تجاوز إلى المحتوى

من «مختارات شعراء العرب» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)

وللمتلمس

قال ابن الأعرابي: أخبرني أبو جعفر محمد بن حبيب عن أبي المنذر هشام بن محمد الكلبي النسابة أن المتلمس إنما سمي بهذا اللقب لقوه:

وذاك أوان العرض حيَّ ذبابهزنابيره والأزرق المتلمس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «أعاذل إن المرء رهن مصيبة»

قال أبو محمد القتبي: كان المتلمس ينادم عمرو ابن هند ملك الحيرة هو وطرفة بن العبد، فهجواه فكتب لهما إلى عامله بالبحرين كتابين أوهمهما أنه أمر لهما فيها بجوائز، وكتب إليه يأمره بقتلهما، فخرجا حتى إذا كانا بالنجف إذا هما بشيخ على الطريق في يده خبزٌ يأكل منه وهو يحدث ويتناول القمل من ثيابه فيقتله. فقال المتلمس: ما رأيتُ كاليوم قط شيخاً أحمق.

فقال الشيخ: وما رأيت من حمقي! أخرج خبيثاً، وأدخل طيباً، وأقتل عدواً. أحمق والله مني من يحمل حتفه بيده.

فاستراب المتلمس بقوله؛ وطلع عليهما غلام من أهل الحيرة، فقال المتلمس: أتقرأ يا غلام؟ قال: نعم. ففك صحيفته ودفعها إليه؛ فإذا فيها: أما بعد فإذا أتاك المتلمس فاقطع يديه ورجليه وادفنه حياً.

فقال لطرفة: ادفع إليه صحيفتك يقرؤها، ففيها والله ما في صحيفتي.

قال طرفة: كلا، لم يكن ليجترئ عليَّ. فقذف المتلمس صحيفته في نهر الحيرة وقال

قذفت بها بالثني من جنب كافرٍكذلك أقنو كل قط مضلل
رضيتُ لها بالماءِ لما رأيتهايجولُ بها التيارُ في كل جدولِ

كافر نهر كان بالحيرة. وأقنو: أقتني. والقط: الكتاب.

وأخذ نحو الشام، وأخذ طرفة نحو البحرين، فقتله عاملها، فضرب المثل بصحيفة المتلمس، وحرم عمرو بن هند حب العراق على المتلمس، وقال حين هرب إلى الشام:

يا آل بكرٍ ألا للهِ أمكمطال الثواءُ وثوبُ العجزِ ملبوسُ
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يا آل بكر ألا لله أمكم»
أغنيتُ شأني فأغنوا اليومَ شأنكمُواستحمقوا في ذكاءِ الحرب أو كيسوا
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يا آل بكر ألا لله أمكم»
إن العلافَ ومنْ باللوذِ من حضنلما رأوا أنه دينٌ خلابيس

قيل علاف هو ربان بن جرم بن حلوان. خلابيس اختلاط وغدر وفساد ليس بتام. وبرق خلابيس: لا مطر معه. وخلق خلابيس: إذا كان على غير استقامة، على المكر والخديعة.

ردوا عليهم جمال الحي فاحتملواوالضيم ينكره القوم المكاييس

يروى: شدوا الرحال على بزلٍ مخيسة.

ويروى:

شدوا الجمالَ بأكوارٍ على عجلٍوالظلمُ ينكرهُ القومُ الأكاييسُ
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يا آل بكر ألا لله أمكم»

الأكوار والكيران: الرحال، واحدها كور. أبو عبيدة: هو الرحل بأداته. وواحد المكاييس مكياس؛ وهو الذي لا يزال يجيء بالكيس. والبزل: جمع بازل؛ وهو الذي أتى عليه تسع سنين. يقال: جملٌ بازلٌ وناقة بازل؛ سمي بازلاً لأن نابه بزل اللحم فخرج. مخيسة: مذللة. ولا يقال للصغير مخيسٌ، وإنما يقال ذلك للمسن.

كونوا كسامة إذ شعفٌ منازلهثم استمرتْ به البزلُ القناعيسُ

سامة بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. قال الأصمعي: لما غاضب سامةُ بن لؤي قومه رحل إلى عمان، وكان أبي الضيم ونزل بكبكب، وهو الجبل الآخر وراء عرفة، فمضى كراهية الظلم. وشعفة الجبل: أعلاه.

قال ابن الكلبي: كان سبب خروج سامة إلى عمان أنه فقأ عين ابن عامر بن لؤي؛ وذلك أنه ظلم جاراً له فغضب عامر وكان شرساً، فخاف سامة أن يقع شرٌ فرحل عنهما، وأتى عمان فتزوج ناجية بنت جرم بن ربان. وربان علاف بن حلوان، فنهشته حية فمات.

وذلك أن ناقته تناولت رمثةً، فعلقت بمشفرها أفعى فاحتكتْ بالغرز، فنهشت ساق سامة؛ فسقطا ميتين؛ فقال شاعرهم:

عينُ بكي لسامةَ بنِ لؤيعلقتْ ما بسامة العلاقهْ
لا أرى مثل سامةَ بنْ لؤيحملتْ حتفه إليه الناقهْ

والقناعيس: الشداد. الواحد قنعاس.

حنتْ قلوصي بها والليل مطرقٌبعد الهدوء وشاقتها النواقيس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يا آل بكر ألا لله أمكم»

بها: أي بالعراق إلى الشام؛ لأن بها غسان، وهم نصارى. والحنين: أن يمد البعير صوته طرباً إلى إلف أو وطن. مطرق: بعضه على بعض طرائق، يعني شدة سواده بعد الهدوء: يعني بعد ما هدأ الناس. يقال: أتيته بعد هدءٍ من الليل وهدأةٍ من الليل.

معقولة ينظر الإشراق راكبهاكأنها من هوًى للرمل مسلوس

العقل: فوق الركبة؛ فإن عقل الركبتين جميعا قيل عقلها بثنايين. يقول: كأنها ذاهبة العقل من هواها للرمل.

ويروى: كأنها طربٌ للرملِ. ويروى: ينظر التشريق؛ أي أيام التشريق؛ أي يرمي الجمار، ثم يأتي الشام. والأول أصح.

وقد ألاح سهيلٌ بعد ما هجعواكأنه ضرمٌ بالكفِّ مقبوسُ

ألاح: لمع. وإذا ظهر الشيء وبدا قيل لاح يلوح. وقد ألاح من ذلك: أي أشفق منه. ويقال ألاح بثوبه وبسيفه: إذا لمع به. هجعوا: ناموا. والهجوع بالليل والنهار. والهجود بالليل خاصة. الضرم والضرام: ما دق من الحطب وما اشتعلت النار فيه سريعاً. وفي الحديث: كأن رأسه ولحيته ضرام عرفجة. ويروى: وقد أضاء سهيل؛ يقال ضاء وأضاء.

أنى طربتِ ولم تلحيْ على طربٍودونَ إلفكِ أمراتٌ أماليسُ
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يا آل بكر ألا لله أمكم»

المرت: التي لا تنبت شيئاً. والأماليس: الخالية من كل شيء. الطرب: خفة تأخذُ الإنسان من حزن أو فرح. قال الراعي:

فلم تملك من الطرب العيونا

ولم تلحي: أي لم تلامى. يقال: لحيت الرجل ألحاه لحياً؛ ولحوتُ العود ألحوه لحواً. ويقال إلفٌ وألاف، وأليف وألفاء. وألفته وآلفته.

حنت إلى النخلة القصوى فقلت لهابسلٌ عليكِ ألا تلكَ الدهاريسُ

يقال قصوى وقصيا. وبسلٌ: حرام. قال الأعشى:

فجارتكم بسلٌ علينا محرمٌوجارتنا حلٌ لكم وحليلها

والدهاريس: الأمور المنكرات، لا واحد لها. قال الأصعي: الواحد دهرس. قال عيسى بن عمر: الدهاريس والدراهيس جميعاً.

أبو عمرو: حنت إلى نخلة القصوى، بغير ألف ولام؛ وقال: هو وادٍ، وهو مما يلي نجداً.

أمِّي شآميةً إذا لا عراق لناقوماً نودهم إذ قومنا شوسُ

أمِّي: اقصدي. شوس: جمع الأشوس الذي ينظر إليك نظراَ شزراً لبغضه لك.

لن تسلكي سبل البوباةِ منجدةًما عاشَ عمروٌ وما عمرتَ قابوسُ
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يا آل بكر ألا لله أمكم»

روى ابن السكيت: ما عشتَ عمرو. البوباة: ثنية في طريق نجد ينحدر صاحبها منها إلى العراق، يريد عمرو بن هند، وقابوس بن هند؛ وأمهما هند بنت الحارث بن عمرو بن حجر بن معاوية؛ وأم النعمان سلمى بنت الضائع. وعمرو وقابوس ابنا المنذر بن ماء

السماء.

آليتَ حبَّ العراقِ الدهرَ أطعمهُوالحبُّ يأكله في القريةِ السوس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يا آل بكر ألا لله أمكم»

الألية: اليمين. والجمع ألايا. ويروى: آليتُ بالضم. ويروى: يأكله بالنقرة؛ وهي بلدٌ.

قال الأصمعي: كان عمرو بن هند حلف ألا يأكل المتلمس من طعام العراق، وليطردنه إلى الشام، فقال: إن منعني من العراق فإن الحب يأكله بالشام السوس.

لم تدرِ بصرى بما آليتَ من قسمٍولا دمشقُ إذا ديسَ الفراديسُ
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يا آل بكر ألا لله أمكم»

بصرى: من أرض الشام. والفراديس: قريةٌ بالشامِ أيضاً. ويروى: الكداديس؛ جمع كدس.

يقول: لم يدرِ هؤلاء بما حلفت ولم تشعر به من هوانك، يهزأ به.

فإن تبدلتُ من قومي عديكمُإني إذاً لضعيفُ الرأي مألوس
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يا آل بكر ألا لله أمكم»

عديّ بن ثعلبة بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر. والمألوس والمسلوس: الذي لا عقل له.

كم دونَ مية منْ داويةٍ قذفٍومن فلاةٍ بها تستودعُ العيسُ

ويروى: كم دون أسماء من مستعملٍ قذفٍ مستعمل: طريق موطوء مدوس.

ومن ذرى علمٍ ناءٍ مسافتهكأنه في حبابِ الماءِ مغموسُ
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يا آل بكر ألا لله أمكم»
جاوزته بأمونٍ ذاتِ معجمةتهوي بكلكلها والرأسُ معكوسُ
للشاعر المتلمس الضبعي، من قصيدة «يا آل بكر ألا لله أمكم»

النص من طبعة مطبعة الاعتماد بمصر (١٣٤٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «مختارات شعراء العرب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.