من «البديع في وصف الربيع» لأبي الوليد الحميري (ت نحو ٤٤٠هـ)
الخيري النمام
إذ يقرب من حسنه، ويشاركه في لونه.
الخيري النمام
أطبع ما جاء فيه، وأبزع ما شبه به قول أبي مروان المرادي وهو:
ينم مع الإظلام طيب نسيمهويخفى لدى الإصباح كالمتستر
كعاطرة ليلا لوعد محبهاوكاتمة صبحا نسيم التعطر
هذا المعنى ابتذله الشعراء [بعده]، وهو اختراع حسن له. ولأبي عمر يوسف بن هارون الرمادي فيه تشبيه حسن [من قصيد بديهي] وهو:
انظر غرائب للخيري ظاهرةعند الظلام وعند الصبح تستتر
كأنه سارق طيبا في الظظلماء فهو بنم الريح مشتهر
وقال أبو عمر أحمد بن دراج القسطلي يصفه في قطعة سرية موصولة بمدح المظفر بن أبي عامر_رحمه الله_وهي:
غدا غير مسعدنا ثم راحايساعدنا طربا وارتياحا
وخير فاختار شرب الغبوقولج فليس يرى الاصطباحا
فإن آنس الصبح نام وشحوإن آنس الليل نم وفاحا
كما خير الله عبد المليكفاختار في راحتيه السماحا
وفي صهوات الخيول الرجالومن أدوات الرجال السلاحا
فعم القريب ندى والبعيدوروى السيوف دما والرماحا
ولأبي القاسم بن شبراق فيه وصف بديع وتشبيه مطبوع في قطعة موصولة بمدح المنصور بن أبي عامر_رحمه الله_وهي:
وبنفسجي اللون يكتم طيبهعند الشروق وفي الظلام ينم به
فكأنه ذو مذهب ألفى الدجاسترا وأمسك مصبحا عن مذهبه
أو مستسر عن غريم فاقهغريت لجاجا نفسه بتطلبه
والصبح من غرمائه ولأجل ذالك يستسر تلوذا عن مطلبه
قد كان يأخذه الصباح بغفلةلو لم ينم عليه مطلع كوكبه
ككتائب الرعب التي تتقدم المنصور وهو بإثرها في موكبه
فتفر قبل حلوله عند العداعلما بأن النصر أمر خص به
ومن الباهر جماله، والظاهر كماله، قطعة لصاحب الشرطة أبي بكر بن القوطية موصولة بمدح أبي_أبقى الله علي ستره ورزقني بره_وهي:
ومضرج الأثواب مسكي النفسفكأنما اشتقت حلاه من الغلس
شرك البنفسج في الأديم فلونهمن لونه فكأنه منه اختلس
يسري إذا طرق الظلام نسيمهويظل يمكن بالنهار كذي دلس
متنكرا حتى المساء وإنماسلطانه بالليل فهو من الحرس
جنس يخالف كل جنس في التعرري والتلبس والتوحش والأنس
فتراه طول نهاره متجردامن عرفه ومع الدياجي ملتبس
أنس المعالي بابن عامر الذيعمرت بدولته منازلها الدرس
أحيى الرياسة بالسياسة فهو مفصح لكنها ... بعد الخرس
وعلا فلم يرث العلا والمجد عنجد له نكس ولا جد تعس
نور توقد فاستبان بلمحه=ما كان أشكل قبل ذلك والتبس ولبعض الأندلسيين فيه مغزى دقيق ومعنى رقيق، وقيل: إنه لعبادة بن ماء السماء وهو:
وكأن الخيري في كتمه الطيب فقيه مغرى بطول رياء
يظهر الزهد بالنهار ويمسيفاتكا ليله مع الظرفاء
وقال الوزير أبو عامر بن مسلمة يصفه بأبدع وأغرب وهو:
وروضة محفوفةبكل حسن مقترح
خيريها بخلقهعن كل نور منتزح
يكتم أسرار الهوىفإن أتى الليل يبح
مغتبق ليس يرىفي دينه أن يصطبح
ومن التشبيه العلي قول الفقيه أبي الحسن بن علي وهو:
ما أكرم الخيري في فعلهيسهر إذ نور الربا ناعس
كأنما خاف عليه العدافهو له في ليله حارس
قال أبو علي إدريس بن اليمان يصفه بوصف متقدم الإحسان وهو:
مراشف الخيري حو لعسكأنه قد قبلته الشمس
أو نفست للمسك فيه نفسالطيب في الليل عليه حبس
وماله تحت النهار حسكأنما الضوء عليه حبس
قوله: "قبلته الشمس" يعني أن لونه كلون من أثرت فيه الشمس، وإلى هذا أشار، وإياه أراد. وله أيضا فيه تشبيه عجيب أنشدنيه وهو:
أهلا بسار طيبه لا ساربأضحى هواه مضربا بضرائب
يا ناجم الخيري جادك كل ذيثغر لجيب الدجن فوقك جائب
أعطيت أنفاس الحبيب معطراوخلقت من خيلان ثوب الكاتب
ومما كثر شغف أهل الميز به، واستحسان ذوي الفهم له قول أبي جعفر بن الأبار، وهو:
لا تعذلوا الخيري في كتمه الططيب استتارا فهو عين الصواب
الصبح شبه الشيب في لونهفعافه والليل شبه الشباب
وأنشدني [لنفسه فيه] أبو بكر بن نصر أبياتا مطبوعة تضمنت أوصافا بديعة وهي:
أحب من الإخوان ندبا مبادرانقي الحلى مما يدنس طاهرا
يلم بليل للمدام منادماوينفض عني حين يصبح سائرا
وريحاننا الخيري محضا فإننيتخيرته بين النواوير ناضرا
لما أنه يضحي مع العرف عاطلانهارا ويمسي مدة الليل عاطرا
كأن له لب الأريب فما يرىمشاهدة اللذات إلا مساهرا
قال أبو الوليد: وبعث إلي صاحب الشرطة أبو الوليد بن العثماني مطيب خيري مبكر، وكتب معه قطعة نثر مقتطعة من السحر، وهي بعد صدرها: "بعثت بخيري جاز حد التبكير بأنسه، فحاز قصب السبق في أبناء جنسه، منظره أربى على المسك بنضرته، ومخبره قصر عن شيمك على بسطته. فاقبله بحق المجد عليك، ووسائل الحمد إليك، بهجا منظره، أرجا مخبره، إذا دنا الظلام ونام الأنام إلا من استدعى عرفه، واستجدى عرفه" فجاوبته، والجواب بعد صدره: "فلما تعاهدت خيريك عهاد شيمك، ودامت عليه ديم كرمك، بكر متنعما منها، متنفسا عنها، ولا ند له إلا الند، ولا مسك له إلا المسك، وقد قبضته مشغوفا به مستلذا بقربه، متعجبا من حسن اختياره لاستتاره باستهتاره تحت جناح الظلام ليسلم من الجناح والملام. وقد صنعت فيه أبياتا بديهية متأخرة، فأغض على ما فيها محسنا إلى مهديها. وهي:
نهار خيريك في ليلهكذلك الليل نهار الأديب
ينم فيه وينام الضحىتصاونا عن كل أمر معيب
كأنما الليل حبيب لهفهو إذا حل اكتسى كل طيب
كأنما الصبح رقيب لهفيرعوي عند طلوع الرقيب
الند: المثل. والند: الطيب. والمسك: الجلد. قال أبو الوليد: أكثر ما وصف من الخيري هذا النمام، وقلما ما وصف الأصفر وأنا ذاكر ما وقع [إلي] فيه:
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع