من «البديع في وصف الربيع» لأبي الوليد الحميري (ت نحو ٤٤٠هـ)
الورد
، ونورد ما وقع إلينا من تمثيل حسن وتشبيه.
الورد
لم يوجب تأخير أمره، ولا ولد إرجاء ذكره تأخر منزله، ولا انحطاط رتبته، وإنما بنينا أن نقدم من تقدم به زمانه، ونبدأ بمن بكر به أوانه، وقد مضت مشاهير الأنوار المبكرة التي كثر القول فيها، وتردد الوصف لها. فمن المستندر في الورد قول الحاجب أبي الحسن جعفر بن عثمان المصحفي وقد أهدى إليه الوزير زياد بن أفلح وردا سيق إليه من "ريه" في شهر كانون الآخر [وهو_أعني قول المصحفي_]:
لعمرك ما في فطرة الروض قدرةتحيل بها مجرى الزمان عن الحد
ولكنا أخلاقك الغر نبهتبربعك في كانون نائمة الورد
كأنك قد أمطرتها ديمة المجدوأجريت في أغصانها كرم العهد
فلما وصل هذا النظم المستملح إلى زياد بن أفلح بعث إليه بوردة كان احتسبها لنفسه فكتب إليه ثانية بيتين وهما:
فاجأني كانون بالوردفزادني وجدا إلى وجد
ورد العلا أهدى لنا وردةيا حبذا الورد من الورد
ومن السري السني قول الوزير الكاتب أبي مروان الجزيري ﵀:
أهدى إليك تحية من عندهزمن الربيع الطلق باكر ورده
يحكي الحبيب سرى لوعد محبهفي طيب نفحته وحمرة خده
وكتب أيضا أبو مروان إلى الوزير أبي مروان عبد الملك بن شهيد في أخريات أيام الورد بأبيات أنيقة الصفات وهي:
قل للوزير الذي جلت فضائلهفسر لنا شرح معنى سال سائله
وأي وصليه موجودا ومفتقداأولى وأجدر أن ترعى وسائله
وقد أتاك لتوديع على عجلخضرا مقانعه حمرا غلائله
فامنحه منك قبولا واقض نهمتهمن الوداع فقد شدت رواحله
وبلغني أن الوزير ابن شهيد جاوبه بأبيات لم تقع إلي ولا وردت علي. وأنشدني الوزير أبو عامر بن مسلمة للوزير أبيه_رحمة الله عليه_أبياتا مطبوعة كتب بها إلى الوزير عيسى بن سعيد يستدعيه إلى الفصد، تضمنت وصفا حسنا للورد [وهي]:
ما يطيب التفجير دون صديقممحض مخلص شقيق شفيق
وقد اخترته نهارا بهياكمحياك مستنير الشرق
عندنا الورد قد تألق من لونين لون المها ولون العقيق
كخدود تبرقعت بحياءفوق ديباجها الأنيق الدقيق
فتفضل وخف نحو صديقأنت في نفسه أجل صديق
ونزل أبو عمر يوسف بن هارون الرمادي على بني أرقم ب "وادي آش" فقدم إليه فيما أكرم به طبق ورد، وكان في فصل الشتاء فاستغربه، ثم أخذ منه وردة واحدة وقال [بديهة]:
يا خدود الحور في إخجالهاقد علتها حمرة مكتسبه
اغتربنا أنت من بجانةوأنا مغترب من قرطبه
واجتمعنا عند إخوان صفابالندى أموالهم منتهبه
عصبة إن سئلت عن نسبةفإلى أرقمها منتسبه
إن لثمي لك قدامهمليس فيه فعلة مستغربه
لاجتماع في اغتراب بينناقبل المغترب المغتربه
ومما يستحسن فيه، وتستملح معانيه، قطعة لأبي عمر أحمد بن دراج القسطلي، موصولة بمدح المظفر بن أبي عامر_رحمه الله_وهي:
ضحك الزمان لنا فهاك وهاتهأوما رأيت الورد في شجراته؟
قد جاء بالتأريج من أغصانهوبخجلة المعشوق من وجناته
وكساه مولانا غلائل سيفهيوما يسربله دماء عدته
من بعد ما نفح الحيا من روحهفيه وعرف المسك من نفحاته
إن كان أبدع واصف في وصفهفلقد تقاصر عن بديع صفاته
كمديح سيف الدولة الأعلى الذيأعيا فأغيا في مدى غاياته
ملك ينم الجود في لحظاتهواليمن والإيمان في عزماته
وحياته إن كان أبقى حاجةلمن ارتجاه غير طول حياته
ولبي القاسم بن شبراق في وردة لم تفتح وصف حسن مستملح:
خجلت إذا تأملتها العيونخجلا في احمرارها يستبين
وردة وردت دموعي شوقاللتي خدها بها مقرون
بنت غصن يقر بالكرم الدهر لها في رياضها والغصون
واستسرت عن العيون حياءوعرا عرفها الذكي سكون
سترت وجهها ببرقعها واستقبلتنا من الفتون فنون
كالفتاة الحية انتقبت كيلا يرى وجهها الجميل المصون
وكتب الوزير أبو عامر بن مسلمة إلى ذي الوزارتين أبو عمر عباد_أعزه الله وأحسن ذكراه_في زمن الورد يصفه فأحسن الوصف، وأبدع التشبيه [أنشدنيه وهو]:
عباد يا خير الورىومن به تزهى المدح
يا قمر الأرض ومنعلا سماء ورجح
أما ترى الورد وقدرنا بطرف ولمح
كأنه دم جرىعلى طلى بيض وضح
أو خد غض عضهلحظ محب فانجرح
كأنما نسيمهعن خلق منك نفح
وبعث الفقيه أبو الحسن بن علي بورد مبكر في سباط إلى ذي الوزارتين القاضي _أعزه الله وأذل عداه_وكتب معه:
ليهنك يا واحد المكرماتوأهدى الملوك لقصد الصراط
جني من الورد قد حثهإليك تودده في سباط
وما ذاك أيام إقبالهولا وقت تنضيده في البساط
أصاب بإسراعه فاحبهوغفرا لسائره فهو خاط
وقال أيضا الفقيه أبو الحسن يصفه في قطعة رائقة متضمنة لصفات فائقة موصولة بمدح ذي الوزارتين القاضي_أيد الله يده وحصد من حسده_:
للورد فضل السبق عند المفخربالمنظر السامي وطيب المخبر
ورق من الياقوت نظم فوقهشذر من الذهب السبيك الأصفر
ونسيم فوح ليس يبلغ طيبهعبق العبير ولا دخان العنبر
نقص الزمان ضنانة من عمرهوكذا النفيس القدر غير معمر
والنور غير الورد ليس لشخصهدون السباطة ذابلا من مقصر
والورد يرفع غضه ويبيسهرفع الأكف ظروف مسك أذفر
عمت منافعه كما عم الورىجود ابن عباد فريد الأعصر
وله أيضا في بيتان استوليا على غاية الإحسان وهما:
انظر إلى الروض غير متئدتبصر جمالا يصوغه الدهر
كأنما الورد فيه أطباق ياقوت عليها مغالق صفر
ولصاحب الشرطة أبي بكر بن القوطية فيه قطعة سرية موصولة بمدح ذي الوزارتين أبي أيوب بن عباد أبقاه الله، وأسبغ عليه نعماه وهي:
نور الربا خول والورد سلطانبذا قضى قبل آذار ونيسان
سر طوته فصول العام حاسدةلفضله إذ له السلطان والشان
حتى إذا ما الربيع الطلق نم بهبدا وقد ضاق عن مثواه كتمان
معالجا فتح أوراق تطبقهكما يعالج فتح العين وسنان
حتى تفتح من أكمام بردتهكما تفتح بعد النوم أجفان
أما النسيم فطيب لا أكيفهواللون حسنا به الألوان تزدان
فما سوى الورد في النوار من ملكولا كمثل أبي أيوب سلطان
ملك يريك اهتزاز الروض يتبعهحلم رسا منه فوق الأرض ثهلان
وللوزير الكاتب أبي حفص بن برد فيه أبيات بديعة [رفيعة] التشبيه، وهي:
هذا الربيع وكنت ترقبهفانظر بعيشك كيف تصحبه
قد نشرت حلل النبات بهفبدا مفضضه ومذهبه
والورد قد سمت الغصون بهتجلوه والأبصار تخطبه
والشمس قد ضرب الضحاء بهافي صبغه فذكاء تلهبه
فكأن من يهواه مخجلهوكأن رياه مطيبه
وكتب أبو جعفر بن الأبار إلى الوزير أبي عامر بن مسلمة في زمن الربيع يصف الورد ويحضه على إيثار الأنس، وجلاء صدأ النفس، فأحسن إحسانا يقرب على متأمليه، ويبعد على متناوليه، ووصف الورد بعد صدر متقدم من الشعر:
الورد ورد للعيون من الظمافاذكر أذمته الوكيدة واحفظ
في لبسة التقوى يروقك منظرافامنحه بالإنصاف طرفك والحظ
وإذا الهجوع نأى فخير منوموإذا السرور دنا فأحسن موقظ
يا ممطري بفعاله ومقالهومحافظي بوداده لا محفظي
افطن إذا أبدى الزمان تبالهاوإذا تواهن جفنه فاستيقظ
وبكل صرف فاستقد منصرفهوافظظ برقتها عليه وأغلظ
فالهم يفرق من لآليء فرقهاوالحزن يطفأ عن سناها الملتظي
صفراء صفر الكأس من جثمانهاتتخطف الأبصار مهما يلحظ
لا زلت تسلم يا بن مسلمة الرضامعطي الأمان من الخطوب البهظ
قوله: "في لبسة التقوى" يعني الحياء، من قول الله تعالى: (وريشا ولباس التقوى)، قيل: الحياء. وقوله: "محافظي". هو من الحفظ والمرعاة. و "محفظي": المفرق من الرأس. وقوله: "صفر الكأس من جثمانها":الصفر: الخالية، والجثمان: الجسم، وفيه لغتان: جثمان وجسمان. فجاوبه الوزير أبو عامر بن مسلمة بأبيات بديعة الصفات، بزيعة الكلمات وهي:
يا واحد الأدباء غير مدافعومن اغتدى في الفهم نارا تلتظي
وافاني الشعر البديع نظامهفأزاح عني كل أمر محفظ
فخرا لورد الروض إذ حاز المدىببدائع من ذهنك المتيقظ
الورد عندي في الخدود نفاسةورياسة مهما يقس أو يلحظ
هو آخر وله التقدم أولاكم آخر قد حاز مفخر من حظي
وقد اعتمدت على الذي حبرتهفي نظمك الزاري بلفظ اللفظ
وفضضتها صفراء يعشي ضوؤهاحدق العيون الرانيات اللحظ
قال أبو الوليد: وأهدى إلي صاحب الشرطة أبو بكر بن القوطية ثلاث وردات ليلة المهرجان، وكتب إلي معها أبياتا أنيقة المعنى [دقيقة المغزى]، وهي:
بعثت بأغرب الأشياء طراوأعجبها لمختبر ومخبر
بورد ناعم غض نضيريروقك ناسما طورا ومبصر
أتى في المهرجان فكان فوق البكير غرابة وهو المؤخر
وإغراب المؤخر عن أوانيجيء به كإغراب المبكر
ولما أن غشيت الروض منهبروض فيك من مدحي منور
وقلت له: استمع لحلى كريم السسجايا منتقى من سر حمير
تفتح من كمائمه وأبدىمن النفحات ما قد كان أضمر
فماء ثنائك العالي سقاهومن أخلاقك العليا تفطر
فأوسعه القبول ودم عزيزامكينا ما جرى نجم وغور
فلما وردت الورد الثلاث علي، ووصلت إلي، بعثت بها إلى أبي_وقاه الله بي_ وكتبت إليه معها أربعة أبيات بديهة وهي:
يا من تأزر بالمكارم وارتدىبالمجد والفضل الرفيع الفائق
انظر إلى خد الربيع مركبافي وجه هذا المهرجان الرائق
ورد تقدم إذ تأخر واغتدىفي الحسن والإحسان أول سابق
وافاك مشتملا بثوب حيائهخجلا لأن حياك آخر لاحق
ولي أيضا فيه قطعة موصولة بمدح أبي_أبقى الله علي ظله، وقدمني إلى المنون قبله_ وهي:
إنما الورد في ذرى شجراتهكأجل الملوك في هيئاته
رائق منظرا وخبرا وفذفي حلاه التي حلت وصفاته
نفحة المسك من شذا نفحاتهخجل الخد من سنا خجلاته
مزجت حمرة اليواقيت بالدرر فجاءت به على حسب ذاته
مثلما جاء من سماح وبأسخلق الحميري سم عداته
إن يعد فالوفاء حتم عليهفرضه في صلاته كصلاته
ولي قطعة نثر كتبت بها إلى صاحب الشرطة [أبي الوليد بن العثماني] وبعثت معها وردا مبكرا: "بعثت بخدود المعشوقين قد أدمتها ألحاظ العاشقين، وأدمنت عليها ناظرة، فتساقطت هكذا ناضرة، فاحكم على العيون للخدود، على ألا تعود إلى الصدود، والسلام". قال أبو الوليد: وحين استوفيت ما حصل عندي من الوصف للورد أبدأ بذكر ما عثرت عليه من المستحسن في وصف
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع