تجاوز إلى المحتوى

من «نضرة الإغريض في نصرة القريض» للمظفر العلوي (ت ٦٥٦هـ)

بابُ المُقابلة

قال عليُّ بن الحُسَيْن القُرَشيّ: سألتُ جعفر بن قُدامة الكاتب، وكان من جهابِذَةِ الشعر، عن المُقابلة فقال: سألت أبي عنها فقال: هو أن يضع الشاعر معانيَ يعتمدُ التوفيق بين بعضِها وبعض، أو المخالفة، فيأتي بالموافق مع ما يوافِقُه، وفي المخالفِ بما يخالِفُه على الصِّحّة، أو يشترطَ شروطاً، ويعدِدَ أحوالاً في أحدِ المعنَيَيْن فيجب أن يأتي فيما يوافقُه بمثل الذي شرَط فيما يُخالفُه بأضدادِ ذلك. قال: فقُلتُ له: فأنشدني أحسنَ ما قيلَ فيه فقال: لا أعرفُ أحسنَ من قول الأول:

أيا عجَباً كيفَ اتّفقْنا فناصِحٌوفيٌّ ومَطْويٌّ على الغِلِّ غادِرُ

فجعل بإزاء ناصح مطوياً على الغِلِّ، وبإزاء وفيّ غادراً. قال: وقول الطِّرِمّاح بن حَكيم الطائي في ذلك حسن أيضاً، وهو:

أسَرْناهُمْ وأنْعَمْنا عليهمْوأسقَيْنا دِماءهُم التُّرابا
للشاعر الطرماح، من قصيدة «أسرناهم وأنعمنا عليهم»
فَما صبَروا لبأْسٍ عند حرْبٍولا أدّوا بحُسنِ يَدٍ ثَوابا
للشاعر الطرماح، من قصيدة «أسرناهم وأنعمنا عليهم»

يقولُ: لمّا سَقَيْنا التراب دِماءَهُم لم يكن لهم صبْرٌ على ما نزل بهم منا لفشَلِهم وضعْفِ نُفوسِهم، ولمّا أنعمْنا عليهم وأحسنّا إليهم لم يجازوا بالثناء علينا، فجعل بإزاء أن سَقَوا دماءَهم التُرابَ وقاتلوهم، أن يصبروا، وبإزاء أن أنعَموا عليهم، أن يُثْنوا، وقال هذه المقابلة. وقال عليّ بن هارون: كان يحيى بن علي يزعُم أن أحسن ما قيل في المقابلة قولُ النابغة:

فتىً تمّ فيه ما يسُرُّ صديقَهُعلى أنّ فيه ما يَسوءُ المُعادِيا
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «فتى تم فيه ما يسر صديقه»

فجعل بإزاء السرورِ الإساءةَ وبإزاء الصديق المعادي. وهذه نُغْبَة في هذا الباب كافية. ومنها:

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الأول في وصف الشعر وأحكامه وبيان أحواله وأقسامه

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.