من «جيش التوشيح» للسان الدين ابن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
الوزير أبو بكر يحيى الصيرفي
آية باهرة، ومعجزة ظاهرة، عرف إحسانه، وإصاب الغرض لسانه، بهرت أنوار أقسامه فاجتليت، وسطرت بدائع معانيه وتليت، مع تحقيق الآداب، واتساع في اللغات وحفظ الشعر والأنساب، مدح الدول والملوك، ونظم على أجيادهم تلك الدرر في السلوك، وله في الدولة اليوسفية مدائح لاختصاصه بأربابها وتعلقه بأسبابها، وهاك من توشيحه، أما تجتنيه، حين تجتليه، وتصطفيه، حين تقتفيه، فمن ذلك قوله:
طلعت من مباسم الزهرنزهة الأعين
وانثنت عن سلافة القطرأعطف الأغصن
يا صبا نبتها مع الفجرنفحة السوسن
بسلام الحبيب أقبلت فخذي مضمريثم أن أي عليه سلّمت فاذكري واذكري
هو قلبي عليه مصدوعيتمنى الدرى
والذي من لماه ممنوعهو يروي الصدى
كل وصل عليه مخلوعلو هجرت العدا
كيف لي بالوصل سلمت صاحب المئزرنحوه من لعاطش النبت بالحيا الممطر
بأبي من محمد بدرليس بالآفل
وجفون ثوى بها سحرليس من بابل
قلت والهوى عذرلك يا عاذل
فتكت بالأسود في الموت مقلة الجؤذروسطت بالمهند الصلت حيث لم يشعر
أنا في ذا الصدود مظلوميا وصال انظري
وانتهاء العجب معدومليس بالمقصر
وشتيت الجمال منظوملأبي جعفر
غصن دعص ذابل لحت وضحى نيرودجى لا يحد بالنعت حمله الجوهر
ملء عيني وحشو أضلاعيأدمع وجوى
قد دعاني إلى الهوى داعيفأجبت الهوى
أمَّن الله كل مرتاعمن حلول النوى
أنت يا مهجتي به همت فاحملي واصبريثم يا عين أنت أبصرت فأدمعي
واسهري
أثغور أم عقيق بلآل تحدقوخدود أم جنى الورد ما يشرق
ألبستني حلة السقمأيدي الهوى
وشكا قلبي إلى جسميحرّ الجوى
تحت ليل غائر النجموحف الصوى
أعربت فيه البروق عن فؤاد يخفقبجوى من ألسن الرعد ما تنطق
بأبي بدر ولا إلاّشمس الضحى
بدا وانجلى فما أعلىوأوضحا
وثنايا فيه ما أحلىوأفوحا
مزجت فيه الرحيق بنمير يعبقفإذا حيّا على البعد يستنشق
أنا مغلوب على صبريفما أنا
وحِبيّ دائم الهجرلن يحسنا
جملة من يانع الزهرلو تجتنى
ياسمين في شقيق جلنار مشرقغصن من جنّة الخلد مستشرق
يا قضيبا فوقه طلمن أدمعي
أخذت ألحاظك النجلما تدّعي
فلها قلبي وما تخلومن أضلعي
ما جنت عيني تذوق غير أني مشفقلفؤادي من لظى الوجد يحرّق
رشأ من ضاربي زيدمستأسد
أخذ ما شاء عن أيدمستعبد
أبداً يهيم بالصيدفيعبد
الغزال شق الحريق والسلاق ترهقما نرى الآن مرادي لم يلحق
جرر الذيل أيّما جروصل السكر منك بالسكر
وأخضب الزند منك باللهبمن لجين تحف بالذهب
تحت سلوك من لؤلؤ الحببمع أحوى أغرّ ذي شنب
أودعت كفه من الخمرجامد الماء ذائب الجمر
ذاك ضوء الصباح قد لاحاونسيم الرياض قد فاحا
لاتقد في الظلام مصباحاخلّ عنه وشعشع الراحا
حين تنهلّ أدمع القطروترى الروض باسم الزهر
نظمت جوهر العلا سلكاكف ملك يزيّن الملكا
ما برا اله مثله ملكالاح بدرا وفاح لي مسكا
كالحيا كالأماني كالدهركعليّ في الحرب أو عمرو
أب بحر وأي ضرغامأي رمح وأي صمصام
طاعن الصدر ضارب الهامبين كرّ وبين أقدام
مخلف البيض بالحلي الحمرومرويّ القناة في النحر
حينما لاح وهو مبتسمكهلال تحفه الديم
خافقا فوق رأسه علمغنت العرب فيه والعجم
عقد الله راية النصرلأمير العلا أبي بكر
روضة زبرجديه ونسيم يتبخترفي غلائل نديه أشربت مسكا وعنبر
سحب من لازوردوبروق من نضار
كلما أتت بوعدكحلت بمثل نار
فبكت من ماء وردفي خدود من بهار
أطلعتها في عشية لبة وعقد جوهروأرت في النهرجية لهبوب الريح تذعر
حبذا وجه وسيمنائب عن كل فخر
وخلائق تقومبمدامة وزهر
يشتكى منه النسيمرقة وطيب نشر
لزمت منه السجيه منظر وفاح مخبروثنته الأريحيه خوط بأن يتعطر
إنما الحرب الزبونروضة السد الحماة
حيث للقنا غصونأثمرت بالباترات
وألمير تاشفينفي ظلال خافقات
من رماح سمهريه تنظم الشكل وتنثربسيوف مشرفيه كل هامات ومغفر
بأبي بدر التماملا يعفيه الجمال
طالع تحت الغماممن لثامه هلال
الحياة والحمامفي يمينه سجال
ذو خلال يوسفيه ورثت عن ملك حميرعدلت على الرعيه وحظت بتاج قيصر
أطلعت من الطرادخليه مع الأصيل
مطلعات للهواديتتهادى بالصهيل
فانبرى الكل يناديوصف مرآه الجميل
يا حمى الملك عشيه وعلى الجواد الأشقرغرة الشمس المضيه تاشفين الله أكبر
من لي بقد كغصن الرند تم فأطلعبين البهار وروض الورد خداً مرصّع
أحبب بخدّ من النوارمفضض مذهب الأنوار
كأنه علم من ناربدا الدجى منه في الأزهار
وفي الثنايا مذاب الشهد والمسك أينعوذا وذا من جنى وورد يحمى ويمنع
من لي بقد كغصن البانتحت الغلائل بالرمان
لقد تذللت بالأشجانلعز ملك عظيم الشان
بمقلتيه حسام الهند بالهجر يطبعوفي الغلائل رمح القد بالطعن يشرع
وبأبي من بني زروالأهل السماحة والأفضال
بدر على غصن ميالمتوج بالمعالي عال
مقلد بسلوك المجد أغرّ أروعكأن ذكراه عرف الند إذا تضوع
ليث غزال هزبر غرله العلا والندى والفخر
أعوامه ستة وعشروالنهي في كفّه وألمر
قد حلّ حبوته في المهد مازال يرضعثدي المعالي ودرّ المجد حتى ترعرع
لولاك يا عمرو لم تَشْدُهيفاء طرّز منها الخد
حسنا وقال ذاك النهدلما شجاها الضنى والبعد
خبّل دلالي ومعك نهد طيرا مروعوأرشف رضابي وقبل خد إياك تجزع
تفاح الخدودنقل لراح الثغور
رمان النهودعلاج حرّ الصدور
وأغصان القدودمجني ثمار السرور
سؤل التمني ضمّ يفيد اعتناقاوهتك الستور هوى ظباء الخدور
من يهد سلاميإلى أمير الملاح
أو يشك سقاميعساه يبقي صلاح
فتحت اللثامروضي وروحي وراح
يا جنة عدن رعاك طرفي استراقافأصفح عن أسير جنى بوهم الضمير
أخضع يا رسوليإذ أتيت الجلالا
وأستسلم لسوليإذا علا واستطالا
واكشف عن ذهوليإذا استهل خيالا
في أثواب حسن راع القلوبوراقا كالروض النضير معنبرا عن عبير
قل عبدك يقضيوأنت سال عنه
داركه بقرضعساك تسلم منه
فالنظرة تقضيما لم تعد أو تخنه
لو قلت زدني صبابة ما أطاقاذكرى في الضمير لديك غير يسير
صدا واجتناباوما أردت نزوعا
أخذا واجتلاباوقد نويت الرجوعا
قتلا واستلابالما أتيت مطيعا
وأغلب ظني أني أموت اشتياقاما أبغي أميري جورا على المستجير
يا سرب الظباءلجّ الغزال الربيب
في سفك دمائيأما عليه ذنوب
وعزّ شفائيوهو الضنى والطبيب
وإذ غاب عني شدّ الغرام الوثاقافهل من مجير في حبه أو عذير
سأرمي بعزميإذا الزمان نبا بي
إلى ملك قرمرحب الذرى والجناب
كالبحر الخضمإذا ارتمى بالعباب
من ضرب وطعن يسقي المنايا دهاقابالبيض الذكور لصون الثغور
أسقنيها على رياض وجنات من الملاحإنما العيش والسرور لثم خد وشرب راح
قهوة تنتفي الهمومكلما شجها المزاج
كلل الشمس بالنجومفي سماء من الزجاج
اسقني بابنة الكرومكرم النفس بابتهاج
ليس من شربها اعتياض ومن الهم يستراحذي كؤوس بها تدور=في غبوق أو
اصطباح
بأبي من بخدهمثل ما منه في الفم
قمر عند سعدهفي قضيب منعّم
ثغره مثل عقدهأي ثغر ومبسم
ذي جفون له مراض تمرض الأنفس الصحاحوهي بالضعف والفتور تقتل
الأنفس الصحاح
يا غزالا تحكمافي حياتي بباطل
أنت أبكيتني دماحيث ما كنت واصلي
أنا أهواك كيفماكنت، لو كنت قاتلي
فأقض فيّ ما أنت قاض لا تخف بي من جناحأنني للقضا صبور والذي شئته
صلاح
كيف ليّ يا نائيهمنك بالوصل كيف لي
لم تذرفيّ باقيهبالجفا والتذلل
أعد الحكم ثانيهفعسى أن يرق لي
لاحمرار على بياض وقراح على أقاحمشرق زهره بنور مثلما يشرق الصباح
أنا أشقى وينعمذا الرشا القائد المليح
ليس يقضي ويحكمفي الهوى غير مستريح
نافر العقل لا يراض مخفر مكثر الجماحأن للحظ من فتور مثلما تقبض الرياح
بي أهيف القد كغصن الرند كاللهذميختال في البرد ينثني على الورد كالأرخم
قد ألّف الضدامن بدر ديجور وغيهب
غصن نقا أبدىنورا على نور مذهب
إذا بدا أبدىمن صدر كافور مكثب
تفاحتي نهد بطابعي ندّوعندم أطرافها تبدي أسنّة تهدي سفاك دمي
يا غصن ما أحلىجناك من صدر كالمرمر
يثني النهى إلاأعنّة الصبر من جؤذر
حلو اللمى حلىبنابع الخمر عن جوهر
ذي مبسم برد بالمسك والشهدمختم مفضض النهد مورّد الخد منعّم
ثوب الندى معلميختال في طرز من عسجد
لعابد المنعمذي الجاه والعز والسؤدد
تلك السجايا كمتتيه في عز مهند
كالوابل الرعد كالصارم الهنديكالضيغم كالبدر في السعد قد حفّ في المجد
بأنجم
من آل مرواننمته للفخر عليا هلال
ماء لظمآنيحميه بالسمر أسد نزال
كم بلّ من عانبجوده الغمر وبالنوال
فجنة الخلد وملتظى وقدجهنم وصولة الأسد ومسبل العهد بالأنعم
كم غادة غنّتفي طرفها السحر من شعره
تشكو وقد حنتإذ مسها الضرّ من هجره
قالت وقد جنّتلما بدا الدّر من ثغره
بكا له العقد لمألم السهد
مدا لحيا بسطا فالأرض لا تعرىحدائق سمطا تخترع الزهرا
الروض مرتابلما صفا وشيه
والنهر نشابحبابه حليه
تراه ينسابمنعطفا جريه
كالحية الرقطا التهبت حرّافحيث ما خطا عبابه مرا
لله من هبّاوقربه مسعد
تخاله قطبافي دارة الأسعد
في ليلة شهباسماؤها توقد
قد نظمت سمطا أنجمها الزهراوالبدر كالوسطى بلبة العذرا
قد جنحت خيليإلى أبي بكر
فلا إلى النيلولا إلى مصر
أما ترى ليليحيران لا يسرى
كأنما خطّا من ذيله مجرىوكلما شطّا جرّ الدجى جرّا
أنا بمن عنديأولى من الناس
أقدح من زنديخبل ووسواس
شرارة الوجديا حرّ أنفاسي
ربيتها سقطا حتى غدت جمراخوف العدا خطّا بلحظه سطرا
لهفي على موعدلم يقضه الدهر
علَّ الذي أرصدقد عاقه عذر
لذاك ما أنشدإذ عزني الصبر
محبوبي قد أبطأ من غيب البدراحتى لقد أخطا وأشغل السرّا
شق النسيم كمامه عن زاهر يتبسمفلا تصخ للملامه وأنصت إلى الزير والبمْ
حاكت على النهر درعاريح الصبا في الأصائل
وأسبل القطرُ دمعاعلى شقيق الخمائل
فأسمع من العود سجعاتشف منه الغلائل
ما رنمته حمامه من فوق غصن منعّمولا ادعته إمامه بنت الحسين بن مخدم
حيِّ النسيم بمنزلوزهر ورد أنيق
ونرجس الروض يخجلمنه بهار الشقيق
فقم إلى الدنّ وأقبلمنه سوار الرحيق
وفض منه ختامه عن مثل مسك مختمتكاد منه المدامه للشّرب أن تتكلم
سقى سلا كل غادِيجود حيا فحيا
قد سامحت بالأياديفأنشئت مثل يحيى
من فاز في كل ناديوصار في كل عليا
قرم بدا كأمامه ربيعة ابن مكدّمنداه ينشي زمامه في عصره المتقدم
لله يحيي فانيقد ما سمعت بذكره
والود يشهد أنيممن سررت بفخره
حتى رأيت التمنييختال في ثوب شكره
في حلة منه شامه بظاهر البشرمعلم متوج بالكرامه وبالسماح مختّم
قد جاءك المتنبيبديع هذا الزمان
يختال في برد عجببما حوته المعاني
يشدو ارتياحا فيسبيكل الوجوه الحسان
هذا المليح في العمامة لو أنه يتلثملقلت هذي غمامه ظلت على قمر تم
النص من طبعة مطبعة المنار بتونس، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع