تجاوز إلى المحتوى

من «نضرة الإغريض في نصرة القريض» للمظفر العلوي (ت ٦٥٦هـ)

باب الاستطراد

ومعنى الاستطراد خروج الشاعر من ذمٍّ الى مدحٍ أو من مدحٍ الى ذمّ. وللمُحدَثين في هذا الباب أشعارٌ كثيرة عجيبة. قال زهير:

إنّ البخيلَ ملومٌ حيثُ كان ولكنَّ الجَوادَ على عِلاّتِه هَرِمُ
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «قف بالديار التي لم يعفها القدم»

استطردَ الكلامَ الي مدْحِ هرِم. وقال الفرزدق:

كأنّ فِقاحَ الأزْدِ حوْلَ ابنِ مِسْمَعٍإذا عَرِقَتْ، أفواهُ بكرِ بنِ وائِلِ

استطرد الكلام الى ذمّ بكرِ بن وائل. وقد حَثا جريرٌ التّرابَ في وجه السابقِ الى هذا المعنى فضلاً عمّن تلاهُ، فإنّه استطرد باثنين في بيتٍ واحد وهو:

لمّا وضَعْتُ على الفرزدقِ ميسَميوضَغا البَعيثُ جدَعْتُ أنفَ الأخطلِ
للشاعر جرير، من قصيدة «لمن الديار كأنها لم تحلل»

الضَّغُو والضُّغاءُ صوتُ الذليلِ المقهور وقال آخر:

أنتَ ابنُ بِيضٍ لعَمْري لستُ أُنكِرُهُحقّاً يقيناً، ولكن مَنْ أبو بِيضِ؟

وقال بكرُ بنُ النطّاح في مالِك بن طَوْق وهو استطرادٌ من مدحٍ الى مدح:

عرضْتُ عليها ما أرادَتْ من المُنىلتَرْضَى فقالَتْ قُمْ فجِئْني بكَوْكَبِ
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة
فقُلتُ لها: هذا التّعَنُّتُ كلُّهُكمن يتَشهّى لحمَ عَنقاءَ مُغرِبِ
للشاعر البحتري، من قصيدة «عرضت عليها ما تمنى من المنى»
سَلي كلَّ أمرٍ يستقيمُ طِلابُهولا تَذْهَبي يا دُرُّ، في كل مذْهَبِ
للشاعر بَكرِ بنِ النَطّاح، اقرأ القصيدة
فأُقْسِمُ لو أصبحتُ في عِزِّ مالكٍوقُدْرَتِهِ أعْيا بما رُمْتِ مَطْلَبي
فتىً شَقِيَتْ أموالُهُ بنَوالِهِكما شَقِيَتْ قيسٌ بأرماحِ تغْلِبِ

وشبيهٌ بهذه الأبيات ما ذكرَهُ الأصفهاني في كتابه قال: قال أحمدُ بن عُبيد اللهِ بن عمّار: كنا عندَ المُبرِّد يوماً وعندَه فتىً من وُلْدِ أبي البَختريّ وهْب بن وهب القاضي، أمردُ حسَنُ الوجه، وفتىً من وُلْدِ أبي دُلَف القاسم بن عيسى العِجْلي شبيهٌ به في الجمال، فقال المبرد لابن أبي البَختري: أعرفُ لجَدِّكَ قِصةً طريفةً من الكرَم حسنةً لم يُسْبَقْ إليها، فقال الفتى: وما هي؟ قال: دفعِيَ رجُلٌ من أهلِ الأدبِ الى بعض المآدبِ فسقَوْهُ نبيذاً غير الذي كان يشربون، فقال:

نَبيذانِ في مجلسٍ واحدٍلإيثارِ مُثْرٍ على مُقْتِرِ
للشاعر العطوي، اقرأ القصيدة
فلو كانَ فِعلُكَ ذا في الطّعامِلَزمتُ قياسَكَ في المُسْكِرِ
ولو كنتَ تفعَلُ فِعْلَ الكِرامِصنعتَ صَنيعَ أبي البَخْتَري
تتبّعَ إخوانَهُ في البلادِفأغْنى المُقِلَّ عن المُكثِرِ

فبلغتِ الأياتُ جدَّكَ فبعث الى الرّجل خمسمائة دينار. قال ابن عمّار: فقلت: وقد فعلَ جدُّ هذا الفتى في هذا المعنى ما هو أحسنُ من هذا، قال المُبرّد: وما هو؟ قلت: بلغني أن ابنَ أبي فَنَنٍ افْتَقَر بعد ثروةٍ، فقالت له امرأته: افْتَرِضْ في الجُنْدِ، فأنشأ يقول:

إليكِ عني فقد كلَّفْتِني شَطَطاًحَمْلَ السِّلاحِ وقوْلَ الدّارِ عينَ قِفِ
تمشي المنايا الى قومٍ فأكرَهُهافكيف أمشي إليها عاريَ الكتِفِ
حَسِبْتُ أنّ نفاد المالِ غيّرنيأو أن قلْبيَ في جَنْبَيْ أبي دُلَفِ

فأحضرهُ أبو دُلَف وقال له: كم أمّلَت امرأتُكَ أن يكون رزقُك؟ قال: مائةَ دينار، قال: وكمْ أمّلْتَ أن تعيشَ؟ قال: عشرين سنة، قال: فلكَ عليّ الذي أمّلْتَ وأمّلَتِ امرأتُك في مالي دون مالِ السلطان. وأمرَ بدفعِ ذلك إليه. قال: فرأيتُ وجهَ ابن أبي دُلَف يتهلّل، وانكسر ابن أبي البَختري. وقال الآخر:

أسَرْنا كما قد عوّدَتْنا رِماحُنالدَى مَعْرَكِ الخيلينِ، والنَّقْعُ ثائِرُ

أخبر أنه أسَرَ عدواً واستطرد الكلامَ الى أنه معوَّدٌ لذلك. ومنها:

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الفصل الأول في وصف الشعر وأحكامه وبيان أحواله وأقسامه

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.