من «البديع في نقد الشعر» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)
باب: الكناية والإشارة
اعلم أن الفرق بين الكناية والإشارة أن الإشارة إلى كل شيء حسن والكناية عن كل شيء قبيح، مثل قوله ﷿: " فيهن قاصرات الطرف "، إشارة إلى عفافهن. وقوله سبحانه: " كانا يأكلان الطعام " كناية عن قضاء الحاجة. وقوله تعالى: " فرش مرفوعة ". إشارة إلى نساء كرام. وأرضاً لم تطؤها. إشارة إلى سبي النساء. ومثل قول العرب: طويل نجاد السيف، إشارة إلى ارتفاعه عن الدنايا. وعظيم الرماد، إشارة إلى كثرة القرى. وجبان الكلب، إشارة إلى كثرة الطارق ومهزول الفصيل، إشارة إلى سقي الألبان. وأسبق الناس إلى ذلك المعنى امرؤ القيس في قوله:
ويضحي فتيتُ المسك فوق فراشهانؤوم الضحى لم تنتطق عن تفضل
أشار بقوله: نؤوم الضحى إلى أنها مخدومة من بنات الملوك.
وقال بعض العرب وهو عمر بن أبي ربيعة:
بعيدةُ مهوى القرطِ، إما لنوفلٍأبوها وإما عبدِ شمسٍ وهاشمِ
أشار بقوله: بعيدة مهوى القرط إلى طول عنقها.
وقال ذو الرمة:
ترى قرطها في واضح الليتِ مشرفاًعلى هلك في نفنف يتطوحُ
وقال همام الفرزدق:
غمرُ الرداءِ، إذا تبسمَ ضاحكاًعتقتْ لضحكتهِ رقابُ المالِ
وقال النابغة:
رقاقُ النعالِ، طيبٌ حجزاتهمْيحيونَ بالريحان يومَ السباسب
أشار بطيب حجزاتهم إلى عفتهم وقالت ليلى الأخيلية:
ومخرقٍ عنهُ القميصُ تخالهُوسط البيوتِ من الحياء سقيما
حتى إذا رفعَ اللواءُ رأيتهتحتَ اللواء على الخميسِ زعيما
أشارت بتخريق القميص إلى كثرة طلب الحوائج منه.
وقال الأعشى:
ربَّ رفدٍ هرقته ذلك اليومَ وأسى من معشرٍ أقيال
أشار برفد هرقته إلى قتله الكرام.
وقال امرؤ القيس:
وأفلتهنَّ علباءٌ جريضاًولوْ أدركنهُ صفرَ الوطابُ
أشار بصفر الوطاب إلى خلو جسمه من روحه.
وقال عنترة:
بطلٌ كأنَّ ثيابه في سرحةٍيحذى نعالَ السبت ليس بتوأم
أشار بقوله: كأن ثيابه في سرحة إلى طول قامته. ويقوله: يحذى نعال السبت إلى أنه ملك. وبقوله: ليس بتوأم إلى أنه قوي شديد.
وقال آخر:
أبيني، أفي يمنى يديكِ جعلتنيفأفرحَ، أمْ خلفتني في شمالكِ
أشار باليمين إلى الرضا وبالشمال إلى السخط.
بعض العرب:
تركتُ الطعانَ لأهلِ الطعانِوأكرهتُ نفسي على ابنِ الصعقْ
وضعتُ يديَّ وشاحاً لهُوبعضُ الفوارسِ لا يعتنقِْ
أشار بوضع يديه إلى مصارعته.
وقول الخرنق:
لا يبعدن قومي الذينَ همُسمُّ العفاة وآفةُ الجزرِ
النازلين بكلِّ معتركٍوالطيبينَ معاقدَ الأزرِ
أشار إلى أنهم غير زناة.
وقول ابن مقبل: هرت الشقاشق ظلامون للجزر أشار إلى فصاحتهم ونحرهم الإبل من غير علة.
وقال الأعشى:
الواطئينَ على صدورِ نعالهمْيمشونَ في الدفني والأبرادِ
أشار إلى تجبرهم وأنهم ملوك.
ومثله:
كأنَّ أخمصها بالشوكِ منتعلُ.
ومنه أن يريد المتكلم شيئاً فيعبر عنه بلفظ غير لفظه كقولهم: فلان نقي الثوب، أي لا عيب فيه، وطاهر الجيب أي ليس بغادر، وطيب الحجزة أي عفيف، ودنس الثوب أي فاجر، وغمر الرداء أي كثير المعروف:، وطرب العنان أي فرس مسرع، ومغلول اليدين أي بخيل، ويقال: كبا زنده، وأفل نجمه، وذهب ريحه، وطفئت جمرته، وأخلف نوؤه، وانكسرت شوكته،
وكل حده. وأفل غربه، وتضعضع ركنه، وفت عضده، ولانت عريكته ". وكل هذه أسماء المماثلة والمشابهة.
ومنه قوله عليه وآله السلام: " إياكم وخضراء الدمن "، أراد المرأة الحسناء في منبت السوء.
واسترشد أعرابي أعرابياً الطريق، فقال استبطن الوادي وكن سيلاً حتى تبلغ.
ومنه قول زهير:
ومنْ يعصِ أطرافَ الزجاج فإنهيطيعُ العوالي ركبتْ كلَّ لهذم
قال: هذا مثل قولهم: من عصى السوط أطاع السيف.
ومن مليح التعريض: قيل لأبي العيناء: ما تقول في بني وهب؟ فقال: وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه، وهذا ملح أجاج.
ومن التعريض الجيد ما كتبه عمرو بن مسعدة إلى المأمون: أما بعد فقد استشفع بي فلان في إلحاقه بنظرائه؛ فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب الشافعين، ولو فعلت ذلك لتعديت طاعته والسلام. فوقع المأمون في كتابه: قد عرفنا تصريحك له، وتعريضك لنفسك، فأجبناك إليهما
ووقفناك عليهما.
ومنه:
فقل: السلامُ، ومنْ تباريح الجوىبعثَ القتيلُ تحيةً للقاتلِ
لقنَ النفارَ من الغزالة، واحتذىليَّ العهود من القضيبِ المائلِ
ومنه:
ولما جلا التوديعُ عما عهدتهولم يبقَ إلاَّ نظرةٌ تتغنم
بكيتُ على الوادي؛ فحرمتُ ماءهُوكيفَ يحلُّ الماءُ أكثرهُ دمُ
ومنه:
إذا رعتها من وصلِ أخرى بزلةتلافيتها من لمتي بشفيعِ
وما شبتُ لكن ضاعَ مما بكيتكمْسوادُ عذاري في بياضٍ دموعي
ومنه:
وغرة كجبين الشمس لو برزتفي حندس الليل للحرباء لانتصبا
النص من طبعة وزارة الثقافة بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع