من «البديع في وصف الربيع» لأبي الوليد الحميري (ت نحو ٤٤٠هـ)
السوسن
فهو صاحب الورد في زمانه، ومشاركه في أوانه.
السوسن
قال أبو الوليد: يقال: سوسن وسوسان بالألف ودونها، وقد تكررت في الشعر اللغتان، وترددت التسميتان. فمن مليح ما جاء فيه، وشبه به، قول أبي عمر أحمد بن فرج الجياني وهو:
بعثت بسوسن نضرينم كجونة العطر
كأكؤس فضة فيهانفايا شهلة الخمر
أو الوجنات منك دنتإلى وجناتي الصفر
وللوزير الكاتب أبي مروان بن الجزيري فيه وصف مفضل له، مستحسن [منه وهو]:
وملسن الطاقات أبيض ناصعيزهي بأصفر من جناه فاقع
أعداد زهرته إذا حصلتهاست سوى عدد الرقيب السابع
سكنت قرارة حجره كلفا بهكالأم تكلف بالصغير الراضع
صافي الأديم إذا تخلق صدرهبخلوق أرؤسها الذكي المائع
أهدى الصبابة والهوى بنسيمهوبديع منظره الأنيق الرائع
سموه بالسوسان ظلما واسمهفي ما خلا ساسان غير مدافع
لما استذاع بفارس كلفت بهأملاكه فدعته باسم شائع
الرقيب: هو القائم في وسط السوسنة. وساسان: اسم ملك فارسي. أراد بهذا التمليح التنويه به، والترفيع من قدره. ومن [المستندر] المستحسن في وصف السوسن، قول أبي عمر الرمادي وهو:
سوسن كالسوالف البيض لاحتلمحب متيم من حبيب
قد أعارت عيوننا كل حسنوأعارت أنوفنا كل طيب
بعضها عاشق لبعض فبعضلمحب والبعض للمحبوب
فالحبيب المبيض منها إذا اصفرر سواه اصفرار صب كئيب
لهما ثالث أناف كواشقام يحكي هواهما كالخطيب
فهما وهو في جميع المعانيكحبيب وعاشق ورقيب
ولأبي بكر يحيى بن هذيل فيه تشبيه أنيق، وتمثيل دقيق وهو:
ورب سوسنة قبلتها كلفاومالها غير نشر المسك منشوق
مصفرة الوسط مبيض جوانبهاكأنها عاشق في حجر معشوق
ولأبي بكر هذا فيه قبل أن يتفتح وصف استحسن واستملح وهو:
فأول ما يبدو فخلق سبيكةمخلصة بيضاء أتقنتها السبك
بنت نفسها فوق الزمرد واقفافلاحت كمثل الدر ضمنه السلك
جنى سوسن لولا سسنا بشراتهلما زين الأفواه ثغر ولا ضحك
ولبعض شعراء الأندلس وقد دخل على المنصور بن أبي عامر_رحمه الله_وبين يديه ثلاث سوسنات إحداها لم تفتح، فسأله وصفها فقال بعد أبيات لم أحتج إلى ذكرها:
تبدو ثلاث من السوسان قائمةوما تشكى من الإعياء والكسل
فبعض نواره بالحسن منفتحوالبعض منغلق عنهن في شغل
كأنها راحة ضمت أناملهاممدودة ملئت من جودك الخضل
وأختها بسطت منها أناملهاترجو نداك كما عودتها فصل
قال أبو عمر أحمد بن دراج القسطلي يصفه فأحسن وأبدع، وأغرب واخترع:
إن كان وجه الربيع مبتسمافالسوسن المجتلى ثناياه
يا حسنه سن ضاحك عبقبطيب ريا الحبيب رياه
خاف عليه الحسود عاشقهفاشتق من ضده فسماه
وهو إذا مغرم تنسمهخلى على الأنف منه سيماه
كما يخلي الحبيب غاليةفي عارضي إلفه لذكراه
قوله: "خاف عليه الحسود." البيت، يعني أن سماه سوءا وهو حسن خوف العين والحسد، وهو تلميح مستحسن. ولأبي عمر أيضا فيه وصف ثان معدوم المثال موسوم بالجمال صح عندي أن عبادة بن ماء السماء كان يقول: "لم يخترع بالأندلس في معنى من المعاني كاختراع القسطلي في السوسان".وهو في قطعة مطولة كتب بها إلى المظفر ابن أبي عامر أنا ذاكر منها ما تشبث بذكر السوسان [من المستحسن وهو]:
جهز لنا في الروض غزوة محتسبواندب إليها من يساعد وانتدب
واهزز رماحا من تباشير المنىواسلل سيوفا من معتقة العنب
وانصب مجانيقا من النيم التيأحجارهن من الرواطم والنخب
لمعاقل من سوسن قد شيدتأيدي الربيع بناءها فوق القضب
شرفاتها من فضة وحماتهاحول الأمير لهم سيوف من ذهب
مترقبين لأمره وقد ارتقىخلل البناء ومد صفحة مرتقب
كأمير "لونة" قد تطلع إذ دناعبد المليك إليه في جيش لجب
فلئن غنمت هناك أمثال الدمىفهنا بيوت المسك فاغنم وانتهب
تحفا لشعبان جلا لك وجههعوضا من الورد الذي أهدى رجب
واستوف بهجتها وطيب نسيمهافإذا دنا رمضان فاسجد واقترب
الشرفات: أوراق السوسن، والسيوف: النواوير المصفرة في أسفلها. والأمير القائم وسط السوسنة هو من الاختراعات الشريفة، والابتداعات البديعة. ولأبي بكر بن عبادة بن ماء السماء إلى صديق له يستهديه سوسنا أبيات وصفه فيها وصفا مستحسنا:
دمت بإنعام وإحسانإن أنت أنعمت بسوسان
لو كان نفسا حيوانيةما كان إلا نفس إنسان
كأنه أنمل حسناء لمتخضب يديها خوف غيران
وأنشدني لنفسه فيه الوزير أبو عامر بن مسلمة أبياتا مطبوعة محكمة وهي:
وسوسن راق مرآه ومخبرهوجل في أعين النظار منظره
كأنه أكؤس البلور قد صنعتمسدسات تعالى الله منظره
وبينها ألسن قد طرفت ذهبامن بينها قائم بالملك تؤثره
كأنه خلق ميم في تعقفهمداده ذوب عقيان يصفره
قال صاحب الشرطة أبو بكر بن القوطية يصفه بأوصاف سرية وهي:
أما ترى الروض حسابيا نحا إقليدسه
فصور السوسن مندائرة مسدسه
مدهنة من فضةبتبرها ملبسه
واضحة فاضحةصاحبها مدلسه
إن رام كتم لثمهاوشمها انظر معطسه
تجد بقايا طيبهبأنفه محتبسه
وفوقها رقيبةمنها لها محترسه
نابلة رامحةسائفة مترسه
كان اسمها نسوس لاكن قرئت منكسه
قوله: "وفوقها رقيبة" يعني القائمة وسط السوسنة. نابلة: ذات نبل، جعل التي تحدق بالرقيبة في أسفلها نبلا، وجعل أيضا منها رماحا في قوله: "رامحة". وسائفة: يحتمل أن يجعل الوشائع الصفر التي حول الرقيبة سيوفا، ويحتمل أن يكون السيوف الأوراق البيض. ومترسة ذات ترس. ولاشك أنه من الأوراق البيض. وقوله: "نسوس" أراد مستقبل فعل الساسة، وهو مليح فيه معنى التنويه به وللفقيه أبي الحسن بن علي فيه أوصاف حسنة، وتشبيهات جيدة فمنها قوله:
أرى صفرة السوسان فوق بياضهكصفو مدام في إناء مفضض
بدا مثل حق العاج في فرع غصنهبأكرم ملبوس وأجمل معرض
ولما دنا وقت النثار تشققتنواويره عن حلي حسن له نضي
كذلك حقاق الحلي صون لما حوتكفات له من خاتل متعرض
قولهك ["نضي" بمعنى: جرد. كفات له: أي ستر. قال الله ﷿]: (ألم نجعل الأرض كفاتا) أي سترا. وخاتل: بمعنى خادع. وأنشدني أيضا لنفسه أحسن تشبيه موصولا بمدح ذي الوزارتين أبي عمرو عباد_حرس الله نفسه، كما قدس غرسه_وهو:
كأنما السوسن الدري ألسنةتمجد الله مجري التبر في غربه
أندى النواوير إن قبلت صفحتهحباك من طيبه حظا ومن ذهبه
وما أرى غير عباد له شبهافي الحسن والفوح والمأثور من أدبه
ومن المستندر المختار أبيات كتب بها أبو جعفر بن الأبار وهي:
أنعم فقد حسن الزمان وأحسناوتباهلت عنك الخطوب لتفطنا
أوما ترى برد الربيع مفوفايصبي العيون بمجتلى وبمجتنى
والسوسن العبق الجيوب تخالهمن ناصع الكافور صور ألسنا
حفت قراضات النضار مجردامنه أقلتها قصيرات القنا
فكأنما أوراقه وكأنهبيض سللن لقتل جان قد جنى
المجد: هو القائم وسط السوسنة، والقراضات: هي النواوير الصفر في أسفلها، وكأنه في آخر بيت كناية راجعة إلى المجرد، وهو تشبيه قوي وتمثيل سري. ولأبي جعفر بن الأبار أيضا أبدع تشبيه وهو:
كأنما السوسن الغضض منظرا حين يلحظ
فهر بهاؤون درمشطب قد تعظعظ
الفهر: القائم وسط السوسنة، والهاؤون: سائرها، وتعظعظ: مال وعدل. ولأبي علي إدريس بن اليمان فيه أوصاف مستطرفة، وتشبيهات مستظرفة منها [قوله]:
ممهى الحسن مشقوق الجيوبله وجه البريء من الذنوب
تفرج عن مناكبه قميصتفرج لوعة الدنف الكئيب
وقد علت عمامته بورسفقام لا خطاب كالخطيب
على أنبوب كافور يراعتضمن بطنه ينبوع طيب
الممهى: المرقق: يقال: أمهيت السيف أمهيه: إذا أرهفته وجلوته. وبنى القطعة كلها على وصف القائم وسط السوسنة. ولأبي إدريس بن اليمان أيضا قطعة بديعة التشبيه موافقة الوصف لكل ما فيه وهي:
وضاحك كالفلقعن فلج في ورق
على حفافي مرودمذهب مندلق
كمنتج من غرقوخارج من نفق
بين اصفرار فاقععلى ابضاض يقق
كأنما كلاهمافي راحة أو طبق
برادة من ذهبفي ورق من ورق
الفلج: الفرجة بين الأسنان، والروق: طولها. والحفافان: الجانبان. وعنى بالمرود القائم وسط السوسنة. والمندلق: الناتيء المندفع. قال أبو الوليد: ولي فيه قطعة فيها اختراع تشبيه وصلتها بمدح الحاجب_حجبه الله بي عن النوائب_وهي:
وسوسن يتهادىللأنس بالراحتين
نعم المواصل لو لميعد بنأي وبين
كأنما خلقه الفذذ خسة من لجين
أو أنمل بضة ماتكبت في يدين
وبينها حارس لاينام طرفه عين
علا وأشرف منهاعلى جمال وزين
كما علا الحاجب المنتقى على الشعريين
ملك به حال دهريبين الخطوب وبيني
قال أبو الوليد: ووقعت إلي في السوسن الأزرق وهو
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع