من «البديع في نقد الشعر» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)
الاحتراس
اعلم أن الاحتراس هو أن يكون على الشاعر طعن، فيحترس منه؛ كما قال تعالى: " ولن ينفعكم اليوم، إذ ظلمتم، أنكم في العذاب مشتركون ". لأن الاشتراك في المصيبة يخفف منها، ويسلي عنها. فأعلمهم تعالى أنه أول ما يعاقبهم به أنه لا يلهمهم التأسي، ولا يقضي عليهم بالتسلي. نعوذ بالله من عقابه، ونسأله من ثواب.
ومن الاحتراس قوله تعالى: " فأتوا حرثكم أنى شئتم ". لما كانت أنى تحتمل معنيين: مهنى كيف، ومعنى أين، احترس الباري سبحانه بقوله: حرثكم؛ لأن الموضع المكروه ليس بحرث، والحرث موضع الزرع. ذكره الجبائي في تفسيره.
وأنشدوا للخنساء:
يذكرني طلوعُ الشمس صخراًوأندبه بكلّ غروبِ شمسِ
ولولا كثرةُ الباكين حوليعلى إخوانهم لقتلتُ نفسي
وما يبكون مثلَ أخي، ولكنأسلي النفسَ عنه بالتأسي
وأنشدوا:
فسقى دياركِ غيرَ مفسدهاصوبُ الغمام وديمةٌ تهمي
احترس في هذا البيت بقوله: غير مفسدها لأن مداومة الإمطار سبب لخراب الديار.
وعابوا على ذي الرمة قوله:
ألا يا سلمى يا دار ميَّ على البلىولا زال منهلاَّ بجرعائك القطرُ
فعابه من لا يعرف في النقد شيئاً. وقال: كأنه إنما دعا عليها بالهدم. وقال النقاد: إنه لا مطعن عليه؛ أنه قد دعا لها بلاسلامة في أول البيت.
النص من طبعة وزارة الثقافة بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع