تجاوز إلى المحتوى

من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)

باب المراجعة

وهو أن يحكى المتكلم مراجعة في القول، ومحاورة في الحديث جرت بينه وبين غيره أو بين اثنين غيره بأوجز عبارة وأرشق سبك وأسهل ألفاظ، إما في بيت واحد، أو في أبيات، أو جملة واحدة، كقول عمر بن أبي ربيعة " رمل ":

بينما ينعتني أبصرننيمثل قيد الرمح يعدو بي الأغر
قالت الكبرى: ترى من ذا الفتىقالت الوسطى لها: هذا عمر
قالت الصغرى وقد تيمتهاقد عرفناه، وهل يخفى القمر؟
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «هيج القلب مغان وصير»

وفي الأبيات خبئان يدلان على قوة عارضة الشاعر وحذقه بمعرفة وضع الكلام مواضعه: أحدهما، وهو الذي يدل على قوة العارضة، أن قوافي الأبيات لو أطلقت لكانت كلها مرفوعة كما قيل في أرجوزة رؤبة التي أولها " رجز ":

قد جبر الدين الإله فجبر

فإنهم قالوا: إنها تزيد على التسعين شطراً، ولو أطلقت قوافيها لكانت كلها مفتوحة.

والخبء الآخر كونه جعل التي عرفته وعرفت به وشبهته تشبيهاً يدل على شغفها به هي الصغرى، ليدل بدليل الالتزام على أنه فتى السن إذ الفتية من النساء لا تميل إلا للفتى من الرجال غالباً وختم قوله بما أخرجه مخرج المثل السائر موزوناً، ولا يقال إنما مالت الصغرى له دون أختها لضعف عقلها وعدم تجربتها، فإني أقول: قد تخلص من هذا الدخل بكونه أخبر أن الكبرى التي هي أعقلهن ما كانت رأته قبل، وإنما كانت تهواه على السماع به، فلما رأته وعلمت أنه ذلك الموصوف لها، أظهرت من وجدها به على مقدار عقلها ما أظهرت من سؤالها عنه فحسب، ولم تتجاوز ذلك، أو سألت عنه وقد علمته لتلتذ بسماع اسمه من باب تجاهل العارف الذي توجبه شدة الوله والعقل يمنعها من التصريح، والوسطى سارعت إلى التعريف باسمه للعلم، فكانت دون الكبرى في الثبات الذي توجبه سنها وتوسطها، والصغرى لكون منزلتها في الثبات دون الأختين أظهرت من معرفته وصفته ما دلت به على شدة شغفها به، وكل ذلك وإن لم يكن كذلك فألفاظ الشعر تدل عليه.

ومن جيد أمثلة هذا الباب قول أبي نواس مجزوء الرمل:

قال لي يوماً سليمان وبعض القول أشنع
قال صفني وعلياًأينا أتقى وأنفع
قلت إني إن أقل مافيكما بالحق تجزع
قال: كلا قلت: مهلاًقال قل لي: قلت: فاسمع
قال: صفه قلت: يعطىقال: صفني قلت: تمنع

وإلى لطافة البحتري في باب المراجعة تنتهي الرياسة حيث قال خفيف:

بت أسقيه صفوة الراح حتىوضع الكأس مائلاً يتكفا
قلت: عبد العزيز تفديك روحيقال: لبيك قلت: لبيك ألفا
هاكها، قال: هاتها، قلت: خذهاقال: لا أستطيعها، ثم أغفى
للشاعر البحتري، من قصيدة «ونديم حلو الشمائل كالدي»

النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحرير التحبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.