من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)
باب التصرف
وهو أن يأتى من قوة الشاعر إلى معنى فيبرزه في عدة صور، تارة بلفظ الاستعارة، وطوراً بلفظ الإيجاز، وآونة بلفظ الإرداف، وحيناً بلفظ الحقيقة، كقول امرئ القيس يصف الليل طويل:
وليل كموج البحر أرخى سدولهعلي بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبهوأردف أعجازاً وناء بكلكل
فإنه أبرز هذا المعنى في لفظ الاستعارة، تم تصرف فيه فأتى به بلفظ الإيجاز، فقال: طويل:
فيا لك من ليل كأن نجومهبكل مغار الفتل شدت بيذبل
فإن التقدير: فيا لك من ليل طويل، فحذف الصفة، لدلالة التشبيه عليها، ثم تصرف فيه فأخرجه بلفظ الإرداف فقال طويل:
كأن الثريا علقت في مصامهابأمراس كتان إلى صم جندل
ثم تصرف فيه فعبر عنه بلفظ الحقيقة فقال طويل:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلبصبح وما الإصباح منك بأمثل
ولا شبهة في أن هذا إنما يأتي من قوة الشاعر وقدرته، ولذلك أتت قصص القرآن الكريم في صور شتى من البلاغة ما بين الإيجاز والإطناب واختلاف معاني الألفاظ، وشهرة ذلك تغني عن شرحه. والله أعلم.
النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع