من «البديع في نقد الشعر» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)
باب: التجاهل
قال صاحب الصناعتين: هو أن يقول الشاعر لا أدري، وأمثال ذلك من الكلام أو يستفهم ببعض حروف الاستفهام؛ كقول وذي الرمة:
بالله يا ظبيات القاع، قلن لنا:ليلاي منكنَّ، أمْ ليلي من البشرِ
وله أيضاً:
أيا ظبية الوعساء بين حلاحلٍوبين النقا آأنتِ أمْ أمُّ سالمِ
وقال صاحب الصناعتين: كتب إلي بعض الأدباء: سمعت بورود كتابك فاستفزني الفرح قبل رؤيته، وهز عطفي المرح أمام مشاهدته، فلا أدري
أسمعت بورود كتاب، أم ظفرت برجوع شباب، ولم أدر ما رأيت أخط مسطور، أم روض ممطور، أو كلام منثور، أو شي منشور، ولم أعلم ما أبصرت من منظومه أبيات شعر، أم عقود در، والسلام.
ومنه قول بعضهم:
أأسماءُ أيّ الواعدين تريهماأشدكما مطلاً فإني لا أدري
أأنت بنيلٍ منك يبردُ غلتيأم القلبُ بالسلوان عنك وبالصبر
ومنه لغيره:
أثغرٌ ما أرى أم أقحوانُوقدٌّ ما أرى أم خيزرانُ
وطرفٌ ما تقلبُ أمْ حسامٌولفظٌ ما تساقطُ أمْ جمانُ
وشوقٌ ما أكابد أم حريقٌوليلٌ ما أقاسي أمْ زمانُ
ومنه للمتنبي:
أريقك أمْ ماءُ الغمامةِ أم خمرُبفيِّ برودٌ وهو في كبدي جمرُ
ومنه لغيره:
كم ليلةٍ عانقتُ فيها بدرهاحتى الصباح موسداً كفيهِ
فسكرتُ لا أدري أمنْ خمر الهوىأم كأسه، أم فيه، أم عينيهِ
ومنه لغيره:
واللهِ لا أدري بأيّ صفاتهملكَ القلوبَ بأسرها في أسره
أبوجههِ، أم شعره، أم نحرهأم ثغره، أم ردفه، أم خصرهِ
ومنه لغيره:
ذكرتُ عشيةَ الصدفين ليلىوكلَّ الدهر ذكراها جديدُ
وقالوا: قد بكيت فقلتُ: كلاَّوهل يبكي من الطرب الجليدُ
ولكني أصابَ سوادَ عينيعويدُ قذىً له طرفٌ حديدُ
فقالوا: ما لدمعهما سواءًأكلتا مقلتيكَ أصابَ عودُ
عليَّ أليةٌ إن كنتُ أدريأينقصُ حبُّ ليلى أمْ يزيدُ
ومنه لغيره:
وخبرتُ: ليلى بالعراق مريضةٌفأقبلتُ من أرضي إليها أعودها
وأقسمُ ما أدري إذا أنا جئتهاأأبرئها من دائها أم أزيدها
ومنه:
أحقاً يا حمامةَ بطنْ وجّبهذا القول أنكِ تصدقينا
غلبتك في البكاء لأنَّ ليليأواصله وإنك تهجعينا
كلانا يشتكي ألماً وشوقاًولكني أسرُّ وتعلنينا
العرجي:
عوجي عليَّ وسلمي جبرُفيمَ الوقوفُ وأنتمُ سفرُ
ما نلتقي إلاَّ ثلاث منىًحتى يفرق بيننا النفرُ
وزعمتِ أنَّ البين يعقبنيصبراً عليك وأين لي صبرُ
ألحولُ بعد الحولِ نتبعهُما الدهرُ إلا الحولُ والشهرُ
ومنه:
وقفتُ وقد فقدتُ الصبر، حتىتبين صاحبي أني الفقيدُ
وشكك فيَّ عذالي؛ فقالوالرسم الدار: أيكما العميدُ
ومنه:
لي سيدٌ فاتنٌ يعلمنيبحبه كيف يعبدُ الصنمُ
لما رآني وفي يدي قلميلم يدرِ للسقم أينا القلمُ
ومنه:
إذا قلتُ: هذا بيتُ عزة قادنيإليه الهوى واستعجلتني البوادرُ
أمنقطعٌ يا عزُّ ما كان بينناوشاجرني يا عزُّ عنك الشواجرُ
ومنه قول ذي الرمة:
أيا ميُّ، هلْ يجدي بكائي بمثلهِمرارإن وأنفاسي عليكِ الزوافرُ
وإني متى أشرفْ من الموضعِ الذيبهِ أنتِ من بين الجوانبِ ناظرُ
وألا ينالَ الركبُ تهويم ساعةٍمن الليل إلا اعتادني لك زائرُ
ومنه لجميل:
أظنّ هواها تاركي بمضلةٍمن الأرضِ لا مالٌ لديَّ ولا أهلُ
ولا أحدٌ أفضي إليه وصيتيولا وارثٌ إلى المطيةُ والرحلُ
محا حبها حبَّ الأولى كنَّ قبلهاوحلتْ مكاناً لم يكنْ حلَّ من قبل
ومنه للصوري:
بالذي ألهمَ تعذيبي ثناياك العذابا
والذي صير حظيمنكِ هجراً واجتنابا
والذي ألبس خديكمن الوردِ نقابا
ما الذي قالته عيناكِ لقلبي، فأجابا؟
ومنه:
توردَ دمعي إذ جرى ومدامتيفمنْ مثلِ ما في الكأس عيناي تسكبُ
فأقسمُ ما أدري أبالخمرِ أسبلتْجفوني، أم من ماء عينيّ تشربُ
ومنه:
هتف الصبحُ بالدجى فاسقنيهاقهوةً تتركُ اللبيبَ سفيها
ليسَ يدري من رقةٍ وصفاءٍهي في كأسها أم الكأسُ فيها
ومنه لمهيار الديلمي:
أيا صاحبيْ نجوايَ يومَ سويقةٍأناةً وإن لمْ تسعدا فتجملا
سلا ظبيةَ الوادي، وما الظبيُ مثلهاوإنْ كان مصقولَ الترائب أكحلا
أأنتِ أمرتِ البدر أن يصدع الدجىوعلمتِ غصنَ البان أن يتميلا
جمعت عليه حرقة الدمع والأسىوما اجتمع الداءان إلا ليقتلا
وحرمتِ يوم البينِ وقفةَ ساعةٍعلى مدنفٍ ظنَّ الوداعُ محللا
ومنه:
تحصبُ يا رامي الجمار بها الأرضَ، فقلبي لم يشتكِ الألما
كادتْ قريشٌ ترتدُّ جاهلةًلما تمثلت بينها صنما
يا لزماني على الحمى عجباًأيُّ زمانٍ مضى وأيُّ حمى
ومنه:
حملوا ريحَ الصبا نشركمُقبل أنْ تحمل شيحا وخزامى
وابعثوا أشباحكمْ لي في الكرىإنْ أذنتمْ لجفوني أنْ تناما
أشتكيكم وإلى منْ أشتكيأنتم الداءُ فمن يبري السقاما
كلما أفكرتُ في فرقتناقلتُ: ما كان اللقا إلاَّ مناما
ومنه:
دعوهُ ونجداً إنها شأنُ نفسهفلوْ أنَّ نجداً بلغةٌ ما تغذاها
وهبكمْ منعتمْ أن يراها بعينهفهلْ تمنعونَ القلب أنْ يتمناها
ومنه:
أستنجدُ الصبرَ فيكمْ وهو مغلوبُوأسألُ النومَ عيني وهو مسلوبُ
وأبتغي عندكم قلباً سمحتُ بهوكيف يرجعُ شيءٌ وهوَ موهوبُ
ما كنتُ أعلمُ ما مقدارُ وصلكمُحتى هجرتُ، وبعضُ الهجر تأديبُ
ومنه:
أضيغمٌ، أم غزالٌ ذاك، أم بشرُشمسٌ تزيتْ بزيّ التركِ، أم قمرُ
لقد تحير وصفي في حقيقتهكما تحير في أجفانه الحورُ
النص من طبعة وزارة الثقافة بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع