعت مطالعها على مخضرةمن سوقها كسيت برود السندس
فتزينت حسنا أتم تزينوتنفست طيبا ألذ تنفس
وملكن أفئدة الندامى كلمادارت بمجلسهم مدار الأكؤس
ملك الهمام العامري محمدللمكرمات وللنهى والأنفس
لبس الزمان وأهله من عهدهوفعاله المشكور أكرم ملبس
فإذا ذهبت إلى الثناء فقفه منبين الأنام على علاه واحبس
ولأبي عمر القسطلي فيه قطعة بديعة تضمنت أوصافا رفيعة، موصولة بمدح المظفر بن أبي عامر، وهي:
شكلان من راح وروضة نرجسيتنازعان الشبه وسط المجلس
متباهين تلونا بتلونمتباريين تنفسا بتنفس
فكأنها من حد سيفك تلتظيوكأنه من طيب خلقك يكتسي
يا من علا من رتبة في رتبةحتى غدا وسط النجوم الخنس
وابن الذين هداهم ونهاهمأدب الملوك وأسوة للمؤتسي
ومن أنفس ما ملح به في النرجس قطعة للوزير الكاتب أبي الأصبغ بن عبد العزيز صنعها بديهة بين يدي ذي الوزارتين أبي عمرو عباد_أطال الله بقاءه وأدام اعتلاءه_وكان يلبس ثوبا رفيع القدر، نرجسي اللون وهي:
رأيت عبادا له ملبسفي حشوه الجود معا والكرم
فقلت سبحان العزيز الذيأودع ذا الثوب رفيع الهمم
أروع في سؤدده سابقاأبيض مثل البدر بادي الشمم
كأنما صفرة أثوابهوطيبها نرجسه إذ تشم
قد كنت يا نرجس من قبل ذاتبخس من حقك ما قد علم
فالآن فافخر في جميع الورىعلى النواوير وحاشاك ذم
بعز من قد حزت تشريفهوفضل من لا فارقته النعم
وأنشدني لنفسه الفقيه أبو الحسن بن علي في النرجس الكبير الذي تسميه العامة "القادوسي" تشبيها بالقادوس على لغتهم، وصوابه القدس، أبياتا رقاقا تضمنت معاني دقاقا موصولة بمدح الحاجب سراج الدين الثاقب وهي:
في النرجس القدسي النور والقصبحسن يفوق به تربيه في النسب
له من التبر كأس قاعه لحجموسع العلو قد أبداه للعجب
مشم طيب إذا استنشيت زهرتهوظرف أنس إذا ما شئت للنخب
ومائل الجيد من سكر النعيم بهحكى ثنى الثمل المشغوف باللعب
كغادة ثوبها من سندس طلعتللشرب في كفها كأس من الذهب
فكيف يعقل حظ النفس من طربمن كان يلحظ هذا الحسن من كثب
ثم دخل إلى المدح فقال:
يا حاجبا رقمت في الكتب سيرتهبالحبر وانتقشت بالتبر في القضب
ويا عمادا له ندى ووغىذا للأيادي، وذا للبيض واليلب
إن دمت للعجم لم يعجم لها خبروأعرب السعد بالإقبال للعرب
قوله: "حسن يفوق به تربيه" يعني النرجس الأصفر المعروف، والنرجس المسمى بالبهار. وقوله "قاعه لحج" اللحج: الضيق، ولم أر لأحد قبله في هذا الصنف من النرجس وصفا، وهو معدوم عندنا بإشبيلية..
وكان كتب إلي مع هذه القطعة بيتين وهما:
اسأل أبا عامر عنه ابن مسلمةتسأل خبيرا بمعنى الظرف والأدب
إن صار قوم إلى قصف على مهلطواهم بخطا التقريب والخبب
وقال صاحب الشرطة أبو بكر بن القوطية يصفه في أبيات وهي:
زبرجد فوقه نضارمخلص لم تذبه نار
كأنما هب من كراهوسنان أو شفه انكسار
وطاب عند المشم حتىللمسك من بينه انتشار
قد شارك الدهر فهو ليلوافاه من صبحه اصفرار
فأول الخلق منه ليلومنتهى خلقه نهار
أبدعه في الرياض منشله على الخلقة اقتدار
شبه خضرة سوقه بسواد الليل، والخضرة والسواد عند العرب بمنزلة.
ويقرب من معنى هذا القطعة ما أنشدنيه لنفسه فيه الفقيه أبو الحسن بن علي وهو:
أرى النرجس التبري يعنو له الفكرويقصر عن أوصافه النظم والنثر
كأن الدجا قد صاغ خضرة ثوبهوألقى عليه حسن صفرته الفجر
تخال به في الروض أقيال معشرثيابهم خضر وتيجانهم صفر
يحييك بالتأنيس رونق حسنهويلقاك منه قبل رؤيته النشر
قال أبو الوليد: ولي قطعة في النرجس [موصولة] بمدح ذي الوزارتين عباد_وصل الله حرمته وأطال مدته_وهي:
وروض أريض لم يزل يغتذي بمايروح عليه من سحاب ويغتدي
بدا النرجس المصفر فيه مباهيابلون كلون المستهام المسهد
ترى كل نور منه فوق قضيبهكلمة تبر فوق جيد زبرجد
إذا ما سرى منه نسيم لوالهسرى عنه جلباب الجوى المتوقد
حكى منظرا نصرا وخبرا خلائق الننجيب أبي عمرو سليل محمد
[فداه عداه كم له من فضيلةوفضل ندى يغني به كل مجتد]
قال أبو الوليد: هذا ما جمعته في النرجس، ويجب أن نبدأ بذكر
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع