من «أنس المسجون وراحة المحزون» لصفي الدين الحلبي (ت بعد ٦٢٥هـ)
الفصل الثالث في الموت وانقطاع الأسباب بين الأهلين والأصحاب
وللنّفوس وإن كانت على وجلمن المنيّة آمال تقوّيها
فالمرؤ يبسطها والدّهر يقبضهاوالنّفس تنشرها والموت يطويها
وقيل: إن الحسن نظر إلى رجل يجود بنفسه، فقال: إنّ أمرا هذا آخره لجدير أن يزهد في أوّله، وإنّ أمرا هذا أوّله لجدير أن يخاف من آخره.
وقال بعض الرّهبان: من صوّر الموت بين عينيه كفاه الله مؤونة الاهتمام بالأرضيّات.
وقيل: كفى بالتّجارب تأدبا، وبتقلّب الأيام عظة، وبذكر الموت زاجرا.
وقال الحسن بن عليّ: ما رأيت يقينا لا شكّ فيه أشبه بشكّ لا يقين فيه من الموت.
وقالت الهند: لو علمت البهائم بالموت ما وجد فيها سمين.
علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه.
تراع لذكر الموت ساعة ذكرهوتعترض الدّنيا فتلهو وتلعب
يقين كأنّ الشّكّ أغلب أمرهعليه وعرفان إلى الجهل ينسب
وقد ذمّت الدّنيا إليّ صروفهاوخاطبني أعجامها وهو معرب
ولكننّي منها خلقت لغيرهاوما كنت منه فهو شيء محبّب
وفي كلّ يوم يفقد المرء بعضهولا شكّ أنّ الكلّ منه سيذهب
وقال بعض الرّهبان: أبلغ العظات النّظر إلى محلّ الأموات.
وقال أبو محرز: كفتك القبور مواعظ الأمم السّالفة.
وقال المزني: دخلت على الشّافعي غداة وفاته، فقلت: كيف
أصبحت يا أبا عبد الله؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلا، ولإخواني مفارقا، [ولسوء أفعالي ملاقيا] وبكأس المنيّة شاربا، ولا أدري إلى الجنّة تصير روحي فأهنّيها، أم إلى النّار فأعزّيها؟ ثم قال:
ولمّا قسا قلبي وضاقت مذاهبيجعلت الرّجا منّي لعفوك سلّما
تعاظمني ذنبي فلمّا قرنتهبعفوك ربّي كان عفوك أعظما
وقيل: لما حضر بشر بن مروان الموت فرح، فقيل له: أتسرّ بالموت؟ فقال: أتجعلون قدومي على خالق أرجوه كمقامي مع مخلوق أخافه؟
وقال سهل بن هارون: من طلب الآخرة طلبته الدنيا حتى توفيه رزقه فيها، ومن طلب الدنيا طلبه الموت حتى يخرجه منها.
أبو العتاهية:
نسيت الموت فيما قد نسيتكأنّي لا أرى أحدا يموت
أليس الموت غاية كلّ حيّفما لي لا أبادر ما يفوت
وقيل لأبي بكر ﵁ في مرضه الذي مات فيه: لو أرسلت إلى الطّبيب؟ قال: قد رآني. قيل له: فما قال لك؟ قال: إني فعّال لما أريد.
وروي عن ابن عبّاس ﵁ قال: دخلت على عمرو بن العاص وقد احتضر، فقلت له: يا أبا عبد الله، كنت تقول: أشتهي أرى رجلا عاقلا يموت حتّى أسأله كيف يجد، وقد نزل بك، فأخبرني كيف تجدك؟ فقال: أجد السّماء كأنّها مطبقة على الأرض وأنا بينهما وأراني كأنّما أتنفّس من خرت إبرة. ثم قال:
اللهمّ، خذ منّي حتّى ترضى. ثم رفع يده، وقال: اللهمّ، أمرت فعصينا، ونهيت فركبنا، فلا بريء فأعتذر، ولا قويّ فأنتصر، ولكن مذنب أستغفر.
وقال أبو بكر بن أبي الفرات: قرأت على قبر: يا من أبطرهم الغنى، وأسكرتهم شهوات الدنيا، استعدوا للسّفرة العظمى، فقد دنا نزولكم على أهل البلاء.
لبعضهم:
يوشك من فرّ من منيّتهفي بعض غرّاته يوافقها
من لا يمت عبطة يمت هرماالموت كأس والمرء ذائقها
وقيل: لما مات المهديّ لبست جاريته حسنة وغيرها من حشمه
المسوح السّود جزعا عليه، فقال أبو العتاهية في ذلك:
رحن في الوشي وأصبحن عليهنّ المسوح
كلّ نطّاح وإن عاش له يوما نطوح
لست بالباقي ولو عمّرت ما عمّر نوح
فعلى نفسك نح إنكنت لا بدّ تنوح
وقيل: اجتاز النّعمان على مقبرة، فقال له عديّ بن زيد:
أتدري ما يقولون؟ قال: لا. قال: إنّهم يقولون:
أيّها الرّكب المخبّون على الأرض مجدّون
فكما أنتم كنّاوكما نحن تكونون
وقيل: وجد على قبر مكتوب: من أمّل البقاء وقد رأى مصارعنا فهو مغرور.
وقيل لرجل من أشراف العجم في علّته التي مات فيها: ما بك؟ قال: فكر عجيب، وحسرة طويلة. فقيل: ممّ ذاك؟. فقال: ما ظنّكم بمن يقطع سفرا قفرا بلا زاد، ويسكن قبرا موحشا بلا مؤنس، ويقدم على حكم عدل بلا حجّة.
قسّ بن ساعدة:
في الذّاهبين الأوّلين من القرون لنا بصائر
لما رأيت موارداللموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوهايمضي الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي ولايبقى من الباقين غابر
أيقنت أنّي لا محالة حيث صار القوم صائر
وقال بعض الحكماء الذين حضروا وفاة الإسكندر: لقد حرّكنا بسكونه.
أبو العتاهية:
يا عليّ بن ثابت بان منّيصاحب جلّ فقده يوم بنتا
قد لعمري حكيت لي غصص الموت وحرّكتني لها وسكنتا
وروي عن الأصمعي قال: دخلت على الرّشيد ودموعه تنحدر على خدّيه، وهو ينظر في كتاب، فظللت قائما حتى سكن، فحانت منه التفاتة فقال: اجلس يا أصمعيّ. فجلست، فقال: أرأيت ما كان؟ فقلت:
نعم، يا أمير المؤمنين. فقال: أما إنه لو كان لأمر الدنيا ما رأيت هذا، ثمّ رمى بالقرطاس إليّ، فإذا فيه شعر لأبي العتاهية بخطّ جليل:
هل [أنت] معتبر بمن خربتمنه غداة قضى دساكره
وبمن أذلّ الموت مصرعهفتبرّأت منه عشائره
وبمن خلت منه أسرّتهوبمن خلت منه منابره
درست محاسن وجهه ونفىعنه السّرور كرى يباشره
أين الملوك وأين عزّهمصاروا مصيرا أنت صائره
يا مؤثر الدّنيا بلذّتهوالمستعدّ لمن يفاخره
نل ما بدا لك أن تنال من الدّنيا فإنّ الموت آخره
ثم قال: كأنّي والله أنا المخاطب بذلك دون النّاس. ولم يلبث بعد ذلك إلاّ قليلا حتى مات.
أبو حيّة النّميريّ:
وإن تمس وحشا داره فلربّماتناطح أفواجا بهنّ الرّكائب
وما غائب من كان يرجى إيابهولكنّه من ضمّن القبر غائب
وقيل: خرج عمر بن عبد العزيز مع جماعة من أصحابه، فمرّ بالمقبرة فقال: قفوا حتّى أرى قبور الأحبّة. فلمّا توسطها، وقف فسلّم، وتكلّم وانصرف إلى أصحابه، فقال: ألا تسألوني ماذا قلت، وماذا قيل لي؟ فقالوا: ماذا؟ فقال: مررت بقبور الأحبّة، فسلّمت فلم يردّوا، ودعوت فلم يجيبوا، فبينما أنا كذلك إذ نوديت: يا عمر، أتعرفني؟ أنا الذي غيّر محاسن وجوههم [أنا] التّراب، ومزّقت الأكفان عن جلودهم، وقطعت أيديهم، وابتتتّ [أكفهم] من سواعدهم. ثمّ بكى حتى كادت نفسه تطفأ. فو الله ما مضت الأيام حتّى لحق بهم.
أبو العتاهية:
وعظتك أجداث صمتوبكتك ساكنة خفت
وتكلّمت عن أعظمتبلى وعن صور سبت
وأرتك قبرك في القبور وأنت حيّ لم تمت
وحدّث الفضل بن الرّبيع قال: كنت مع المنصور في السّفرة
التي مات فيها، فنزل منزلا في بعض المواضع، فبعث إليّ وهو في قبته ووجهه إلى الحائط، فقال: ألم أنهكم [أن] تدعوا العامّة يدخلوا هذه المنازل فيكتبوا ما لا خير فيه؟ فقلت: وما هو يا أمير المؤمنين؟ فقال: ألا ترى ما على الحائط مكتوب:
أبا جعفر جاءت عليك ونقّصتسنوك وأمر الله لا بدّ نازل
أبا جعفر هل كاهن أو منجميردّ قضاء الله أم أنت جاهل
قال: فقلت: والله، ما أرى على الحائط شيئا، وإنّه لنقيّ أبيض. قال:
آلله؟ قلت: آلله. قال: والله إنّها نفسي نعيت إليّ، الرّحيل، بادر بي إلى حرم ربّي وأمنه هاربا من ذنوبي، وإسرافي على نفسي. فرحلنا وقد ثقل حتّى بلغنا بئر ميمون. فقلت: هذه بئر ميمون وقد دخلت الحرم. فقال: الحمد لله.
وقبض في يومه. رحمة الله عليه.
فهبك ملكت أهل الأرض طرّاودان لك العباد فكان ماذا
أليس تصير في لحد عميقويحثو التّرب هذا ثمّ هذا
وقيل: نزل بدير الخنافس أخوان من العراق، فمات أحدهما ودفن قريب الدّير، فقال أخوه لما سار عنه:
بجنبك يا دير الخنافس حفرةبها صاحب رحب الذّراع كريم
فكن حافظا حقّ الجوار فإنّنيغدا راحل عنه وأنت مقيم
وتوفّي ابن لعون بن عبد الله، فكتب له عمر بن عبد العزيز:
أمّا بعد، فإنّا أناس من أهل الآخرة أسكنّا الدّنيا، فنحن أموات وأبناء أموات، والعجب من ميت يعزّي عن ميّت.
وإذا قيل مات يوما فلانراعنا ذاك ساعة ما نحير
نذكر الموت عند ذاك وننساهـ إذا غيّبته [عنّا] القبور
وعزّى رجل عمر بن عبد العزيز لما مات ولده فقال:
تعزّ أمير المؤمنين فإنّهلما قد ترى يغذى الصّغير ويولد
هل ابنك إلاّ من سلالة آدملكلّ على حوض المنيّة مورد
وقيل: لما ثقل المأمون في غزوة الرّوم وبلغ الموت، قال:
أخرجوني أشرف على عسكري، وأنظر إلى رجالي، وأتبيّن ملكي. وذلك ليلا، فأخرج، وأشرف على الجيش وانتشاره وما قد أوقد من النّيران، فقال: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه. ثم ردّ إلى مرقده.
وأجلس المعتصم رجلا يلقّنه الشّهادة، فرفع الرّجل صوته؛ ليقولها المأمون.
فقال ابن ماسويه: لا تصح، فو الله ما يفرّق الآن بين ربّه وبين ماني.
ففتح المأمون عينيه وبهما من التّورّم والاحمرار ما بهما ما لم ير مثله، ورام
البطش بابن ماسويه فعجز، ورمى بطرفه إلى السّماء، وقد امتلأت عيناه دموعا، وانطلق لسانه، وقال: يا من لا يموت ارحم من يموت. ثمّ قضى من ساعته، وكان كثيرا ما ينشد هذه:
ومن لم يزل عرضا للمنون يتركنه ذات يوم عميدا
فإن هنّ أخطأنه مرّةفيوشك مخطئها أن يعودا
وبينا يحيد فيخطئنهقصدن فأعجلنه أن يحيدا
وقيل: سافر رجل وولد له في حاجة له، فمات الرّجل فدفنه ولده في بعض الطّرقات، ومضى لقضاء حاجته، فلمّا عاد مرّ بقبر أبيه فلم يعج عليه، فسمع هاتفا من جانب القبر يقول:
رأيتك تطوي الدّوم عمدا ولا ترىعليك لثاوي الدّوم أن تتكلما
وبالقبر ثاو لو ثويت مكانهومرّ بأهل الدّوم عاج فسلّما
وقيل: سار المأمون إلى أمّ الفضل بن سهل ليعزّيها عنه فبكت، فقال لها: لا تبكي عليه، ولا تجزعي لفقده؛ فإنّ الله قد أخلف عليك منّي ولدا يقوم مقامه. فقالت: يا أمير المؤمنين، حقّ لولد أكسبني ولدا مثلك أن يبكى عليه.
أطاقت يد الدّهر انتزاعك من يديولم يطق الموت انتزاعك من صدري
لأنك مخطوط المحاسن في الحشاكما أنت ممحوّ المحاسن في القبر
فلا وصل إلاّ بين جفنيّ والبكاولا هجر إلاّ بين قلبي والصّبر
صفية الباهليّة:
كنّا غصينين في جرثومة نمياحينا بأحسن ما ينمي له الشّجر
حتّى إذا قيل قد طالت فروعهماوطاب ظلاّهما واستنظر الثّمر
أخنى على واحدي ريب المنون ومايبقي الزّمان على شيء ولا يذر
كنّا كأنجم ليل بيننا قمريجلو الدّجى فهوى من بيننا القمر
وقيل: وقف سليمان بن عبد الملك ومعه يزيد بن المهلّب على امرأة عند قبر تبكي، فجاء سليمان، فرفعت البرقع عن وجهها فجلت شمسا عن متون غمامة، فوقفا متعجّبين، فقال لها يزيد: يا أمة الله، هل لك في أمير المؤمنين بعلا؟ فقالت وهي تنظر إلى القبر:
فإن تسألاني عن هواي فإنهبحوماء هذا القبر يا فتيان
وإني لأستحييه والتّرب بينناكما كنت استحييه وهو يراني
وقيل: لما دفن سليمان بن عبد الملك سمع بعض كتّابه وهو يقول:
وما سالم عمّا قليل بسالموإن كثرت أحراسه وكتائبه
[ومن يك ذا باب شديد ومنعةفعمّا قليل يهجر الباب حاجبه]
ويصبح بعد الحجب للنّاس مبغضارهينة بيت لم تسرّ جوانبه
فما كان إلاّ الدّفن حتّى تفرّقتإلى غيره أجناده وكتائبه
وأصبح مسرورا به كلّ كاشحوأسلمه أحبابه وأقاربه
بنفسك فاكسبها السّعادة جاهدافكلّ امرئ رهن بما هو كاسبه
وقال علي بن يقطين: كنت مع المهدي بماسبذان، فقال لي يوما: أصبحت جائعا فأتني بأرغفة ولحم بارد. ففعلت، ثم دخل البهو فنام ونمنا في الرّواق، فانتبهنا لبكائه، وبادرنا إليه مسرعين، فقال: أما رأيتم ما رأيت؟ وقف عليّ رجل لو أنّه في ألف رجل ما خفي عليّ صوته ولا صورته
فقال:
كأنّي بهذا القصر قد باد ملكهوأوحش منه ربعه ومنازله
وصار عميد الملك من بعد بهجةوملك إلى قبر عليه جنادله
ولم يبق إلاّ ذكره وحديثهتنادي عليه معولات حلائله
فما أتت على المهدي بعد رؤياه هذه إلاّ عشرة أيام حتى مات.
أبو العتاهية:
ألا يا موت لم أر منك بدّاأبيت فلا تحيف ولا تحابي
كأنّك قد هجمت على مشيبيكما هجم المشيب على شبابي
ابن الرّومي:
رأيت الدّهر يجرح ثمّ يأسويعرّض أن يسلّي أو ينسّي
أبت نفسي الهلوع لفقد شيءكفى رزءا لنفسي فقد نفسي
وقيل: لمّا تأتّى الملك للمأمون كان يقول: هذا الملك لولا أنّ بعده الهلك، وهذا سرور لولا أنّ بعده غرور، وهذا يوم لو كان يؤمن غده.
محمد بن بشر:
ويل لمن لم يرحم اللهومن تكون النّار مثواه
يا حسرتي [في] كلّ يوم مضىيذكرني الموت وأنساه
من طال في الدّنيا به عمرهوعاش فالموت قصاراه
وقيل لما مات أبو فراس بن حمدان أنشد عند موته يقول:
أبنيّتي لا تجزعيكلّ الأنام إلى ذهاب
أبنيّتي صبر جميل للجزيل من المصاب
نوحي عليّ وعدديمن خلف سترك والحجاب
قولي إذا ناديتنيفعييت عن ردّ الجواب
زين الشّباب أبو فراس لم يمتّع بالشّباب
وقيل: اجتمع ذات يوم عند الواثق جماعة من الفلاسفة والمتطبّبين وغيرهم، فجرى بحضرته أنواع من العلوم من الطّبيعيّات، وما بعد ذلك من الإلهيات، وأطالوا الكلام في كلّ فنّ، فقطع الواثق عليهم الكلام وأجاز سائر
من حضره منهم، ثمّ أمر الجميع أن يتكلّموا في الزّهد في هذا العالم الذي هو عالم الدّثور والفناء والغرور، فذكر كلّ واحد منهم ما سنح له من الأخبار عن الفلاسفة والمتقدّمين والحكماء اليونانيين كسقراط وذوجانس، فقال الواثق: قد أكثرتم فيما ذكرتم، وأحسنتم الحكاية فيما وصفتم، فليخبرني مخبر منكم ما أحسن ما سمع من كلام الذين حضروا وفاة الإسكندر لما جعل في تابوت الذّهب؟ فقال بعض من حضره: كلّ يا أمير المؤمنين حسن فيما ذكره، وأحسن ما نطق به من حضر ذلك المشهد من الحكماء ذوجانس، وقد قيل إنّه لبعض حكماء الهند فقال: إنّ الإسكندر أمس أنطق منه اليوم، وإنّه اليوم أوعظ منه أمس.
وقد أخذ هذا أبو العتاهية فقال:
كفى حزنا بدفنك ثمّ إنّينفضت تراب قبرك من يديّا
وكانت في حياتك لي عظاتفأنت اليوم أوعظ منك حيّا
فاشتدّ بكاء الواثق، وعلا نحيبه، وبكى من حضره، ثمّ قام من فوره وأنشد:
لصروف الدّهر في تغييرهخطّة فيها ارتفاع وانحدار
بينما النّاس على عليائهاإذ هووا في حطّة منها فغاروا
إنّما متعة قوم ساعةوحياة المرء ثوب مستعار
وقيل: إنّ الرّشيد كان يتمثّل عند مرضه بهذه الأبيات:
إنّ الطّبيب بطبّه ودوائهلا يستطيع دفاع مكروه أتى
ما للطّبيب يموت بالداء الذيقد كان يبرىء مثله فيما مضى
وقيل: كان نجدة بن الأسود موصوفا بالحسن في خلقه وخلقه وفعله، فمات فأقبلت زوجته دلفاء، وألقت نفسها على قبره وقالت:
سئمت حياتي يوم فارقت نجدةورحت ودمع العين منهلّ هامله
وقال نساء الحيّ قد مات قبلهرجال فلم تهتك عليه حلائله
صدقتم لقد مات الرّجال وما أرىلنجدة في أضرابهم من يعادله
فتى لم يضق عن جسمه لحد قبرهولم تسع الأرض الفضاء فضائله
وزارته بعد مدّة فأكبّت على قبره، وقالت منشدة:
يا قبر نجدة لم أهجرك قاليةولا قطعتك من صبر ولا جلد
لكن بكيتك حتّى لم أجد مددامن الدّموع ولا عونا على الكمد
وأيئستني جفوني من مدامعهافقلت للعين فيضي من دم الكبد
ولم أزل بدم أبكيك جاهدةحتّى بقيت بلا روح ولا جسد
والله يعلم لولا الله ما رضيتروحي بذاك سوى قتلي لها بيدي
وكتب بعض الفضلاء عند وفاة بعض الأكابر: كان منزله مألف الأضياف، ومأنس الأشراف، ومنتجع الرّاكب، ومقصد الوافد، فاستبدل بالأنس وحشة، وبالنّضارة عبرة، وبالضّياء ظلمة، واعتاض من تزاحم الملوك تلادم المآتم، ومن ضجيج النّداء والصّهيل عجيج البكاء والعويل.
سأبكيك ما فاضت دموعي وإن تغضفحسبك منّي ما تجنّ الجوانح
لئن حسنت فيك المراثي وذكرهالقد حسنت من قبل فيك المدائح
ويحكى عن فاطمة الزّهراء كرّمها الله تعالى أنّها قالت ترثي رسول الله ﷺ:
كنت السّواد لناظريفبكى عليك النّاظر
من شاء بعدك فليمتفعليك كنت أحاذر
وقالت أيضا:
ماذا على مشتمّ تربة أحمدألاّ يشمّ مدى الزّمان غواليا
صبّت عليّ مصائب لو أنّهاصبّت على الأيام صرن لياليا
علي بن أبي طالب:
أين الألى جمعوا الأموال واحتشدوافي الجمع لا عدد أغنى ولا عدد
شادوا وقادوا وذادوا عن حريمهمحتّى إذا اخترموا لم يحمهم أحد
كانوا مصابيح للأبصار تتّقدحتّى إذا ما انتهت أعمارهم خمدوا
فلا ترى لهم عين ولا أثرسرعان ما وجدوا سرعان ما فقدوا
يا ويح للموت لا يبقي على أحدلا والد منه ينجو له، ولا ولد
كأنّه أسد ضار على رصدوكلّهم نشبا أظفاره تقد
هوّن عليك فكلّ للهوى رصديبلى ويفنى ويبقى الواحد الصّمد
وقيل: وقف سليمان بن عبد الملك على قبر ولده أيوب، فقال: اللهمّ، إنّي أرجوك له، وأخافك عليه فحقّق رجائي وآمن خوفي.
الخنساء:
ألا يا صخر لا أنساك حتّىأفارق مهجتي وأزور رمسي
يذكّرني طلوع الشّمس صخراوأذكره بكلّ غروب شمس
ولولا كثرة الباكين حوليعلى إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكنأعزّي النّفس عنه بالتّأسّي
الحنظلي:
لكلّ جديد لذّة غير أنّنيرأيت جديد الموت غير لذيذ
قيل إنّ الرّئيس أبا عليّ بن سينا لما حضرته الوفاة قال له صهره أبو عليّ القرموي الصّوفي: اذكر ربّك. ففتح عينيه وقال: يا أبا علي، ومتى خلا قلبي من ذكر ربّي طرفة عين؟! ائتوني بسماع: أوتار وشبّابة. فاستدعوا لذلك، فقال: شدّوا طبقة لطيفة معتدلة وغنّوا بهذه الأبيات إلى أن تفارق روحي جسدي. وهي هذه:
هبت نسيم وصالكم سحرابحدائق للشّوق في قلبي
فاهتزّ غصن الوصل من طربوتناثرت درر من الحبّ
وغدت خيول الهجر شاردةمطرودة بعساكر القرب
وبدت شموس الوصل خارقةبشعاعها لسرادق الحجب
وبقيت لا شيئا أشاهدهإلاّ أقول بأنّه ربّي
فغنّوه وهو ملقى بين أيديهم، وروحه تشرئبّ إلى مفارقة جسده، ثم أصرف أولاده ومن يصبو قلبه إليه، وبقي عنده صهره أبو عليّ فلمّا فارقت روحه جسده، قال عند ذلك: ربّ توفّني مؤمنا وألحقني بالصّالحين.
ومات من وقته مقدّس الرّوح مطهرا.
[يا] رحم الله إخوانا لنا ذهبواأفناهم حدثان الدهر والأبد
نمدّهم كلّ يوم من بقيّتناولا يؤوب إلينا منهم أحد
وقيل: قدم إلى ميّافارقين رجل متصرّف من بغداد في أيام ناصر الدّولة ابن مروان ليتصرّف بها فمات ودفن ظاهر ميّافارقين. فرأى ناصر الدولة في منامه كأنّ ذلك الميت قائم في قبره، ويشير إليه:
أبا الحسن بن الفضل يممت نحوكمطلوبا لصفو العيش لمّا تكدّرا
أردت ثراء المال لما عدمتهولم أدر أنّي قد نقلت إلى الثّرى
فلا يغترر بالعيش بعدي شامتفإنّ مصير الشّامتين كما ترى
وقيل: لما مات عاصم بن عمر جزع عليه عبد الله جزعا شديدا وقال منشدا:
فإن يك أحزان وفائض عبرةأثرن دما من داخل الجوف منقعا
تجرّعتها من عاصم واحتسيتهالأعظم منها ما احتسى وتجرّعا
فليت المنايا كنّ خلّفن عاصمافعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا
وقال المنصور للرّبيع: يا ربيع، ما أطيب الدّنيا لولا الموت! فقال الرّبيع: يا أمير المؤمنين، ما طابت الدّنيا إلاّ بالموت. قال: وكيف ذلك؟ قال: لولا الموت لم تقعد في هذا الموضع الذي أنت فيه. قال:
صدقت.
لقد أفسد الموت الحياة وقد أتىعلى يومه علق إليّ حبيب
أتى دون حلو العيش حتى أمرّهنكوب على أثارهنّ نكوب
وقيل لما احتضر معاذ بن جبل رئي وقد دمعت عيناه، فقيل له: لم تبكي وقد حضرك من الله ما ترى؟ فقال: أمّا أنا فلا أبكي أسفا على دنياكم هذه، ولكنّي أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام الليل، وعلى مهبط طريق
ما أدري إلى جنّة أم إلى نار.
وذكر أنّ بعض الصّالحين مات له ابن فلم ير به جزع عليه. فقيل له في ذلك. فقال: هذا أمر كنّا نتوقّعه فلما وقع لم ننكره.
خويلد بن خالد الهذلي:
أودى بنيّ وأعقبوني حسرةبعد الرّقاد وعبرة ما تقلع
سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهمفتخرّموا ولكلّ جنب مصرع
وإذا المنيّة أنشبت أظفارهاألفيت كلّ تميمة لا تنفع
وتجلّدي للشّامتين أريهمأنّي لريب الدّهر لا أتضعضع
وقيل إنّ إبراهيم بن عبد الملك بكى في مرضه الذي مات فيه، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: قلّة الزّاد، وبعد السّفر، وصعود عقبة لا أدري هبطتي منها إلى جنّة أم إلى نار.
ومات صديق للمبرّد فلم يمل سنة إلاّ المراثي والتّعازي،
ثم ختم كتابه بعد سنة بقول الشّاعر:
إلى الحول ثم اسم السّلام عليكماومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
الخنساء:
وما كرّ إلاّ كان أوّل طاعنوما أبصرته الخيل إلاّ اقشعرّت
فيدرك ثأرا وهو لم تخطه القنافمثل أخي يوما به العين قرّت
ولست أرزّى بعده برزيّةفأذكره إلاّ سلت وتجلّت
وقال عبد العزيز بن مسلم العقيلي: مررت بقبر أبي محجن بأرمينية تحت شجرات من كرم، فذكرت أبياته، وعجبت من الاتفاق في
قوله:
إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمةتروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفننّي في الفلاة فإنّنيأخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها
ومات ابن لابن عبّاس في سفر، فأنشد يرثيه:
حانت منيّته بتثوى غربةوالميت ثاو حيث حلّ غريب
وقال الخريمي:
يذكّرني شمس الضّحى نور وجههفلي لحظات نحوها حين تطلع
ولو شئت أن أبكي دما لبكيتهعليه ولكن ساحة الصّبر أوسع
وإنّي وإن أظهرت منّي جلادةوصانعت أعدائي عليك لموجع
ملكت دموع العين حين رددتهاإلى ناظري إذ أعين القلب تدمع
وأعددته ذخرا لكلّ كريهةوسهم المنايا بالذّخائر مولع
وقيل: مرّت الخنساء على هند بنت عتبة بن شيبة وهي تنشد مراثي في أهل بيتها، فقالت لها: على ما تبكين؟ قالت: أبكي سادات مضر. قالت: فأنشديني بعض ما قلت. فقالت:
أبكي عمود الأبطحين كليهماومانعها من كلّ باغ يريدها
أبي عتبة الفيّاض ويحك فاعلميوشيبة والحامي الدّيار وليدها
أولئك أهل العزّ من آل غالبوللحرب يوم حين عدّ عديدها
فقالت الخنساء: مرعى ولا كالسّعدان، وأنشدت تقول:
أبكّي أبي عمرا بعين غزيرةقليل إذا تغفى العيون رقودها
وصخرا ومن من مثل صخر إذا بداتساميه الأبطال قبّا يقودها
وحدّث أبو البراء ثمامة بن الوضين قال: رأيت باليمامة جارية تبكي عند قبر وتقول:
كفى حزنا أنّي أروح بحسرةوأغدو على قبر ومن فيه لا يدري
فيا نفس شقّي جيب عمرك بعدهولا تبخلي بالله يا نفس بالعمر
فما كان يأبى أن يجود بنفسهليفديني لو كنت صاحبة القبر
فسألتها عنه، فقالت: رفيقته منذ ثلاثين سنة، والله، لأبكينّه أو تلحق
نفسي به.
وقيل إنّ ليلى الأخيليّة مرّت في ركب بقبر توبة بن الحميّر فلم تقف عليه، فقيل لها: والله، ما وفيت له، هلاّ وقفت وسلّمت. فقالت:
كرهت أن لا يردّ سلامي فأكذبه حيث يقول:
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمتعليّ ودوني تربة وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقاإليها صدى من جانب القبر صائح
أبو الغطريف:
قد زرت قبرك يا عليّ مسلّماولك الزّيارة من أقلّ الواجب
ولو استطعت حملت عنك ترابهفلطالما عنّي حملت نوائبي
ودمي فلو أنّي علمت بأنّهيروي ثراك سقاه صوب الصّائب
لسفكته أسفا عليك وحسرةوجعلت ذاك مكان دمعي السّاكب
وحدّث عبد الله بن سكّين قال: رأيت جارية بصحار تبكي عند قبر، وتقول:
يا قريب المدى بعيد المآببأبي أنت يا سليب الشّباب
لم تدع وجهك المنيّة حتّىوهبت حسنه قبيح التّراب
قيل: ماتت جارية للرّشيد كان مشغوفا بها، فقال للعبّاس:
ارثها، فإنّها اختلست من يدي. فقال: علّمني يا أمير المؤمنين، كيف أقول فيها. فقال:
اختلست ريحانتي من يديأبكي عليها آخر المسند
كانت هي الأنس إذا استوحشتنفسي من الأقرب والأبعد
وروضة لي لم تزل مرتعيومنهلا كان به موردي
كانت يدي كانت بها قوّتيفاختلس الدّهر يدي من يدي
وقال الرّقاشي وقد انتهى إليه موت جعفر بن يحيى البرمكي:
الآن استرحنا واستراح ركابناوأمسك من يحدي ومن كان يحتدي
فقل للمطايا قد أمنت من السّرىوطيّ الفيافي فدفدا بعد فدفد
وقل للعطايا بعد فضل تبدّديوقل للرّزايا كلّ يوم تجدّدي
وقل للمنايا قد ظفرت بجعفرولن تظفري من بعده بمسوّد
وذكر المبرّد: أنّ يعقوب بن الرّبيع أحبّ جارية، فطلبها سبع سنين، وبذل فيها جاهه وماله وإخوانه حتّى ملكها، فأقامت عنده ستّة أشهر ثم ماتت، فقال فيها أشعارا كثيرة، ولم يزل يرثيها حتّى مات.
وذكر الصّولي أنّه أعطي فيها مئة ألف دينار [فلم يبعها]، ومن أحسن ما قال فيها:
رأيت ثياب النّاس في كلّ مأتمإذا اختلفوا زرق الثّياب وسودها
وإنّي على ملك لبست ملاءةمن الحزن لا يبلي الزّمان جديدها
وله فيها:
يا ملك إن كنت تحت الأرض باليةفإنّني فوقها بال من الحزن
يا ملك لم تجدي مسّ البلى ولقدوجدت مسّ البلى والضّرّ في بدني
وعن [ابن] أبي فنن قال: لم يقل في وصف ميّت أحسن من قول يعقوب بن الرّبيع يصف جاريته عند موتها:
ظلّت تكلّمني كلاما مطمعالم أسترب منه بشيء مؤيس
حتّى إذا فتر اللّسان وأصبحتللموت قد ذبلت ذبول النّرجس
وتسهّلت منها محاسن وجههاوعلا الأنين تحثّه بتنفّس
رجع اليقين مطامعي يأسا كمارجع اليقين مطامع المتلمّس
وقيل: إنّ أبا المعالي بن عبد القاهر بن المنذر شرع في عمارة دار واهتمّ بها، فلما تمّ بناؤها مرض ومات، وعمل هذين البيتين عند موته بعد ما أوصى أن يدفن في الدّار:
لهفي على غصن شباب ذوتأوراقه من أوّل العرس
ومنزل أمّلت عمرانهأصبح في جانبه رمسي
ومات ولد لشيخ من بني أسد فاشتدّ جزعه عليه، فقيل له:
اصبر؛ فإنّه فرط أفرطته، وخير قدّمته، وذخر أحرزته. فقال مجيبا: ولد
دفنته، وثكل تعجّلته، وغيب وعدته، والله، إن لم أجزع من النّقص لم أفرح بالمزيد.
وقال العتبي يذكر ولدا له مات:
أضحت بخدّي للدّموع رسومأسفا عليك وفي الفؤاد كلوم
والصّبر يحمد في المصائب كلّهاإلاّ عليك فإنّه مذموم
وأنشد سليمان بن عبد الملك عند وفاة بعض ولده:
إذا ما دعوت الصّبر بعدك والبكاأجاب البكا طوعا ولم يجب الصّبر
فإن ينقطع منك الرّجاء فإنّهسيبقى عليك الحزن ما بقي الدّهر
وقيل لأعرابيّ مات أخوه: ما سبب موته؟ قال: كونه.
وقيل لفيلسوف: من الذي لا عيب فيه؟ قال: الذي لا يموت.
إذا نحن زرنا قبره ودموعنايكاثرها أفضاله وفضائله
لزمنا له حكم الوقار كأنّماتلوح لنا تحت التّراب شمائله
ومات ابن لعبيد الله بن الحسن فعزّاه صالح المرّي فقال:
إن كانت مصيبتك في ابنك أحدثت لك عظة في نفسك فنعم المصيبة مصيبتك، وإن لم تكن أحدثت لك عظة في نفسك، فمصيبتك في نفسك أعظم من المصيبة في ميّتك.
وقالوا رزقت الأجر يوم مصابهفقلت لهم: يا ليتني فاتني الأجر
أأبغي ثوابا في الّذي كلّ كربةلها من معاليه إذا أظلمت فجر
وعزّى سهل بن هارون لرجل فقال: مصيبة في غيرك لك أجرها خير من مصيبة فيك لغيرك ثوابها.
وعزّى رجل أخاه عن ابن له فقال: ذهب أبوك وهو أصلك، وذهب ابنك وهو فرعك، فما حال الباقي بعد ذهاب أصله وفرعه؟
لكلّ أناس مقبر بفنائهمفهم ينقصون والقبور تزيد
وما إن تزال الدّار منهم قد اقفرتوقبر لميت بالفناء جديد
هم جيرة الأحياء أمّا مزارهمفدان وأمّا الملتقى فبعيد
ولو كان في الدّنيا خلود لواحدلكان رسول الله فيها المخلّدا
ومن ذا الّذي يبقى من الدّين سالماوسهم المنايا قد أصاب محمّدا
وقيل لأعرابية مات ولدها: ما أحسن عزاءك! فقالت: إنّ فقدي إيّاه أمّنني المصائب بعده، وفي ذلك يقول الشاعر:
وكنت عليه أحذر الموت وحدهفلم يبق لي شيء عليه أحاذر
وقال آخر:
عش ما بدا لك أن تعيش فإنّماطرف الحياة من الممات قريب
وقيل: دخلت الخنساء على عائشة وعليها صدار من شعر وقد وضعت خمارها، فقالت لها عائشة: ألم ينه النّبيّ ﷺ عن لبس الصّدار ووضع
الخمار؟! فقالت: بلى، ولكنّ زوجي قامر فقمر فأتيت أخي صخرا، فشاطرني ماله، وأتيت به زوجي، فقامر ثم قمر، فأتيت أخي صخرا فشاطرني ماله، فأتيت به زوجي، فقامر فقمر، فعدت إلى أخي فشاطرني ماله، فقالت له زوجته، أكلّ هذا تفعله مع هذه؟. فقال: نعم،
لو فقدتني وضعت خمارهاواتخذت من شعر صدّارها
فلمّا فقدته وضعت الخمار، ولبست الصّدار.
وقال الأصمعيّ: حضر بعض العرب الموت فرأى جزع أخيه عليه، فقال له: هوّن عليك يا أخي، فيوشك أن تحدّث عنّي وأنت تضحك.
وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكىمن الأجر لي فيه وإن سرّني الأجر
وأجزع أن ينأى به بين ليلةفكيف ببين صار موعده الحشر
ولأعرابيّ:
وما نحن إلاّ مثلهم غير أنّناأقمنا قليلا بعدهم وتقدّموا
أبو نواس:
سبقونا إلى الرّحيــل وإنّا على الأثر
وقيل: دخل عمر بن ذرّ على ابنه ذرّ وهو يجود بنفسه، فقال:
يا بنيّ، إنّه ما علينا غضاضة، ولا بنا إلى أحد سوى الله حاجة، فلمّا قضى وواراه، وقف على قبره، وقال: يا ذرّ، إنّه قد شغلنا الحزن لك على الحزن عليك، لأنّا لا ندري ما قلت ولا ما قيل لك، اللهمّ إني قد وهبت له ما قصّر فيه بما افترضته عليه من حقّي، فهب له ما قصّر فيه من حقّك، واجعل ثوابي عليه له، وهب لي من فضلك، إنّي إليك من الرّاغبين.
وقال آخر لابنه:
ومن عجب أن بتّ مستشعر الثّرىوبتّ بما زوّدتني متمتعا
ولو أنّني أنصفتك الودّ لم أقمخلافك حتى ننطوي في الثّرى معا
وذكر المسعوديّ قال: رأيت ببلاد سرنديب-وهي جزيرة من جزائر البحر-إذا مات ملكهم صيّر على عجلة قريبة من الأرض صغيرة البكر معدّة لهذا المعنى وشعرته تنجرّ على الأرض، وامرأة بيدها مكنسة تحثو التّراب بها على رأسه، وتنادي بأعلى صوتها: يا أيّها النّاس هذا ملككم،
[بالأمس قد ملككم] وجاز فيكم أمره ونهيه، وقد صار إلى ما ترون، وقبض روحه ملك الملوك الحيّ الذي لا يموت، فلا تغترّوا بعده بالحياة؛ فالحياة في هذه الدّنيا متاع الغرور.
وقال أبو الحسن المدائني: حدّثني عمرو بن مسعدة قال:
قال لي المأمون يوما: ألا أفيدك مصون الرّوم واليونانية من الحكمة؟ قلت:
بلى يا أمير المؤمنين. قال: إنّي قرأت في صحف من كتبهم أنّ الإسكندر لمّا مرض مرضه الذي مات فيه أرسل إلى أرسطاطاليس وكان معلمه الذي يصدر عن رأيه، ويعرف علمه وحقّ فضله، فقال له: أيّها الحكيم المؤتمن، خفف عن الطبيعة ما عليها من الثقل بكتاب تكتبه إلى الشّفيقة والدتي أرفية تحضّها فيه على الصّبر، وتذكّرها فيه بمن سلف من الملوك خلّفوا ما خلّفت، وصرت إلى عرصاتهم وميدان حلبتهم، قد انقطعت أخبارهم، ودرست آثارهم، فعادت الحركة سكونا، والأجسام همودا، والأرواح خفوتا؛ واقرأه
عليّ قبل موتي.
فكتب أرسطاطاليس كتابا هذه نسخته: من الإسكندر رفيق أهل الأرض بجسده قليلا، ورفيق أهل السّماء بروحه كثيرا إلى والدته أرفية الصّفيّة والحبيبة التي تحبّ التّمتّع بولدها في دار الغرّ الغرور، وتزهد في مجاورته غدا في دار النّشور. يا ذات الحلم الرّاجح، أسألك من قربي من قلبك أن تستمعي لقراءة كتابي هذا وتتفهّميه وترفعي نفسك عن شبه النّساء وضعفهنّ في الرّقة، كما لم يكن ابنك يرضى بشبه الرّجال في كثير من أمورهم، وانظري وتأمّلي في جميع ما أحاط به العالم. هل رأيت لشيء قرارا ثابتا، أو حالا دائما؟ ألم تري أنّ الشّجرة كيف تهتزّ أغصانها، وتخرج ثمارها وتلتفّ ورقها، ثم إن يلبث أن ينهشم الغصن، ويتساقط الثّمر، ويتناثر الورق. أو لم ترى إلى النّهار المضيء النيّر البهي كيف تخلفه الظّلمة في مكانه؟، أو لم تري القمر أبهى ما يكون ليلة البدر يكسفه الكسوف فيذهب بنوره فيظلم ما ظهر من نوره وبهجته وحسنه، أو لم تري الكواكب الزّاهرة كيف يغشاها الطّموس فيخمد نورها؟ أو لم تري إلى شهب النّيران المتوقّدة ما أسرع ما يخبو ضوءها ولهبها؟ بل انظري إلى الماء العذب ما أسرع جريته إلى البحار المالحة التي تحوله إلى طبيعتها ومرارة ذوقها؟ وإلى هذا الخلق العجيب الذي ينافس في
الدنيا، ويحرص على عمارة ما يخلق آخره، ويدرس أثره؛ قد امتلأت به الآفاق، وشغلت به الأمكنة، وقد مالت إليه الحواس بكلّيتها فرجعت عن إدراكه كالّة حائرة. وإنهما شيئان اثنان شيء يولد فينمو وشيء ينبت فينمو وكلاهما مقرون به الهلاك. أو لم يبلغك أنه قيل لهذا الدار حين بنيت:
يا والدة الموتى، ومرتجعة العطيّة، وناقضة كلّ مبروم، أو لم تري كلّ مخلوق يجري على ما ليس يدري؟ وأنّ كلّ مستقرّ منهم غير راض باستقراره، أم هل رأيتم معطيا لا يأخذ، ومقرضا لا يتقاضى، ومستودعا لا يردّ وديعته؟ ولئن يكن أحد حقيقا بالبكاء فلتبك السّماء على نجومها، ولتبك البحار على حيتانها، وليبك الجو على أجناس الطير المختلفة في الهواء، ولتبك الأرض على سكّانها، وليبك الإنسان على نفسه التي تموت في كلّ ساعة ولحظة وطرفة، وأجلها يطلبها، بل علام يبكي الباكي؟ لفقد من فقد من قبل أن يفارقه فأتاه ما لم يكن يحسب، وتوقّع ما لم يكن يحذر؛ فيحدث له البكاء والحزن. يا أمّاه، إنّ الموت والفناء لا يبقيان العزيز، ولا يتركان الذّليل.
وقد عرفت سبيل المنهج والطّريق الواضح الذي ما عنه معدل، بل إليه كلّ يصير، ولا يتعبنّك الحزن والبكاء من بعدي؛ فإنّك لم تكوني جاهلة بأنّي من الذين يموتون. وقد كتبت كتابي هذا أرجو أن تتعزّي به وأن يحسن منك موقعه، فلا تخلفي ظنّي، ولا تحزني روحي، فإنّي قد علمت يقينا أنّ الذي أذهب إليه خير من المكان الذي كنت فيه، وأكرم وأطهر وأحسن من الحزن والنّصب والهمّ والألم، فاغتبطي بمذهبي واستعدّي للقائي.
يا أمّاه أرفية، اذكري أنّ ذكري قد انقطع عن أهل الدنيا بما كنت أذكر من عزّ سلطاني وملكي فاجعلي لي من بعد ذكري صبرك على عظيم ما نزل بك من
فقد ولدك.
يا أماه، المقام في هذه الدار قليل زائل والمقام في دار الأبد دائم.
فلما مات الإسكندر جعل جسده في تابوت من ذهب، وحمل إلى الإسكندرية إلى دار الملك، وجعل التابوت في وسط إيوانه الذي كان يجلس فيه على السّرير، وقيل لحكماء اليونانية والعظماء: ادنوا منه، وأحد قوا به، وتكلّموا على هذا الجسد السّاكن.
فقال فلليمون الحكيم: هذا يوم عظيم العبر أقبل من شرّه ما كان مدبرا، وأدبر من خيره ما كان مقبلا. فمن كان باكيا على زوال ملكه فليبك.
وقال ميلاطوس الحكيم الأول: أيّها السّاعي المغتصب، ما خانك عند الاجتماع وودعك عند الاحتياج، فلا قرابة يزورك، ولا وزير يتفقّدك.
وقال الحكيم الثاني: هذا الإسكندر قد ذهب زهرة بهجته كما أذهب الشّعاع من الشّمس نور النبات.
وقال الحكيم الثالث: هذا الإسكندر صاحب الأسرى قد أصبح أسيرا.
وقال الرّابع: انظروا إلى حلم النائم كيف انقضى، وإلى ظلّ الغمام كيف انجلى؟.
وقال الخامس: قد كان هذا الشّخص يسأل عمّا قبله وما يسأل عمّا بعده.
وقال السّادس: هذا الجسد صدر وهو ناطق، وورد وهو صامت.
قال السّابع: ما كان آمن هذا الجسد لما يستبقيه، وأشدّ حفظه لما يستودعه.
قال الثامن: ما أرغبنا فيما فارقت، وأغفلنا عمّا عاينت.
قال التّاسع: ما أبعد شبه مكانك الذي أنت فيه اليوم، من مكانك الذي كنت فيه أمس.
قال العاشر: لم يقض هذا نهمته من الدّنيا حتى قضت نهمتها منه.
قال الحادي عشر: أما ترون أيّها الحكماء إلى هذا الجسد كيف حرّكنا بسكونه.
قال الثاني عشر: يا عظيم الشأن اضمحلّ سلطانك كما اضمحلّ السّحاب، وعفت آثار ملكك كما عفت آثار الرّباب.
وقال آخر: [أيّها] الشّخص، باد عرف طيبك كما باد الهبوب، وصرت منها خلوا كالأسير المحجوب.
وقال آخر: أيّها السّاعي المغتصب، جمعت ما خذلك وولّى عنك، ولزمتك أوزاره وعاد على غيرك هناؤه.
وقال آخر: إنّ الآمر في الذّهب قد ساوى الذّهب، فهل ترجو أن ينفذ لك بعد أمرك أمر؟.
وقال آخر: يا من طالت عليه الأرض طولا، ليت شعري كيف حالك فيما احتوى عليك منها؟.
وقال آخر: لا تعجبوا ممن لم يعظنا فصار موته لنا واعظا.
وقال آخر: اعجبوا لمن كان هذا سبيله كيف شرهت نفسه لجمع الحطام الهامد، والهشيم البائد.
وقال آخر: أيّها الجمع الحافل والملتقى الفاضل، لا ترغبوا فيما لا يدوم سروره، وينقطع لذيذه؛ فقد بان لكم الصّلاح والرّشاد من الغي والفساد.
وقال آخر: قد كنّا أيّها الشّخص بالأمس نراك تقدر على الاستماع والقول، فهل تسمع منّا ما نقول؟
وقال آخر: هذا كان يعطي اليسير ممّا جمع، ليحمد، فقد خلّفه الآن على من لا يشكره.
وقال آخر: قتل هذا الشّخص خلقا لئّلا يموت، ومات كيف لم يدفع الموت عن نفسه؟.
وقال آخر: يا من كان غضبه الموت، هلاّ غضبت على الموت؟
وقال آخر: قد كان فيه صمم عن الحقّ وهو حيّ، كيف بصممه الآن وقد مات؟
وقال آخر: لو منعوا هذا الشّخص مما سفك من الدّماء لجمع الذهب، لكانوا قد أصابوا به من الحكمة.
وقال آخر: لم يؤدّبنا الإسكندر بكلامه مثل ما أدّبنا بنفسه.
وقال الآخر: لو عرف هذا الشّخص ضعفه بالأمس كان اليوم مغبوطا.
وقال آخر: إن هذا جمع الذّهب فلم ينفعه حيّا، فمات فلم ينفعه الآن وهو ميّت.
وقال آخر: من رأى هذا الشّخص اليوم فليقنع ويمسك عن طلب الرّغائب؛ فإنّ عاجلها قاتلة وآجلها مهلكة.
وقال آخر: يا من كان بالأمس تزهو النّفوس بالدنوّ منه، صرت اليوم يعاف القرب منك.
وقال آخر: يا من فارق الظّالمين جهرا، أتزوّدت ما يبلّغك إلى الصّالحين سرّا؟.
وقال آخر: يا من كانت الأعين له خاضعة، والألسن منه ساكنة، من الذي جرّأها فاجترأت؟
وقال آخر: من رأى هذا الشّخص، فليثق وليعلم أنّ الذّنوب هكذا يكون قضاؤها.
وقال آخر: قد كان بالأمس طلعته إلينا حياة، فاليوم النّظر إليه سقم.
وقال آخر: لو عني هذا الشّخص بعلم ما يكون بعده كسؤاله عمّا كان قبله لقلّل من سعيه.
وقال آخر: قل للإسكندر: الآن يسدي إليك كلّ امرئ مما أوليت نصيبا.
وقال آخر: هذا وقت ذهب عنك السّرار وبرز فيه الجهار، إن كنت تسمع.
وقال آخر: أحسن بالإسكندر لو استعمل بعض هذا الحلم والصّمت في
حياته.
وقال آخر: هذا المتعظّم الذي لم تسعه المدن العظام قد طوي في ذراعين من الأرض.
وقال آخر: لا يعظم عندكم من يعلّم غيره، لكنّ العظيم من يعلّم نفسه.
وقال الآخر: ما أزهد النّاس أيّها الملك فيك، وأرغبهم في تابوتك.
وقال آخر: من اشتدّ جوعه وحرصه على الارتفاع، كذلك عظمت صرعته.
وقال آخر: لو تيقّن حاله في هذا اليوم، لتواضع للنّاس بالأمس عن قدرة.
وقال آخر: صدر عنّا الإسكندر ناطقا، وقدم صامتا.
وقال آخر: هذه سفرة ما سافر الإسكندر مثلها بلا زاد ولا أعوان.
وقال آخر: لو علم أنّه يزول ملكه، لكان للحكماء أطوع.
وقال آخر: لو كان ذكيّا في حياته لكان مفلحا في موته.
وقال آخر: لو علم أنّه يقبر لم ينصب نفسه لجميع ما تخلّف عنه.
وقال آخر: إن كان قد أسف على حركته الآن فطالما تمنّي له السّكون.
وقال آخر: خافتك حضرتك أيّها الشخص، وأمنت الحضور خائفتك.
وقال آخر: ليس العجب من غروب الشّمس، العجب من شروقها.
وقال آخر: ما أصدق الموت لأهله، غير أنّهم يكذبون أنفسهم ويصمّون آذانهم.
وقال آخر: إن كان لا يبكى إلاّ عند جدّته، فالموت في كلّ يوم جديد.
وقال آخر: زالت الأمور عنك، وانقطعت منك، وأقبلت المكاره عليك إن كنت لا تعلم.
وقال آخر: لئن كنت أمس رفيعا مغبوطا، لقد أصبحت اليوم مرحوما.
وإن كنت أمس رفيعا قد أصبحت اليوم وضيعا.
وقال آخر: يا من ساس الأمور وقهر، أليس قد ساويت الدّناة إصغارا؟
وقال آخر: يا ذا الذي عظم في العزّ حتى هلك، وأفرط في العلوّ حتى سقط. ما الذي زهّدك في الرّأفة وهذه غايتك؟
وقال آخر: عهدي بك وكنت ترغب بنفسك عن رحب البلاد، كيف صبرك الآن على ضيق المكان؟
وقال آخر: أيّها المرغوب بك، ما الذي أزهد فيك جندك، ورغّب عنك حرسك، وهتك عنك حجاب سترك؟
وقال آخر: إن الذي أحلّ بالإسكندر ما أرى لقويّ جدا.
وقال آخر: قل للملوك: هذه الطريقة لا بدّ من سلوكها، فارغبوا في الباقية رغبتكم في الفانية.
وقال آخر: كفى العامّة بموت الملوك أسوة.
وقال آخر: كفاك بهذه عبرة، إنّ الذّهب كان بالإمس كنزا للإسكندر، فقد أصبح اليوم فيه مكنوزا.
وقال آخر: قل للملوك: ليس بعد الحياة إلاّ الموت، ولعلّ بعد الموت
أشدّ من الموت.
وقال آخر: يا للعجب، أنّ القويّ مغلوب مرتهن، والضعيف الأهون غارّ.
وقال آخر: يا ويح الملوك، لو كانوا يحذرون المنايا، لقصّروا في طلب الأموال.
وقال آخر: ما الحياة بباقية فيرجى غبّها، ولا الموت بعابر فيوثق منه.
وقال آخر: تعالوا بنا الآن نطلب عزّا لا يذلّ؛ فإن الذي كنّا نعتزّ به قد أفل.
وقال آخر: إن للرعيّة قبلك ديونا عليك، فكيف صبرك الآن على قضاء الدّيون؟.
وقال آخر: ما كان أصلح الإسكندر لو بنى موضع الإسكندريّة كوخا.
وقال آخر: لولا غشاوة اعترت الإسكندر، لكان أبصر رشده.
وقال آخر: خرجنا إلى الدّنيا جاهلين، وأقمنا غافلين، ونخرج منها كارهين.
وقال آخر: هذا الإسكندر طوى الدّنيا العريضة، وطوي منها في ذراعين.
وقال آخر: قد كنت لنا واعظا، وما وعظتنا بوعظ أوعظ من وفاتك.
وقال آخر: كانت حياة الإسكندر لله ووفاته لنفسه.
وقال آخر: ما سافر الإسكندر سفرا بلا أعوان ولا آلة غير هذا.
وقال آخر: هذا الإسكندر كان يحكم على الرعيّة، صارت الرعيّة تحكم عليه.
وقال آخر: ربّ هائب لك كان يعبأ بك من ورائك، وهو اليوم لا يخافك بحضرتك.
وقال آخر: ربّ حريص على سكوتك، وهو اليوم حريص على كلامك إذ لا تتكلّم.
وقال آخر: كم من جسم أمات هذا الجسم لئلا يموت وقد مات.
وقال آخر: لئن كان يحبّ الذّهب، لقد أصبح الذهب اليوم له معانقا.
وقال آخر: نعم المضطجع هذا لمن كان يسعى لنفسه.
وقال آخر: قد أباد هذا الميّت خلقا كثيرا لئلاّ يموت، ولو كان حريصا على حياتهم كحرصه على موتهم لم يمنعهم من أن يموتوا كما مات.
وقال آخر: كان هذا واعظا بليغا، وما وعظنا قطّ موعظة أبلغ من موعظته بنفسه وسكونه.
وقال آخر: كان حريصا على الارتفاع، ولم يعلم أنّ ذلك أشدّ لصرعته في المهواة.
وقال آخر: كان الإسكندر يخافه من ينظر إليه، واليوم لا يهابه من يجترئ عليه.
وقال آخر: كان الإسكندر بالأمس يشيّقنا إليه، وهو اليوم مشتاق إلى المعزّي إليه.
وقال آخر: كان بالأمس يخافه عدوّه، فهو اليوم لا يرجوه صديقه.
وقال آخر: الذي كان يقود الجنود في دار عزّه، اليوم تشيّعه تلك الجنود إلى دار مذلّته.
وقال آخر: هذا الذي قتل النّفوس يرجو الرّاحة، فاليوم يجدها أمامه تطلبه.
وقال آخر: لئن كان المطلوب غفل، فما أغفل الطالب.
وقال آخر: هذا الذي كان عدوّه يكره قربه، فخاصّته اليوم لقربه أكره.
وقال آخر: هذا الذي يندم على ما فاته من الدّنيا، فهو اليوم على ما أدرك منها أندم.
وقال آخر: هذا الذي تخلّفت عنه آثاره، ولحقت به أعماله.
وقال آخر: ارفعوا أصواتكم أيّها الحكماء بالمواعظ؛ فإن الإسكندر لا يسمع، ولعلّ الصّمّ يقدرون أن يسمعوا.
وقال آخر وهو رأس الحكماء: أيّها العزيز أمس، والذليل اليوم، كأنّك لست صاحبي أمس. أهلك صحبوك ظاعنا، وفارقوك مقيما. لئن كان الإسكندر نسوه، فما أصبح يذكرهم. بئس الورثة ورثتك، أخذوا مالك وتركوا الأثقال عليك والذّنوب. بئس الخلاّن خلاّنك، تبعوك سالبا، وفارقوك مسلوبا. بئس الجنود جنودك؛ نصروك آمنا وخذلوك خائفا، بئس الحصون حصونك بنيت لجندك، حصّنتها لمن تحتك وسهّلتها لمن فوقك.
بئس الخزن خزّانك، ائتمنتهم على مالك وشهدوا به لغيرك لما قبضت، للعواري بدت عاريتك. كانت دنياك العريضة لا تملأ بطنك، وأنت اليوم في بطنها.
هذا صارع الجبابرة أصبح مصروعا. لقد استبدلت بتاج الملك دار الفناء.
كان تاجرا رابحا فأصبح اليوم قد خسر نفسه. ما أسرع ما هاجت الزّهرة ونضجت الثمرة.
وقال صاحب خزانته: قد كنت تأمرني أن لا أتباعد عنك، فأنا اليوم لا أقدر على الدّنوّ منك.
وقالت زوجته بنت دارا: لئن كان هذا الكلام شماتة، لقد خلّف الكأس الذي شرب به لجماعتكم.
وقالت أمّه: لئن فقدت من ابني أمره، فما فقدت من ابني ذكره.
وقد كان الإسكندر كتب إليها كتابا يأمرها فيه باتّخاذ وليمة تستدعي فيها إلى طعامها من لم تلحقه مصيبة. فتقدّمت لذلك وبادرت لحضور الطّعام على الشّرط، فما صار إليها أحد صغير ولا كبير فعلمت أن ابنها أراد تعزيتها وتسليتها.
ثم جعل التابوت على أيد حتى أودع حفرته.
كلام من حكم عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه:
قال ﵇: أعجب ما في الإنسان قلبه، وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرّجاء أذلّه الطّمع، وإن هاج به الطّمع أهانه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغيظ اشتدّ به الغضب، وإن أمتع بالرّجاء نسي التحفّظ، وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتّسع له الأمن سلبته الغرّة، وإن أصابته مصيبة فضحه العجز، وإن تجدّدت له نعمة أخذته العزّة، وإن نال مالا أطغاه الغنى، وإن عضّته الفاقة
شغله البلاء، وإن جهده الجوع قعد به الضّعف، وإن أسرف في الشّبع لحظته البطنة، فكلّ تقصير به مضرّ، وكلّ إفراط له مفسد.
ولبعضهم:
تنكّر لي دهري ولم يدر أنّنيأعزّ وأكرام الزّمان يهون
وبات يريني الهمّ كيف اعتداؤهوبتّ أريه الصّبر كيف يكون
وقيل: الصّبر ثلاثة فنون. الأوّل: الصّبر بالعمل على طاعة الله ﷿، والثّاني: الصّبر على ترك ما نهى الله تعالى عنه من المعاصي، والثّالث: الصّبر على المحن والمصائب، واحتمال المكاره والشّدائد، والرّضا بما تجري به المقادير.
أبو فراس:
أحمد الله على ماسرّ من أمري وساء
ربّ أمر لا يرى فيـه سوى الصّبر دواء
سعيد بن حميد الكاتب:
لا تعتبنّ على النّوائبفالدّهر يرغم كلّ عاتب
واصبر على حدثانهإنّ الأمور لها عواقب
ما كلّ من أنكرتهورأيت جفوته تعاتب
فلكلّ صافية قذىولكلّ خالصة شوائب
والدّهر أولى ما صبرت له على رنق المشارب
كم نعمة مطويّةلك بين أبناء النوائب
ومسرّة قد أقبلتمن حيث تنتظر النّوائب
آخر:
أما علمت بأنّ العسر يتبعهيسر كما الصّبر مقرون به الفرج
وقال بعض الحكماء: يا بني، إن تغلبوا عن الظّفر، فلن تغلبوا عن الصّبر.
آخر:
فصبرا على حلو الزّمان ومرّهفإنّ اعتياد الصّبر أدعى إلى الرّشد
وقيل: الصّبر جنّة من الفاقة.
وقيل: لكلّ شيء ثمن، وثمن الصّبر الظّفر.
ولآخر:
وخير الأمور خيرهنّ عواقباوكم قد أتاك النّفع من جانب الضّرّ
ومن عصم الله: الرّضا بقضائهومن لطفه توفيقه العبد للصّبر
ولآخر:
ليس لما ليست له حيلةموجودة خير من الصّبر
الصّبر مرّ ليس يقوى بهغير رحيب الذّرع والصّدر
فالق فضول الهمّ من جانبقد فرغ الله من الأمر
وقيل: أربعة توصلك إلى أربعة: الصّبر إلى المحبوب، والجدّ إلى المطلوب، والزّهد إلى التّقى، والقناعة إلى الغنى.
لبعضهم:
الصّبر مفتاح ما ترجّيفكلّ صعب به يهون
فاصبر وإن طالت اللّياليفربّما طاوع الحزون
وربّما نيل باصطبارما قيل هيهات أن يكون
وقال بزرجمهر: ما أحسن الصّبر لولا أنّ النّفقة عليه من العمر.
آخر:
فكم من كريم قد بلي بمصائبفصابرها حتّى مضت واضمحلّت
وكم محنة هاجت بأمواج محنةتلقّيتها بالصّبر حتّى تجلّت
وكانت على الأيام نفسي عزيزةفلمّا رأت صبري على الذّل ذلّت
فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبةإذا وطّنت يوما لها النّفس ذلّت
وقيل: الموفّق إذا امتحن آلت محنته إلى سعادة، وإذا غلط أدّت غلطته إلى إصابة.
وقيل: من حسنت نيّته حسنت ديانته، ومن حسنت ديانته حسن صبره، ومن حسن صبره حسن توفيقه، ومن حسن توفيقه قلّ همّه وكثر صوابه.
وقال بعض الرّهبان: من أيّد بالعزّ الرّوحانيّ على ما يلحقه من المحن فقد نجا من فخّ الشّيطان وكيده.
لعبيد بن الأبرص:
يا قليل العزاء في الأهوالوكثير الهموم والأوجال
صبّر النّفس عند كلّ مهمّإنّ في الصّبر راحة المحتال
لا تضيقنّ في الأمور، فقديكشف غماؤها بغير احتيال
ربّما تجزع النّفوس من الأمرلها فرجة كحلّ العقال
وقال عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه: عليكم بالصّبر، فإنّه به يأخذ العاقل، وإليه يرجع الجاهل.
وأصيب جرير بن عبد الله البجلي بمصيبة، فعزّي عنها فقال:
ما وقع شيء بقلبي مما عزّيت به حتى دخل عليّ مجوسيّ، فقال: انظر إلى ما كنت تعزّي به النّاس فعزّ به نفسك، واحتسب.
وأنشد عمر بن عبد العزيز:
اصبر هديت فإنّ الصّبر مكرمةوإن جزعت فحظّ الجازع الجزع
وقال بعض الرّهبان: متى عدم الإنسان الصّبر والرّجاء، عدم السّكون والفرج.
وقال الجاحظ: رأيت بهلول المجنون بجامع الكوفة يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: أنا جائع. فقلت: عليك بالصّبر. فقال منشدا:
يقولون لي في الصّبر روح وراحةولا عهد لي بالصّبر مذ خلق الصّبر
ولا شكّ أنّ الصّبر كالصّبر طعمهوإنّي رأيت الصّبر ممتنع وعر
ثم عطف وأنشد:
الصّبر جارك فاحتفظ بجوارهعند الحوادث والملمّ النّازل
فلتعطينّ جزاءه متعجّلاولتحمدنّ ثوابه في الآجل
وحكي عن أنوشروان العادل أنّه قال: جميع مكاره الدّنيا تنقسم على قسمين وضربين: فضرب فيه حيلة والاضطراب دواؤه، وضرب لا حيلة فيه والصّبر شفاؤه.
نصر بن الحسن:
أحسن إلى النّاس ما واتتك مقدرةواستصحب الصّبر يوما إن أسا عات
فصبر قلبك مكف كلّ معضلةونصر ربّك آت بعد ساعات
آخر:
وعوّدت نفسي الصّبر حتّى ألفتهوأسلمني حسن العزاء إلى الصّبر
وصيّرني يأسي من اليأس واثقابحسن صنيع الله من حيث لا أدري
أعرابي:
خلقان لا أرضى فعالهماتيه الغنى ومذلّة الفقر
فإذا غنيت فلا تكن بطراوإذا افتقرت فته على الدّهر
واصبر فلست بواجد خلفاأدنى إلى فرج من الصّبر
الشريف الرضي:
إذا سيم ضرّا زاد صبرا كأنّههو المسك ما بين الصّلاية والفهر
لأنّ فتيت المسك يزداد طيبهعلى السّحق والحرّ اصطبارا على الضّرّ
وقيل: قدم عروة بن الزّبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمّد، فدخل محمد دار الدّوابّ فرمحه دابة فمات، ووقع بعد ذلك في رجل عروة الأكلة -نسأل الله العافية منها-إلى ساقه. فقيل له: اقطعها وإلاّ انفسد جميع جسدك، فقطعها بمنشار، وهو شيخ كبير، ولم يمسكه أحد، ومع ذلك أجمع، لم ير به جزع، ولا قطع ورده تلك الليلة إلاّ أنّه قال:
لَقَدْ لَقِينامِنْ سَفَرِناهذانَصَباً.
وقدم على الوليد في تلك الأيام قوم من عبس وفيهم رجل ضرير محطوم الوجه، فسأله الوليد عن حاله. فقال: بتّ ليلة في بطن واد وأنا لا أعلم أنّ في بني عبس رجلا أكثر مني مالا. فطرقنا سيل، فذهب بما كان لي من أهل ومال وولد، وما بقي لي غير بعير واحد وابن صغير، وكان البعير صعب القياد فندّ، فأقعدت الصّبيّ وتبعت البعير لأردّه فما بعدت حتّى سمعت صياح الصّبيّ فانصرفت فإذا رأس الذّئب في بطنه وقد مات، فرجعت إلى البعير لآخذه فلمّا دنوت منه رمحني فأصاب وجهي فحطمه وذهب بعينيي، فأصبحت ولا مال لي ولا أهل ولا ولد ولا بصر. فقال الوليد: انطلقوا بهذا الرّجل إلى عروة ليخبره بخبره، حتّى يعلم أنّ في الأرض من هو أعظم بلاء منه. فانطلقوا به وأخبره. ثم إنّ عروة شخص إلى المدينة، فأتته قريش والأنصار يعزّونه في ولده ورجله، فقال له عيسى بن طلحة: أبشر، فإنّ الله يعوّضك من ذلك أعظم الأجر وأجزل الثّواب. فقال عروة: كانوا أربعة -يعني بنيه-فأبقى الله ثلاثة، وأخذ واحدا. وكنّ أربعا-يعني يديه ورجليه- فأخذ واحدة وأبقى ثلاثا، فلئن أخذت يا ربّ لقد أبقيت، ولئن ابتليت لقد عافيت. ثم نظر إلى النّاس، وقال: إن كنتم تعدّونني للسّباق والصّراع فقد
فاتني ذلك، وإن كنتم تعدّونني للّسان والجاه فقد أبقى الله خيرا كثيرا.
وأنشدوا:
صبرا فكم مدركا بالصّبر بغيتهمن حيث لم يحتسب أو حيث يحتسب
ما دام خير ولا شرّ على أحديوما وللدّهر حالات ومنقلب
ولمؤلفه عيسى بن البحتري عفا الله عنه:
إنّي أقول لنفسي حين ألبسهاريب الزّمان لباس الخوف والفرق
صبرا على نكبة أوهتك شدّتهاوحادث حدث منه قوى الحرق
قال بعض الرّهبان: عند حلول النّعمة اعمل الخير، واشكر الله وفي الإضافة واظب على الدّعاء والاستقالة.
ولبعضهم:
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصداندمت على التّفريط في زمن البذر
إذا شئت أن تستقرض المال منفقاعلى شهوات الدّهر في زمن العسر
فسل نفسك الإقراض من ليس صبرهاعليك وإنظارا إلى زمن اليسر
فإن فعلت كنت الغنيّ وإن أبتفكلّ منوع بعدها واسع العذر
أبو تمام الطائي:
خلقنا رجالا للتّجلّد والأسىوتلك الغواني للبكا والمآتم
ومن قبله ما قد أصيب نبيّناأبو القاسم النّور المبين بقاسم
وقال عليّ في التّعازي لأشعثوخاف عليه بعض تلك المآثم
أتصبر للبلوى عزاء وحسبةفتؤجر أم تسلو سلوّ البهائم
أبو عبادة البحتري يخاطب محمد بن يوسف الثّغري:
جعلت فداك الدّهر ليس بمنفكّمن الحدث المشكوّ والنّازل المشكي
وما هذه الأيّام إلاّ منازلفمن منزل رحب إلى منزل ضنك
وقد هذّبتك الحادثات وإنّماصفا الذّهب الإبريز قبلك بالسّبك
أما في رسول الله يوسف أسوةلمثلك محبوسا على الظّلم والإفك
أقام جميل الصّبر في السّجن برهةفآل به الصّبر الجميل إلى الملك
وقيل إنّ الإسكندر أصيب بمصيبة فحضره أرسطاطاليس معزّيا، فقال له: أيّها الملك، لم آتك معزّيا لكن متعلّما الصّبر منك لعلمي أنّ الصّبر على الملمات فضيلة، وطبيعتك منافية لكلّ رذيلة، فكيف تحضّ على عادتك، وتعلّم سنّتك؟.
ولبعضهم:
اصبر على مضض الزّمان وإن رمى بك في اللّجج
فلعلّ طرفك لا يعود إليك إلاّ بالفرج
آخر:
أيّها المغترّ صبراإنّ بعد العسر يسرا
كم رأينا اليوم حرّالم يكن بالأمس حرّا
لزم الصّبر فأمسىمالكا خيرا وشرّا
آخر:
اصبر لدهر نال منـك فهكذا مضت الدّهور
فرح وحزن واقعلا الحزن دام ولا السّرور
آخر:
سأصبر للزّمان وإن رمانيبأحداث تضيق لها الصّدور
وأعلم أنّ بعد العسر يسرايدور به القضاء ويستدير
ابن التلميذ:
لا تشكونّ من الخمول فربّماكان الخمول إلى السّلامة سلّما
واصبر ففي بعض الحوادث عصمةفالعين يؤمنها من الرّمد العمى
وآخر:
رضينا بالخمول فما استرحنافهل بعد الخمول سبيل ذلّ
ومع ذا ضيّقوا والله صدريأيرضى مثلها بالله قل لي
وقال بعضهم: السّلامة في الخمول خير من العطب في المعالي.
وقيل: عزّى رجل كسرى فقال: أغناك الله عن الحاجة إلى الصّبر بحسن العزاء، ولا أنساك مصيبتك بأعظم منها، ولا أحرمك جزيل الثّواب عليها.
ولأبي الحسن الأطروش المصري من أبيات:
ما زلت أدفع شدّتي بتصبّريحتّى استرحت من الأيادي والمنن
فاصبر على نوب الزّمان تكرّمافكأنّ ما قد كان منها لم يكن
لا تقنطنّ وثق بالله [إنّ له]لطفا يدقّ عن الأفهام وا [لفطن]
يأتيك من لطفه ما ليس [تعرفه]حتّى كأنّ الذي قد كان لم يكن
وقيل إن إنسانا رأى في نومه علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه وهو ينشد أبياتا فانتبه، ولم يبق على خاطره من الأبيات إلاّ قوله:
وحميد ما يرجوه ذو أملفرج يعجّله له الصّبر
أبو العتاهية:
الدّهر لا يبقى على حالةلا بدّ أن يقبل أو يدبرا
فإن تلقّاك بمكروههفاصبر فإنّ الدّهر لا يصبرا
آخر:
ولله لطف يرتجى ولعلّهسيعقبنا من كسر أيدي الأذى خيرا
ولمؤلفه:
لا تجزعن من حادث إن عراواقن عزاء فهو عين الصّلاح
واصبر وإن طالت ليالي الأذىفالصّبر مفتاح لباب النّجاح
آخر:
والدّهر كالطّيف بؤساه وأنعمهمن غير قصد فلا تمدح ولا تذم
لا يحمد الدّهر في بأساء يكشفهافلو أردت دوام البؤس لم يدم
قيل: كان ابن شبرمة إذا نزلت به نازلة قال:
سحابة صيف عن قليل تقشّع
وكان يقال: أربع من كنوز الجنّة: كتمان المصيبة، وكتمان الصّدقة، وكتمان الفاقة، وكتمان الوجع.
ولصالح بن عبد القدوس:
إن يكن ما به أصيب جليلافذهاب العزاء عنه أجلّ
كلّ آت لا شكّ آت وذو الجهـل معنّى والغمّ والحزن فضل
علي بن أبي طالب:
إن يكن نالني الزّمان ببلوىعظمت شدّة عليّ وجلّت
وأتت بعدها نوائب أخرىخضعت دونها الرّقاب وذلّت
وتلتها قوارع نازلاتسئمت عندها الحياة وملّت
فاصطبر وانتظر بلوغ مداهافالرّزايا إذا توالت تولّت
وقيل: دخلت أمّ جعفر على المأمون عند قدومه بغداد، فقالت:
الحمد لله الذي ادّخرك لي بعد ما أثكلني بولدي. فقال المأمون: ما ظننت أنّ
أحدا جبل على جلدها، وحسن عزائها، وصبرها.
وأنشد الثّوريّ يقول:
يمثّل ذو العقل في نفسهمصائبه قبل أن تنزلا
فإن نزلت بغتة لم ترعهلما كان في نفسه مثّلا
وذو الجهل يأمن أيّامهوينسى مصارع من قد خلا
فإن نكبته صروف الزّمانببعض نوائبه أعولا
ولو قدّم الحزم في أمرهلعلّمه الصّبر عند البلا
رأى الهمّ يفضي إلى آخرفصيّر آخره أوّلا
وقال بعض الرّهبان: كلّ يوم لا يعرض فيه للعبد وجع أو غمّ فيقبله بالصّبر ويحمد الله عليه فلا يحسبه من أيّام حياته.
ولأبي دلف:
صبرت عن اللّذّات حتّى تولّتوألزمت نفسي صبرها فاستمرّت
وما النّفس إلاّ حيث يجعلها الفتىفإن أطمعت تاقت وإلاّ تسلّت
وقيل: وقف عليّ بن أبي طالب ﵁ على قوم قد أصيبوا بمصيبة، فقال: إن تجزعوا فحقّ الرّحم بلغتم، وإن تصبروا فحقّ الله أدّيتم.
ومن خطبه كرّم الله وجهه: يا قوم، الصّبر على طاعة الله خير من الصّبر على عذاب الله.
ولمحمود الورّاق:
صابر الصّبر على كرّ النوائبمن كنوز البرّ كتمان المصائب
والبس الدّهر على علاّتهتجد الدّهر مليّا بالعجائب
قال بعض الرّهبان: من لم يؤدّب في الدّنيا، وقع به الضّرر الوجيع في الآخرة.
وقيل: الصّبر مفتاح الفرج.
ولبعضهم:
إنّي رأيت وفي الأيّام تجربةللصّبر عاقبة محمودة الأثر
وقلّ من جدّ في أمر يحاولهواستصحب الصّبر إلاّ فاز بالظّفر
وقيل: وصف مالك بن أسماء بن خارجة بالحلم والصّبر، فأراد قوم من الشّام امتحانه، فكتبوا إليه على لسان بعض أهله: إنّ ولديك قد توفّيا. فأخذ الكتاب وهو محتب فقرأه ووضعه من يده، ولم يحلّ حبوته ولم يبين ذلك فيه. فقيل له: ما في هذا الكتاب؟ فقال: أخبرت أنّ ولديّ نزلا منزلا سبقاني إليه، وأنا لا بدّ نازله.
النص من طبعة دار صادر (١٩٩٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع