من «أنس المسجون وراحة المحزون» لصفي الدين الحلبي (ت بعد ٦٢٥هـ)
حكمة
وقيل: يتعزّى العاقل فيما ينزل به من المكروه بأمرين [الأول] منهما: السّرور بما يبقى له من الأجر، والآخر رجاء الفرج. ويجزع الجاهل فيما ينزل به لأمرين: خوف الشّماتة، وضيق الحال. [ويخاف التقي] فيما ينزل به بأمرين [الأول] منهما: في مصيبته استكباره ما أتى به، والآخر خوف ما هو أشدّ منه.
وقيل: للمحن أوقات، ولأوقاتها غايات.
عليّ بن الجهم:
هي النّفس ما حمّلتها تتحمّلوللدّهر أيام تجور وتعدل
وعاقبة الصّبر الجميل جميلةوأفضل أخلاق الرّجال التّفضّل
ولا عار إن زالت عن المرء نعمةولكنّ عارا أن يزول التّجمّل
وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور، وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور.
وعزّى رجل المهديّ عن ابنة له جزع عليها جزعا شديدا فقال:
يا أمير المؤمنين، ما عند الله خير لها مما عندك، وثواب الله خير لك منها.
وإنّ أولى ما يجب أن تصبر عليه ما لا تستطيع ردّه. فتعزّى عنها.
وكان يقال: إنّكم ما تدركون ما تأملون إلاّ بالصّبر على ما تكرهون.
وقال عبد الله بن ثابت:
الصّبر من كرم الطّبيعةوالمّنّ مفسدة الصّنيعه
والحرّ أمنع جانبامن ذروة الجبل المنيعه
ترك التعاهد للصّديق يجرّ أسباب القطيعه
وقيل: لن يبلغ المرء ما يأمل إلاّ بالصّبر على ما يكره.
وقال المدائني أخبرني شيخ من أهل البصرة، قال: شهدت امرأة من أهل البادية وبين يديها ابن يجود بنفسه، فلمّا خرجت نفسه، قامت إليه فغمّضت عينيه وعصّبته، وترّحمت عليه، ثمّ تنحّت عنه، وقالت:
يا بني، ما أحقّ من ألبس النّعمة، وأطيلت له النّظرة ألاّ يعجز عن التوفيق لنفسه، والاستعداد ليوم ظعنه قبل نزول الموت بعقوته، وحلوله بساحته وقبل أن يحال بينه وبين نفسه، فيندم حين لا تنفعه النّدامة.
قال: وقال لها رجل من حيّها: إنّا كنّا نسمع أنّ الجزع للنّساء، ورأيتك قد حسن صبرك عن ابنك، وما أشبهت النّساء. فقالت: ما ميّز مميّز بين صبر وجزع إلاّ رأى بينهما منهجين متفاوتين، أمّا الصّبر فحسن العلانية، محمود العاقبة؛ وأمّا الجزع فغير معوض صاحبه عوضا مع الذي يكسبه من المأثم، ولو كانا رجلين في الصّورة لكان الصّبر أولاهما بغلبة في حسن الصّورة وكرم الطّبيعة لما في عاجله من الزّين، وفي آجله من الثّواب.
وقيل: عدّة المكروه عدّتان: الصّبر على ما لا يدفع مثله إلاّ بالصبر. والصّبر على ما لا يجدي عليه الجزع.
عثمان بن عفان ﵁:
خليليّ لا والله ما من ملمّةتدوم على حيّ وإن هي جلّت
فإن نزلت يوما فلا تخضعن لهاولا تكثر الشّكوى إذا النّعل زلّت
وقال الأصمعيّ: رأيت امرأة تتبع ميتا على شرجع وهي تقول:
رحمك الله يا هيثم، فلقد كان مالك لغيرك، وأمرك لغير عرسك، وكنت كما قال الشاعر:
رحيب ذراع بالذي لا يشينهوإن كانت الفحشاء ضاق بها ذرعا
فقلت: يا أمّ الهيثم، هل لك من الهيثم خلف؟ وأنا أعني ولد.
فقالت: نعم، ثواب الله، وهو أجلّ العوض وأحسن الخلف.
وقيل: انتظار الفرج بالصّبر عبادة.
ونظر رجل إلى روح بن قبيصة بباب المنصور، فقال له: قد طال وقوفك في الشّمس. قال: ليطول جلوسي في الظّلّ.
وحكي عن زوجة فتح الموصلي بأنّها عثرت، فانقطع ظفرها فضحكت. فقيل لها: ويحك، أما تجدين ألم الوجع، وأنت تضحكين؟ فقالت: إنّ لذّة الثّواب أزالت عنيّ مرارة الوجع. ﵂.
عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه:
إنّي أقول لنفسي وهي ضيّقةوقد أناخ عليها الدّهر بالعجب
صبرا على شدّة الأيام إنّ لهاعقبى وما الصّبر إلاّ عند ذي حسب
سيفتح الله عن قرب يعقّبهفيها لمثلك راحات من التّعب
وقيل:
إذا ما عرى خطب من الدّهر فاصطبرفإنّ الليالي بالخطوب حوامل
وكلّ الذي يأتي به الدّهر زائلسريعا فلا تجزع لما هو زائل
حدّث بعض تجّار المدينة قال: كنت أختلف إلى جعفر بن محمد و [كنت] له خليطا، وكان يعرفني بحسن الحال. فتغيّرت
حالي، فأتيته أشكو إليه سوء حالي، فرقّ لي، ثم أنشدني:
ولا تجزع وإن أعسرت يومافقد أيسرت في الزّمن الطّويل
ولا تيأس فإنّ اليأس كفرلعلّ الله يغني عن قليل
ولا تظنن بربّك ظنّ سوءفإنّ الله أولى بالجميل
قال: فخرجت من عنده وأنا أغنى النّاس.
وقيل: إن وزيرا لملك نفاه لموجدة وجدها عليه، فاغتمّ لذلك غمّا شديدا، فبينما هو ذات ليلة في مسيره إذ لقيه رجل، فأنشده:
أحسن الظّنّ بربّ عوّدكحسنا أمس وسوّى أودك
إنّ ربّا كان يكفيك الذيكان منك الأمس يكفيك غدك
وقيل: ما من مصيبة إلاّ ومعها أعظم منها: إن جزعت فالوزر، وإن صبرت فالأجر.
وقيل: ثمرة القناعة الرّاحة، وثمرة التّواضع المحبّة، وثمرة الصّبر الظّفر.
أما والذي لا خلد إلاّ لوجههومن ليس في العزّ المبين له كفو
لئن كان طعم الصّبر مرّ مذاقهلقد يجتنى من غبّه الثّمر الحلو
وكان ابن المقفّع يقول: إذا نزل بك أمر مكروه إن كان لك حيلة فلا تجزع، وإن كان ممّا لا حيلة فيه فلا تجزع.
لا تجزعنّ لصرف حادثةحكمت عليك به يد الدّهر
واصبر إذا نابتك نائبةفالصّبر خير عواقب الأمر
وقال بعض الحكماء: من شكا ضرّا نزل، فإنّما يكشو الله.
وقال الحسن البصري: وجدت خير الدّنيا والآخرة صبر ساعة.
وقال بعض الحكماء: بالصّبر على ما تكره تنال ما تحبّ، وبالصّبر عمّا تحبّ تنجو ممّا تكره.
فلا جزع إن راب دهر بصرفهوبدّل حال فالخطوب كذلك
فما العيش إلاّ مدّة ثم تنقضيوما المال إلاّ هالك في الهوالك
واعتلّ ذو الرّيا ستين بخراسان مدّة طويلة، ثم أبلّ واستقلّ، وجلس للنّاس، فدخلوا عليه وهنّوه بالعافية فأنصت لهم حتى انقضى كلامهم، ثم اندفع فقال: إنّ في العلل نعما لا ينبغي للعقلاء أن يجهلوها منها: تمحيص للذّنب، وتعريض للثّواب ثواب الصبر،
وإيقاظ من الغفلة، وإذكار بالنّعمة في حال الصّحّة، واستدعاء للتوبة، وحضّ على الصّدقة، وفي قضاء الله وقدره يعدّ الخيار. فانصرف النّاس بكلامه، ونسوا ما قال غيره.
النص من طبعة دار صادر (١٩٩٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع