تجاوز إلى المحتوى

من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)

باب النزاهة

وهو يختص غالباً بفن الهجاء، وإن وقع نادراً في غيره، فإنه عبارة عن نزاهة ألفاظ الهجاء وغيره من الفحش حتى يكون الهجاء كما قال فيه أبو عمرو بن العلاء وقد سئل عن أحسن الهجاء فقال: الذي إذا أنشدته العذراء في خدرها لا يقبح عليها، مثل قول جرير كامل:

لو أن تغب جمعت أحسابهايوم التفاخر لم تزن مثقالا

وكقوله وافر:

فغض الطرف إنك من نميرفلا كعباً بلغت ولا كلابا
للشاعر جرير، من قصيدة «أقلي اللوم عاذل والعتابا»

وكقول عمرو بن معد يكرب الزبيدي طويل:

ظللت كأني لرماح دريئةأطاعن عن أبناء حرب وفرت

وقال ابن الأعرابي: أهجي بيت وأمضه قول الشاعر طويل:

وقد علمت عرساك أنك آيبتخبرهم عن جيشهم كل مرتع
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «لعمرك ما آسى طفيل بن مالك»

ومن شواهد هذا الباب للمولدين قول أبي تمام:

مودة ذهب أثمارها شبهوهمة جوهر معروفها عرض

وقوله:

بني لهيعة ما بالي وبالكموفي البلاد مناديح ومضطرب
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «النار والعار والمكروه والعطب»
لجاجة لي فيكم ليس يشبههاإلا لجاجتكم في أنكم عرب

وكالذي قاله معد بن الحسين بن جبارة لرجل كان يدعو قوماً إلى سماع قينة له، ثم انكشف له بعد ذلك أنهم ينالون منها القبيح بسيط

ألم أقل لك إن القوم بغيتهمفي ربة العود لا في رنة العود
لا تأسفن على الشاة التي عقرتوأنت غاد بها في مسرح البيد

فانظر إلى هذه المعاني ونزاهة ألفاظها، وقس على ذلك.

وقد وقع من النزاهة في الكتاب العزيز قوله تعالى: " وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض، أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون " فإن ألفاظ الذم للمخبر عنهم في هذه الآية أتت منزهة عما يقع في غير هذا القسم من الهجاء واتفق في هذه الآية من النزاهة صحة الأقسام، فإنه لم يبق بعد قوله " أفي قلوبهم مرض " إلى قوله " أن يحيف الله عليهم ورسوله " قسماً من هذا المعنى

حتى ذكره، لأن المرض عبارة عن إبطان الكفر، والريبة والشك والتردد وذكر الخوف من الحيف، فذكر جميع الأقسام التي هي أسباب القعود عن الإجابة لحكم الله ورسوله، وحصل مع ذلك الافتنان، فإنها تضمنت فن الفخر بوصف نفسه ورسوله بالعدل مدمجاً في الإيغال الذي وقع في فاصلة الآية، فإن ملزوم قوله تعالى " بل أولئك هم الظالمون " وصفه ورسوله بالعدل، فاقترن التشكيك بصحة الأقسام، وأدمج الافتنان في الإيغال، فسبحان المتكلم بهذا الكلام.

النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تحرير التحبير»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.