تجاوز إلى المحتوى

من «جيش التوشيح» للسان الدين ابن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

الفاضل ذو الوزارتين أبو عيسى ابن لبون ﵀

محتد شريف سما في ذراه، فأمل جنابه ودراه، نطق بالسحر وفاه، الجد فيه والسفاه، وتشيحه وكلامه سهل المرام، بديع النظام، يرف عليه رونق الماء وطبعه، وأن لم يكن باعتنائه...، فجاء بما بهر، وعرف فيه إحسانه واشتهر، مع عذب الجنى، باهر السنا، وهاك من توشيحه نورا ينفخ، ولجة بالبديع تطفح، منه ذلك قوله:

ما بدا من حالي قد كفى عذّاليعاذلي لا تكثر في الهوى تعذالي
عذلكم يغرينيفانتهوا عن عذلي
كلفني بالعينزائد في فضلي
بعت فيهم دينيوأنا لم أغل
قط ما بالغالي للجمال العاليلو شراه المبصر بالتقى والمال
بابي فتّانلذّ فيه عشقي
صاغه الرحمنلامتحان الخلق
رمّب الإحسانفيه حسن الخلق
إيما هلال صار في كمالفوق غصن مثمر شغل كل بال
أن جفاني دهريفعماد الدوله
مالكي وفخريقد حباني طوله
وتلافي أمريقد حصّلت حوله
وكثير ذا لي من مليك عاليينصر المسنتصر بالشبا العوالي
فخر آل داووددونما إنكارِ
سادة هم بالجودوالتقى للباري
والوفا المعهودمنه للأحرار
رائع النزال قائد الأبطالثم لا يستكثر كثرة الأهوال
لا مني العذالفي وداد منذر
قلت يا جهّالليس فيكم مبصر
وقع الإخلالفيه فليستغفر
بالكبار إملالي دعني من علاليفي وداد منذر الرئيس الوالي
بمهجتي غصون رياحينتهتز فوق كثبان يبرين
أحبب بمثلها من غصونثمارها بدور وجون تلقيك في أسار املجون
ولو غدوت في النسك والدينكهازم الصفوف في صفين
ما العيش كله والصلاحإلاّ رنين عود وراح تديرها فتاة رداح
يجول بخدها كلما حينروض يفوق البساتين
لا شيء كالمليحة محياإلا امتداح من هو أحيا رسم العفاف والمجد يحيى
السيد الرئيس الميمونأعني الوزير حفيد المأمون
القادر المؤيد باللهالماجد المقيد الأشباه من طيب ذكراه في الأفواه
كالمندل كبنت الزراجينإذا تشاب بمسك دارين
يا طيب وقت وطيب زمانقطعته بطيّب الأماني والبم منشدٌ والمثاني
ودّعت فقالت بتحنينالله لك يا غريب يا مسكين
لا شيء أحلى من الوصاللا سيما حلوة الدلال
والرشف للبارد الزلالمن ثغر مستظرف اللئالي
وفاضح الغصن النضيربلا نظير
هويت حورية المعانيتذكّر الحور في الجنان
فحسنها آفة الحسانوهي غني لي عن الغواني
حظي بها حظ الميرمن السرور
كيف يلوم العذول فيهوالمسك والراح طعم فيه
وهو عديم بلا شبيهمذ لحظ الشمس لحظ تيه
وراش للظبي الغريرسهم الفتور
كم صدّها عنّي الحسودفلم يكن صدّه يفيد
أرادت الذي يريدفحبها حيث لا مزيد
داني المحلّ من ضميريبلا نكير
غبطها قرب من تجلّهفي كلّ حين ولا تملّه
بالمكث في موضع تحلّهفهي تغنّشي بما تدلّه
أقرطبه كان سديريلي الأمير
حب الحسان يا صاحبّي أضنانيلا تعذلاني فيهم خلعت عناني
الحب دينقد سنّ ترك الوقار
به أدينوقد خلعت عذاري
فما أهونفليس فيه من عار
ليس امتهاني على الهوى بنقصانففي الغواني نفاق سوق الهوان
ظبي إحِمّاتعنو إليه الأسود
جفاك ظلماوليس عنه محيد
رحماك رحمىإلى متى ذا الصدود
فجد لعاني ولو ببعض الأمانيفالموت داني أن دمت على هجراني
أفنيتُ صبراولم يزل ذا اصطبار
عبدت حرامستعبد الأحرار
باللحظ قسراولم يُقل باعتذار
فمن رآني على انحطاط لشانيففي إذعاني إليه أقوى برهان
من لا أسمّيمخافة الافتضاح
ردّ لجسميروحي بتحريك الراح
فنفى همّيبضرب ذي إفصاح
بلا لسان أن حرّكته العيدانعلى القيان يقضي بسكر الغيدان
فيا حياتيومنيتي أسعديني
بها وهاتيكاس الطلا وغنيني
قول فتاةشدت لبعد الحزين
ويحي جفاني مليح أسمر الأجفانعمداً براني بوصله وخلاّني
كم ذا يُعذلمغرى بهوى الغيد مجهد
يا من عذلاإليك فعذلي من العنا
لا أسلو ولاأستحسن ثوبا سوى الضنى
أنا المبتلىعفى الله عن كل ما جنى
ذليّ أجملوخلعي للعذار أوكد
علقت رشامن الغنج والهجر جنده
هظيم الحشاقد أينع بالورد خده
يزرني أن مشىبالحتف وبالغصن قده
ما يُمثَّلجمالاً وما أن يُحَدَّد
سلاب النفوسأمير قدير مسلط
الدرّ النفيسمن فيه إذا فاه يلقط
قمر للجليسوورد بمسك منقط
فما يُمثلإلا وترى السحر يسجد
حسبي أننيهون عليه وأخلق
ولا أنثنيعنه كيما يشفّ ويشفى
ولكننيفي رأي هواه موفّق
ليس يخذلمن طاع الهوى بل يسدّد
وخدود لهاريق شنيب طيب المذاق
إذا دلّهادنت من نجيّ ذي اشتياق
تشدو خلهاتدعوه للوصل والعناق
سمارك حلوأنده من شاربا لعدد
أمصباح نور بكفّ المديرأم ذائب عسجد أم سلاف يتوقد
أهدى لك ريّاهبوب النسيم
فحثّ الحميّاتجلّي الهموم
تدار عليّاكمثل النجوم
في روض نضير يزهو بغديربالريح تزرّد تهزّ سيفا مجردّ
رضيت الصَّغارفي حب الصِّغار
وبعت العَقارفي شرب العُقار
فأشربها جهارمن دون استتار
فسرُّ السرور في شرب الخمورووصل أغيد ناره خد موّرد
ألفت السقامامذ نافر حِبّي
هجرت المنامامذ واصل كربي
فجفني سجامامنهلّ بسكب
في حب غرير كفيض البحوردمع ليس ينفد سال من نار توقّد
يا بدر الكمالوغصن اعتدال
جدْ لي بالوصالولو في الخيال
ولترث لحاليوأمنن يا غزالي
بفكّ أسير بكم مستجيرفي الحب مقيّد لم يزل صبّا مسهّد
أدر خند ريساولا تصغ للواشي
وسلّ النفوسافسري غدا فاشي
وحثّ الكئوساوداد ابن شواش
صبّ بالكبير وأردف بالصغيروأشرب سرّ أحمد من غدا في الحسن أوحد
عصيت الّلومفي شرب الحميّا ووصل الرئام
فقل للعذولأقصر يا جهول عمّن لا يحول
بغير الهيامما يدوم حيّا وكذا الكرام
سباني رشاهظيم الحشا يبدي إن مشى
غصنا في ركامعليه محيّا كبدر التمام
معشوق يتيهعلى عاشقيه كم قاسيت فيه
لو يرعى الذمامومنّ عليّا ولو بالسلام
كم ذا يهجرُولا يشعرُ متى أضمرُ
فيه من غرامقد غزت اليّا أجناد الحمام
لا أنسى زمنغنّى فيه من أولاني حسن
ماشيت الغلاملابد كلّو ليَّا حلال أو حرام
شكا جسمي بما أتلف السقمُأنا أرضاه وأن أتلف الكل
فيا لهفيأموت كذا عشقا
ولا ألفيطبيبا لما ألقى
فيا إلفيإذا شئت أن أبقى
للّثم وما ضرّك اللّثمومن ريّاه يصحّ المعتل
سبى عقليوأعدمني حسّي
على نبليغزال من الأنس
يرى قتليوتعشقه نفسي
على الرغم كان حبّه حتمفيا ويلاه عزيز يذل
أنا عبدلمن انا مولاه
ولا ردّلما يشاء الله
رشا تعدوعلى الأسد عيناه
إذا يرمي فما يخطئ السهموما قتلاه من الرمل أقل
لاَبنُ أشرفعلى عذله خِلّي
ولم ينصفومال عن العذل
فما أنصفوما كان في حلّ
ففي الحكم بأن يعْذُب الظلموأن ترضاه إذا رضي الخلّ
وكم حَسنامرضت ولم تدر
زَرَتْ حُسناعلى الشمس والبدر
شدت حزنالمّا علمت أمري
عزيز مي كمد سيد يا قومترى بالله سم الاسم ندر لّو
ما حال العميدبين الهوى وبين التفنيد
مالي من مجيرمن أسهم العيون العين
دلت بغرورقلب المتيّم المحزون
وقامت تثيرعليه حتفه في الحين
فأين محيدلمن حتفه رقيب عتيد
وبي أهيفلا يستطيع حمل الردفِ
له مرهفلحظ موكل بالحتفِ
به أكلفولي على الهوى من وصفي
ثلاث شهودسقمي وعبرتي والتسهيد
أيا طاهريصبري لمقلتيك قد عيل
وعن ناظريصيّرت مدحي فيك إنجيل
في دفاترعنوانها هو إسماعيل
عن ذهن حديدلم يرض في هواه تقليد
فتى لم تزلأمداحه تزيّن الشعرا
له في الحملشخص منعّل بالشعرى
فأن لم أصلبوصله واصلت بالذكرى
في مجد مشيدأحله مقام التمجيد
ألقيت بيديوحقَّ الهوى أن يخضع
فخذ قوديمن لحظ مقلتيك أودَعْ
فوا كبديأم لم أصل ولا فأقلع
فاعمل ما تريدفأنت في الملاح أقليد
من أطلع البدر في كمالغصن اعتدال
بمهجتي شادن غريريجوز حكماً ولا يجير وما سوى أدمعي نصير
تفعل عيناه بالرجالفعل العوال
علّقته أوطف كحيليحسده الغصن إذ يميل تجول في ثغره شمول
يمجّ في نظمه لآلبرد الزلال
يا أيها العاذل الخليّبي من بني الليثي بابلي قلبيّ به مغرم شجي
عذلك عندي - إذ لست سالمن المحال
كم قلت لا أدّعي بحبهلطول إعراضه وعتبه حتى إذا لاح صبح قربه
أبديت من غرة الجمالذلّ السؤال
ما زلت أشكو له ببعدهحتى أرعوى حافظا لعهده كأنه ذا أتى لوعده
يختال في ظلمة الدلالطيف الخيال
لله يوما به نعمناراق أصيلا فراق حسنا عاتبته مازحا فغنّى
إياك يغرنك صرف رماليا قد بدا لي

النص من طبعة مطبعة المنار بتونس، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «جيش التوشيح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.