من «جيش التوشيح» للسان الدين ابن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
أبو الوليد يونس بن عيسى المرسي الخباز
عذب سبكه، وراق ترصيعه وحبكه، مع طبع في نظم الكلام سيال، وإلى الإحسان ميال، لم يعرف له في القراءة إدمان ولا إشراف، ولا اشتهر له إلى التعليم اختلاف، وأقدمه على الابتداع وترك التقليد، ذكاء أرهف فؤاده، وأقام في البديهة منآده، وهاك من توشيحه ما تجتنبه بديعا، وتحتليه صريعا، فمن ذلك قوله:
مطمعي بالوصال منه غداأين مني غد
عمري اليوم دونه نفداكاد أن ينفد
علم الله ما بسطت يداوأنا لي يد
جزعي قد أتى على صبريفحلا الموت لي ليتني مت أو فما عذري لِمَ لَمْ أَفعل
همت والمجد أن يُرى مثليهام في مثله
أجري فيه ومنتهى خيليكان من أجله
ما على من صبا من العذلحين لم يسله
عاذلي لو دريت ما ادريمنه لم تعذل ربما عنك قد خفي أمري طرفه فاسأل
لا تصخ للملام يا قلبيفي الجوى اللازم
فعليّ الوفاء في الحبلا على اللائم
ما أبالي أن انقضي نحبيفي أبي القاسم
هبه عزّ الوفاء بالعذر ذب أسى وأحملواجعل الذنب فيه لدلهر مهما لم يعدل
في ابن علي يأسر الحسنبالعلا والندى
كل مجد لمجده يعنوغار أو أنجدا
أي ركن إذا وهي ركنشاد ما شيّدا
همة قد سمت على النسر لم تزل تعتليويد تستمد من بحر بالندى الأحفل
هل درى من بحبه ذبتأنّ شوقي يطول
حال بي وده وما كنتأتّقي أن يحول
ليت أني به تمكنتساعة فأقول
حبلي حبل رقيق كما تدري ونخاف من يمليأيش ظهر لك يا حب في أمري
إيش تريد قله لي
يا من عدا وتعدى لو كنت أملك صبريكتمت عنك الذي بي فأنت تدري
وتدري
هيهات كتم الغرامصعب على من يرويه
وهَبْك أن ملامييديمه من يديمه
ماذا على المستهامفي الحب ممن يلومه
كفاه أن ذاب وجدا وأن أهيم بذكرففي الهوى والشحوب للصب أوضح عذر
آه من الوجد أهالو أن آه تريح
بلّغت نفسي مناهاوالحين مما يريح
ضرّ الأسى يتناهىفأن قلبي قريح
وأنثر من الدمع عقدا ودع جفوني تجريفربما عن قريب أبدال عسر بيسر
يا قاسي القلب ماليأطيل لهفي مالك
هذي صروف اللياليقد نازعتني وصالك
فمن يبيح الكرى ليحتى ألاقي خيالك
السهد لاشك أعدى عليّ من كل هجرفأردد منام الكئيب عسى خيالك يسري
يا منية المتمنيشوقي إليك عظيم
أذقت مرّ التجنيمن في هواك يهيم
كم كيف شئت فأنيعلى الوفاء مقيم
أدنو وأن زدتَ بعدا وليس آيس عمريفالشمس بعد الغروب تجلو الدياجي بفجر
لم تطعم العين نومامذ أعلنوا بالفراق
غداة أو ما من أو مامنهم إلى الانطلاق
فقات عَلَّيَ يومايقضي لنا بالتلاقي
نذرت لله عهدا صيام شهر وعشرلما أراك حبيبي ما بين صدري ونحري
أي ظبي غرير حوى كمال البدوروانثناء القضيب ونظرة المذعور
ما بين المعطفينالآن قلبي بلينه
فاتر المقلتينوالموت ملء جفونه
سافر الوجنتينعن وِرد غير مصونه
كم بذاك الفتور وحسن ذاك السفورمن شجيٍّ في القلوب ولوعة في الصدور
قد تعشقت ظالمافديه بالجائرينا
ردّ فيه اللوائمبحجة العاشقينا
خلّف القلب هائموصار في الظاعنينا
فقلت للنفس سيري وللنوى لا تجوريثم للجسم ذوب وللجوانح طيري
كيف فارقت عيسىوعشت بعد فراقه
بعت علقا نفيسابالبخس عند نفاقه
فأدرها كؤوساللصب من أشواقه
كم أطعت غروري لكل آمال زورلا أطيق الذي بي يا منية القلب زوري
آه مما ألاقيإذ عزّ ذاك اللقاء
ليس بعد الفراقللعاشقين بقاء
صبّ دمع المآقيفقد يريح البكاء
صب بغير نكير تلهني وزفيريذاك شأن الغريب وعادة المهجور
جدّ بالقلب وجدفقاده للحمام
ونفى النوم سهدفلات حين منام
ربّ حسناء تشدوغرامها كغرامي
.........فيا موضع الخرجة
قدّما يا زائرا أتىقد أكثرت لواذا فأهلا بك اهلا
دعنييا باعثا غرامي
أجنيجني اللثام
إنيكما علمت ظامي
أظمأ إليك ويلتاولو رأيت رذاذا لما استسقيت وبلا
عقليأضحى رهين خبلي
من ليأم كيف بالتسلي
خليقد استحل قتلي
ظلما فلو قد أنصتاسألناه لماذا أجاز القتل حلا
قلبيبما طوى مكمد
حبيّغرام لا يجدد
من ليسواك يا محمد
رحمى حتى إلى متىترضى لي بهذا فقال الحسن لم لا
أبدىملء الجفون حسنا
أردىبه فؤادا مضنى
أعدىعلي منه جفنا
همّا فهزّ مصلتاولو شاء نفاذا لأضحى الكل قتلى
بيناطمعت في وصاله
أدنىما شئت من نواله
غنىمفهّما بحاله
فيما يعشقني ذا الفتىولا ندري لماذا ولا نقدر نقل لا
برّح بي في الهوى اشتياقي فكم أذوبوهذه النفس في التراقي هل من طبيب
الله يا من به أهيمفعندي المقعد المقيم من رام يسلو فلا أريم
هذا غرامي عليك باقي عسى يثوبلا عذّب الله بالفراق غير الرقيب
يا شدّ في الحب ما لقيتدهيت فيه بمن دهيت أن قلت الحاظه تميت
ففي الطلا منه والتراقي محيا القلوبلا شيء أشهى من العناق إلى الكئيب
هندُ وإن شفَّ حبُّ هِندبدر غرامي وسرّ وجدي وأن عدا حبها ويعدي
عسى خلال الذي ألاقي من الوجيبأن يسمح الدهر بالتّلاقي عمّا قريب
بين رضاك وبين عتبكقد أمكن الشوق من محبك ما بي إلاّ علاقة بك
فأن يكن ذنبي اعتلاقي فلا أتوبولا لمن هام فيك واقي من الذنوب
من غاب في العيد عن حبيبهوجاء في ثوبه وطيبه فشدوه يظهر الذي به
ما العيد في حلّة وطاق وشمّ طيبوإنما العيد في التلاقي مع الحبيب
حثّ خمرة الكواس فالنسيم قد رقّاحين انجلى الإصباح وتغنت الورقا
وتبسم الزهرعن مباسم الدرّ
وترنم الوتروأتاك بالسحر
وأديرت الخمركسبائك التبر
وتجدّد الإيناس للسرور كي يبقىواستمرت الأقداح وتلاحقت لحقا
أنا بالظبا مفتونأنا بالظبا مغرى
مثل قيسها المجنونلا أفيق لا أبرا
وغرامي المضنونباح للورى سرا
فالفؤاد في وسواس من عظيم ما يلقىلا يقرأ ويرتاح دعه بالضنى يشقى
وبمهجتي تيّاهمن سلالة تكرم
جائر على مضناهلا يرّق لا يرحم
يا محمد باللهكم تجور كم تظلم
خل عن قلوب الناس قد أذبتها عشقاوفتكت بالأرواح يا حبيبها رفقا
حسن وجهك الأقمرقد سما على البدر
ونسميك الأعطرجلّ عن شذى العطر
وبخدك الأزهرروضة من الزهر
سوسن عليه آس خطّ فأستبى الخلقافإذا بدا أو لاح يسألونك الرفقا
ربّ غادة حسناشفّها تجنيّه
وفؤادها مضنيبغرامها فيه
أبصرته إذ عنّافشدت تغنيه
أنت يا أمير الناس أنك السلطان حقاأن تعيبك النصّاح زدت في عيني عشقا
نام عن لوعة الشجيطرف وسنان أدعج
آه من وجد ساحر للنجوم الزواهرليله دون آخر فاطلبوا ثأر ساهر
عند خدّ مدّبجبنجيع مضرج
كيف صبري وقاتلي دون حق وباطلمستلذ الشمائل جاء من أرض بابل
كمليك متوّجأتقيه وأرتجي
ولعمري أبو الحسن وجه بدر على غصنأن قلبي لمرتهن أنا أفديه من محن
ساحر الطرف أبهجعارض كالبنفسج
قد حكى الدرّ ثغره والد ماليج خصرهرشأ جلّ قدره قد سبى الخلق سحره
كفتاة بهودجذات عقد ودملج
مرّ بي في ثيابه قمر في سحابهيزدري من شهابه فجعلت السرى به
سيد صحب البنفسججي لعمك حبيبي جي
بين قلبي ولاعج الذكرخطرات مجالها صدري
أن شوقي على عاملم أقف فيه موقف الندم وبنفسي وأن أراق دمي
أهيف القد مخطف الخصرماحي العذل فيه بالعذر
بي لحظ للسكر عرض بيفشققت الفؤاد من طربي عجب وهو موضع العجب
مقلة أسكرت بلا خمرأنها آية من السحر
شفني الوجد والهوى سقماوهما يا أبا الحسين هما فإلى كم أشكو ببرح ظما
شائما برق ذلك الثغرأرتجي ذوب جامد الخمر
يا سمي الخليل خذ بيديليس لي في هواك من جلد آه من لوعتي ومن كمدي
أين صبري هيهات لا ادريضاع قلبي فضاع لي صبري
بأبي وهي غاية المغرمسائلي وهو بالهوى أعلم قلت والحب فيه لا يكتم
أنت في قلبي ثم دريت سرّيآش نقل لك حبيبي ما تدري
عنوان الهوى له دلائلمنهن دموعي الهوامل
طواني الهوى طيّ الوشاحفيمن وجهه بدر الصباح
ومبسمه ثغر الأقاحتجول فيه سلاف راح
أنا من هواه غير عاطلوالسيف تزينه الحمائل
أنا في هوى عمران تالفإذا ما جلا بيض السوالف
وهزّ أثناءه المعاطفرشأ جلّ عن تحديد واصف
للحسن بخده خمائلكانت قبل أن ترى مخائل
سباني الرشا أبو الوليدبخدّ ومقلة وجيدِ
ومبسمه العذب البرودِفيا لوعة الغرام زيدي
فيمن أن بدا فالبدر كاملومهما انثنى فالغصن مائل
أن كنت تحبه فدن لهلو جاد لصبّه بقبله
لم أر في الملاح مثلهغزال إذا أدار مقله
فأطرافها بيض المناصلوأهدابها سمر الذوابل
أيا سائلي عن انتقالعن حب غزال كالهلال
أي عاطل بالحسن حاليأن كنت تريد شرح حالي
ليس نعشق أنا إلاّ مواصلبشرط أن يكون مليح وعاقل
من لي بظبي ربيب يسطو بأسد الغياضلوى بديني لمّا أملته للتقاضي
جعلت حظي منهبين الرجا والتمني
لم اظهر اليأس عنهلما أطال التجني
بل قلت يا قلب صنهلديك عن سوء ظني
وأنت يا نفس ذوبي ويا مطيل اعتراضينفذّ بما شئت حكما أني بحكمك راضي
ما حال قلب لديكلا تنقضي حسراته
يشكو جواه إليكوليس تجدي شكاته
مهلا ففي راحتيكحياته ومماته
يا ممرضي وطبيبي بفيك برء المراضومنك قد ذبت سقما فلتقض ما أنت
قاض
يا من ينافر ظلمامن ليس عنه بصابر
ما ضر إذ ذبت سقمالو لم تكن لي هاجر
رفقا في منك ألمىوسنان ساجي النواظر
رام بسهم مصيب من الصحاح المراضيرنو فيرسل سهما والقلب في
الاعتراض
من لي بتفتير طرفهوألوت من لحظاته
أن مرّ ثاني عطفهفالحسن فيه بذاته
أو رمت إدراك وصفهأعيتني بعض صفاته
يجول لحظ الكئيب من خدّه في رياضلكن عن القطف تحمى بمرهفات مواضي
لله ظبية خدرقد روعت بالفراق
بنت ثلاث وعشرتسيل دمع المآقي
تقول في حال صغرلأنها في اشتياق
يا مَمْ مرّ الحبيب يمشي يرتاضعنى كفري يا مّما=عما الماضي
النص من طبعة مطبعة المنار بتونس، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع