تجاوز إلى المحتوى

من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)

باب صحة التفسير والتبيين

وهو أن يأتي المتكلم في أول الكلام، أو الشاعر في بيت من الشعر بمعنى لا يستقل الفهم بمعرفة فحواه دون أن يفسر، إما في البيت الآخر، أو في بقية البيت إن كان الكلام الذي يحتاج إلى التفسير في أوله.

ووقوع التفسير من الكلام على أنحاء: بعد الشرط، وما هو في معناه، وبعد الجار والمجرور، وبعد المبتدإ الذي التفسير خبره. فمثال ما وقع منه بعد الحروف المتضمنة معنى الشرط قول الفرزدق طويل:

لقد جئت قوماً لو لجأت إليهمطريد دم أو حاملاً ثقل مغرم
لألفيت منهم معطياً ومطاعناًوراءك شزراً بالوشيج المقوم

ومثال ما جاء بعد الجار والمجرور قول الحسين بن مطير الأسدي كامل:

وله بلا حزن ولا بمسرةضحك يواصل بينه وبكاء

وكلا الرجلين - أعني الفرزدق وابن مطير - لم يراعيا الترتيب، وإن كان عدم الترتيب مع حسن الجوار وقرب الملائم لا ينقص به حسن الكلام البليغ، بل هو عندي نوع من صحة التفسير، ألا ترى إلى قوله تعالى: " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، فأما الذين اسودت وجوههم " ثم قال بعد ذلك: " وأما الذين ابيضت وجوههم " ومثل ذلك قول الله تعالى: " بسم الله الرحمن الرحيم " فإنه لما قدم ذكر الأبلغ على ما دونه - وطريق البلاغة الترقي - نعلم من هذا الترتيب أن توخي الملاءمة، وحسن الجوار أولى من حسن الترتيب، إذ كان اسم الله تعالى يختص به دون بقية أسماءه، وكان الرحمن وصفاً مختصاً به دون بقية صفاته، فأتبع الأخص بالأخص، ولتوخي الملاءمة ومراعاة حسن الجوار عدل عن الإيضاح، وتعمد التقديم والتأخير الذي هو أحد الوجوه الثلاثة التي يحصل بها الإشكال، فإن التنزيل لو كان في آية الطهارة، " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤسكم " لم تختلف العلماء في المسح والغسل، لكن القصد إلى نظم الكلام على الوجه الأحسن من مجاورة الملائم بالملائم ليكون لفظ الكلام مؤتلفاً مع معناه، عدل عن ذلك الترتيب إلى التقديم والتأخير، لأن كل من وصف وضوء رسول الله ﷺ ووضوء أصحابه والتابعين لهم بإحسان لم يرو أن أحداً منهم غسل رجليه قبل مسح رأسه، وإذا علم أن مسح الرأس مقدم على غسل الرجلين علم

أن الواجب غسل الرجل من حيث إنه سبحانه قدم ذكر مسح الرأس، ليعلمنا ترتيب غسل الأعضاء في الوضوء كما كانت في الغسل، فإن الغسل يختم فيه بغسل الرجلين، ولما أخر ذكر الرجلين أتى بالتحديد ليعلم أن الأمر فيهما معطوف على الأعضاء المغسولة، لا على العضو الممسوح، فإن المسح لم تضرب له غاية احتراساً ممن يظن أن الرجل ممسوحة، ولعربية الشافعي ومعرفته بكنه بلاغة العرب أوجب الترتيب في الوضوء، لكون الآية جاءت مرتبة للأعضاء، ولم يحفل بالتقديم والتأخير، وإن أوجب لبساً اتكالاً على ما في التحديد من دفع ذلك اللبس. وما سمعت ولا غيري بمستمع كقول الله ﷾: " سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون " فإن صحة التقسيم اندرجت في صحة التفسير، واندمج الترتيب والتهذيب في صحة التقسيم، وحصل الائتلاف من حصول الترتيب، إذ قدم سبحانه النبات، وثنى بأشرف الحيوان، فكان غيره من الحيوان بطريق أولى، ثم ثلث بقوله: " ومما لا يعلمون " فاندرج تحت هذا العموم كل ما اختص الله بعلمه من المولدات الثلاث، بل من جميع المخلوقات من كل موجود سوى الله، فحصل الترقي على سنن الفصاحة، والمشي على نهج البلاغة وأتت الفاصلة في غاية التمكين، فالآية الكريمة لذلك تصلح أن تكون شاهداً للتفسير، والتقسيم، والتهذيب، والائتلاف، والتمكين، وإنما خصصت بها باب التفسير، لأنه أول مذكور فيها، ومنه تتفرع بقية ما انطوت عليه من

المحاسن، ولقد أحسن ابن شرف القيرواني في التفسير الواقع بعد الجار والمجرور حيث قال طويل:

لمختلفي الحاجات جمع ببابهفهذا له فن وهذا له فن
فللخامل العليا وللمعدم الغنىوللمذنب العتبى وللخائف الأمن
للشاعر ابن شرف القيرواني، اقرأ القصيدة

ون أناشيد قدامة فيما جاء من التفسير بعد الحروف المتضمنة معنى الشرط قول صالح بن جناح اللخمي طويل:

لئن كنت محتاجاً إلى الحلم إننيإلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

ثم فطن الشاعر إلى أنه أجمل في قوله: وإن كنت محتاجاً إلى الحلم، فإنني في بعض الأوقات إلى الجهل أحوج، ولم يبين كونه إذا احتاج إلى الجهل واضطر له هل يقدر على أن يجهل؟ فقال في البيت الثاني طويل:

ولي فرس للحلم بالحلم ملجمولي فرس للجهل بالجهل مسرج
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

فبين أن عنده حلم لمن يعامله بالحلم، وجهل لمن يعامله بالجهل، وهذا بسط قول عمرو بن كلثوم وافر:

ألا لا يجهلن أحد علينافنجهل فوق جهل الجاهلينا
للشاعر عمرو بن كلثوم، من قصيدة «ألا هبي بصحنك فاصبحينا»

لكن بيت ابن جناح أمشى على سنن العدل من بيت ابن كلثوم لاستضاءته

بنور القرآن العزيز، وتأدبه بأدبه لأنه عقد بالوزن قوله تعالى: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ".

ثم فطن - أعني ابن جناح - إلى كونه لم يتبين العلة التي تحوجه إلى الجهل، فقال في البيت الثالث طويل:

فمن شاء تقويمي فإني مقومومن شاء تعويجي فإني معوج
للشاعر محمد بن حازم الباهلي، اقرأ القصيدة

ومثال ما جاء من التفسير بعد خبر المبتدإ بشرط أن يكون المفسر مجملاً والمفسر له مفصلاً قول ابن الرومي كامل:

آراؤكم ووجوهكم وسيوفكمفي الحادثات إذا دجون نجوم
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم»
منها معالم للهدى ومصابحتجلو الدجى والأخريات رجوم
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم»

وهذا أفضل ما سمعته في باب التفسير من الشعر، فإنه راعى فيه الترتيب أحسن مراعاة، فلو كمله بأن يستوعب فيه أقسام منافع النجوم بأن يضيف إلى ما ذكره سقياها الأرض، حصل في بيته صحة التقسيم مع صحة التفسير، وإن كان هذا غير لازم للشاعر، لكنه لو اتفق له ذلك كان أحسن. ولما لحظت ذلك خطر لي أن أعمل معناه على ما وقع لي من صحة التقسيم مع صحة التفسير، فقلت في شرف الدين حسن بن سناء الملك؛ طويل:

لآبائك الماضين يا حسن الندىصفات بها لا غير تعلو المراتب
وجوه وآراء وشهب عزائموأيد بديجور الخطوب كواكب
يماط الدجى منها ويهدي بها الورىويرحم من يجنى وتسقى السحائب

ومن بديع التفسير قول أبي جعفر الخراز النظيري من نظر بلنسية، من شعراء المائة السادسة في ابن عباد طويل:

وما زلت أجني منك والدهر ممحلولا ثمر يجني ولا زرع يحصد
ثمار أياد دانيات قطوفهالأغصانها ظل علي ممدد
يرى جارياً ماء المكارم تحتهاوأطيار شكري فوقهن تغرد

ون التفسير نوع لا تعرف صحته، لأنه يأتي مفسراً لشيء مقدر في النفس، لم يجر له ذكر في الكلام الذي تقدم، لكنه يكون ملزوم الكلام المتقدم من ظاهر اللفظ، ولأن المفسر لا تنحصر تفاصيله كقول المتنبي كامل:

وجلا الوداع من الحبيب محاسناًحسن العزاء وقد جلين قبيح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»
فيد مسلمة وطرف شاخصوحشاً يذوب ومدمع مسفوح
للشاعر المتنبي، من قصيدة «جللا كما بي فليك التبريح»

وذلك أن البيت الثاني لا يصلح أن يكون تفسيراً للبيت الأول، لأن البيت الأول أشار إلى صفات الحبيب، والبيت الثاني يشير إلى أحوال المحب، وإنما لما قال في البيت الأول إن الوداع جلا من الحبيب محاسناً قبح عند رؤيتها، كان كأنه قدر في نفسه أنه عندما تحقق مقارنة تلك المحاسن بقيت حاله على ما شرحه وفسره في البيت الثاني.

ومن مليح التفسير وبديعه قول محمد ابن وهيب في المعتصم بسيط

ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتهاشمس الضحى وأبو إسحاق والقمر

ولقد أحسن مجد الملك بن شمس الخلافة حين تناول هذا المعنى ما شاء، فإنه وطأ له توطئة ملائمة، لو اقتصرنا في تفضيله عليها كانت كافية لا سيما وقد زاد فيه زيادة غير خافية عن ذي بصيرة حيث قال كامل:

شيئان حدث بالقساوة عنهماقلب الذي يهواه قلبي والحجر
وثلاثة بالجود حدث عنهمالبحر والملك المعظم والمطر
لكن واسطة الثلاثة خيرهاوكذاك خير العقد واسطة الدرر

ومن التفسير ضرب يأتي في حشو البيت وهو غريب في التفسير، لأن غالب مجيء التفسير إما في عجز البيت، أو في بيت آخر، وهو قول عمرو بن كلثوم وافر:

ويوم كريهة طعناً وضرباًأقر به مواليك العيونا

فقوله: " طعناً وضرباً " تفسير ليوم الكريهة.

ومن لطيف التفسير وغريبه تفسير وقع بعد الإخبار، وهو غير الأقسام المتقدمة، وذلك قول أبي حية النميري طويل:

فألقت قناعاً دونه الشمس واتقتبأحسن موصولين: كف ومعصم

والمعنى من قول النابغة الذبياني كامل:

سقط النصيف ولم ترد إسقاطهفتناولته واتقتنا باليد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أمن آل مية رائح أو مغتد»

وبيت أبي حية أجزل لفظاً، وأتم معنى، وأحسن رونقاً وديباجة.

ومن مليح التفسير الذي وقع في بيت قول بعض المغاربة بسيط

صالوا وجالوا وضاؤوا واحتبوا فهمأسد ومزن وأقمار وأجبال

فإنه أحسن فيه الترتيب، ووقع التفسير في عجز البيت كله، والمفسر في الصدر كل بحيث أتى كل قسم مستقلاً بنفسه، وجمع إلى ذلك المساواة، فإن لفظه طبق معناه، ومن التفسير نوع يتقدم التفسير فيه على المفسر، كقول زينب بنت زياد المؤدب من شواعر العرب طويل:

ولا أبى الواشون إلا فراقناوما لهم عندي وعندك من ثار
وشنوا على أسماعنا كل غارةوقلت حماتي عند ذاك وأنصاري
للشاعر زينب فواز، اقرأ القصيدة
غزوتهم من مقلتيك وأدمعيومن نفسي بالسيف والماء والنار
للشاعر ثواب ، اقرأ القصيدة

فقولها: من مقلتيك وأدمعي ومن نفسي تفسير لبقية البيت.

ومن معجز التفسير ما جاء في الكتاب العزيز منه كقوله تعالى: " والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومهم من يمشي على أربع " فذكر سبحانه الجنس الأعلى أولاً حيث قال: " كل دابة " فاستغرق أجناس كل ما دب ودرج. ثم فسر هذا الجنس بعد ذلك بالأجناس المتوسطة والأنواع، حيث قال:

فمنهم، ومنهم، ومنهم مراعياً للترتيب وذلك أنه قدم ما يمشي بغير آلة لكون الآية سيقت لبيان القدرة وتعجب السامع، وما يمشي بغير آلة أعجب مما يمشي بآلة، فلذلك كان تقديمه ملائماً لمقصود الآية، ثم ثنى بالأفضل فالأفضل، فأتى بما يمشي على رجلين، وهو الآدمي والطائر، لتمام خلق الإنسان وكمال حسن صورته، ولما في الطائر من عجب الطيران الدال على الخفة، مع ما فيه من كثافة الأرضية، وثلث بما يمشي على أربع لأنه أحسن الحيوان البهيم وأقواه، تغليباً له على ما يمشي على أكثر من الأربع من الحشرات، وإن كان داخلاً فيما يمشي على الأربع، وإنما خص ذلك بالذكر دونه لفضله عليه، فاستوعب الأقسام، وأحسن الترتيب، فتضمنت هذه الكلمات التي هي بعض آية عدة من المحاسن، وهي صحة التفسير وصحة التقسيم، مع مراعاة الترتيب، والإشارة، وائتلاف اللفظ مع المعنى وحسن النسق.

النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحرير التحبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.