من «لباب الآداب» لأسامة بن منقذ (ت ٥٨٤هـ)
ومن بليغ ما قيل في الشيب
قول الشاعر:
ياللّيالي، قد فعلن بلمتيعجباً! ومن أفعالها يُتعجبُ
كتبت بأبيض في سواد وإنماعهدي بأسود في بياض يكتب
وقال الآخر:
عرض المشيب بعارضيَّ فأعرضواوتقوضَّت خيم الشباب فقوَّضوا
فكأن في الليل البهيم تبسطواخفراً وفي الصبح المنير تقبَّضوا
ولقد رأيت فهل سمعت بمثلهبيناً غراب البين فيه أبيضُ؟!
وقال الأفوه الأودي:
إن تري رأسي فيه نزعٌوشواتي خلةً فيها دوارُ
أصبحت من بعد لون واحدٍوهي لونان وفي ذاك اعتبارُ
وصروف الدهر في أطباقهخلفة فيها ارتفاع وانحدارُ
[بينما الناس على عليائهاإذ هو وافي هوةٍ منها فغاروا]
[ولياليه إلالٌ للفتىدانياتٌ تختليه وشفارُ]
إنما نعمة قومٍ متعةٌوحياة المرء ثوبٌ مستعارُ
[حتم الدهر علينا أنهظلفٌ ما نال منا وجبارُ]
وقال الآخر:
يا من لشيخٍ قد تخدد لحمهأبلى ثلاث عمائم ألوانا:
سوداء حالكةً وسحق مفوفٍوأجد لوناً بعد ذاك هجانا
[قصر الليالي خطوه فتدانىوحنون قائم ظهره فتحانى]
والموت يأتي بعد ذلك كلّهوكأنّ ما قد كان لم يك كانا
وقال والدي مجد الدين أبو سلامة مرشد بن علي بن مقلد بن نصر بن منقذ ﵀:
إن الليالي أنذرت بفراق منأهوى ووالت رسلهن حثاثا
ألبسنني من كل لون صبغةًقسمت حياتي بينها أثلاثا:
لوناً غدافياً ولوناً أشهباًأضحت حبال العيش منه رثاثا
وأتت بلونٍ بعد ذلك ناصعٍعادت قواي لنقضه أنكاثا
إني لأحسد- بعد طول تلهفٍوتأسفٍ- من يسكن الأجداثا
وعمرت فرداً في الأنام فلا أرىإلا امرءًا عن هفوتي بحَّاثا
وللشيخ أبي العلاء بن سليمان التقدم في هذا المعنى بقوله:
واهاً لرأسك زال أدهمهعنه وأشهبه وأرقطهُ
وأعاده مثل اللجين مدىقد كان قبل به ينقِّطهُ
بل ليت شعري حين يرتحل الجون المودّع أين مسقطه؟!
وقال عبد الله بن المعتز ﵀:
رقد الخلي لأنه خلوعمن يؤرق عينه الشجوْ
وإذا المشيب رمى بوهنتهوهت القوى وتقارب الخطوُ
وإذا استحال بأهله زمنٌكثر القذى وتكدر الصفوُ
سبحان من يعصى بأنعمهفيكون منه الستر والعفوُ
أنشدنا الهذيل وزير جوش بك أون به صاحب الموصل بحصن شيزر سنة تسع وخمس مائة في دار والدي ﵀ لبعض شعراء خراسان:
أقول ونوار المشيب بعارضيقد افتر لي عن لون أسود سالخِ:
أشيباً وحاجات النفوس كأنمايجيش بها في الصدر مرجل طابخِ؟
وما كلّ همّي للمشيب وإن هوىبي المشّيب عن طود من العز باذخِ
ولكن لقول الناس: شيخٌ، وليس ليعلى نائبات الدهر صبر المشايخِ
وقال أبو هلال الأسدي:
نزل المشيب فحل غير مدافعٍوعفا المشيب من الشباب ديارا
وتجاورت خصل السواد ومثلهالمع البياض على القرون جوارا
وإذا هما اجتمعا هنالك حقبةًظعن السواد عن البياض فسارا
قلت: ما رأيت أن أخلي هذا الباب من شعر في ذكر الشيب، فذكرت هذه الأبيات مختصراً، فإنني أفردت لذكر الشيب والكبر والشباب أيضاً كتاباً ترجمته بكتاب: (الشيب والشباب) اشتمل على كثير مما يُتطلع إليه من هذا النوع، فغنيت به عن الإطالة هاهنا. فمن وقف عليه من الفضلاء عرف ما بينه وبين كتاب (الشهاب في ذكر الشيب والشباب) تأليف المرتضى ﵁، وعلم أن الفضل للمقدم في البيان، لا في التّقدّم في الزمان
النص من طبعة مكتبة السنة بالقاهرة (١٤٠٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع