من «تحرير التحبير» لابن أبي الإصبع (ت ٦٥٤هـ)
باب الافتنان
وهو أن يفتن المتكلم فيأتي بفنين متضادين من فنون الكلام في بيت واحد أو جملة واحدة مثل النسيب والحماسة والهجاء والهناء والعزاء.
فأما ما افتن فيه بالجمع بين النسيب والحماسة فكقول عنترة كامل:
إن تغد في دوني القناع فإننيطب بأخذ الفارس، المستلئم
وكقول عبد الله بن طاهر بن الحسين وافر:
أحبك يا ظلوم وأنت عنديمكان الروح من جسد الجبان
ولو أني أقول مكان روحيخشيت عليك بادرة الطعان
ومما جمع فيه بين تهنئة وتعزية قول بعض الشعراء ليزيد بن معاوية حين دفن أباه وجلس للناس بسيط
اصبر يزيد فقد فارقت ذا ثقةواشكر حباء الذي بالملك أصفاكا
لا رزء أصبح في الأقوام تعلمهكما رزئت ولا عقبى كعقباكا
وأحسن شعر فنن فيه بالجمع بين تهنئة وتعزية قول أبي نواس للعباس بن الفضل بن الربيع يعزيه بالرشيد ويهنئه بالأمين طويل:
تعز أبا العباس عن خير هالكبأكرم حي كان أو هو كائن
حوادث أيام تدور صروفهالهن مساو مرة ومحاسن
وفي الحي بالميت الذي غيب الثرىفلا أنت مغبون ولا الموت غابن
والأمثلة في هذا الباب كثيرة جداً. ومما جاء من ذلك في الكتاب العزيز قوله تعالى: " ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً " فجمع هذا الكلام بين الوعد والوعيد.
ومما جمع فيه بين التعزية والفخر قوله سبحانه: " كل من عليها فان ويبق وجه ربك ذو الجلال والإكرام ".
النص من طبعة لجنة إحياء التراث الإسلامي بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع