تجاوز إلى المحتوى

من «جيش التوشيح» للسان الدين ابن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

الوزير المشرف أبو بكر رحيم

شهاب نير الإشراق، وروض يانع الإيراق، سحر الألباب، ونظم من الكلام اللباب، مع كرم طباع، ومشى في طرق الجهود وامتداد الأيادي بأرحب باع، نظم الفقر، وبحث عن المعاني ومهر، وحسن أقسامه وكسا توشيحه رونقا ووسامة، رفع للطارقين مناره، وأوقد لهم باليفاع ناره، مع اصطناع الأحرار بالمنن، وقصد من الجود إلى أرفع سنن، وهاك من بدائع توشيحه ما يروق نشره، وينفح نوره وبشره، فمن ذلك قوله:

من صبا كما أصبوفهو للصبا نهب وأعلم أيها القلب
لو أذابك الحزن ما حييت لا أسلوأقض في الهوى عزمك لا يضرك العذل
وسباهم الحسن برحوا به قبلأنني أرى كتمك للهوى هو الذّل
قل لكوكب الحسنمنتهى المُنى مَنّي بالوصال أو مُنّي
فمتى ترى تحنو وطباعك المطلفهبني ولو حُلمك لا يكن به بخل
يا شقيقة القمرأرفقي ولا تذري مهلا هكذا خبري
فالمعاطف اللّدن واللواحظ النجلموت مغرم أملّك وحياته الوصل
ربّ غادة هويتفدشت وقد شقيت بالذي به بليت
الأسيمر أذن الخلّ مرقلويا طوبى لمن ضمًَّك قد نال المنى كلو

يا نسيم الريح أن عجت على ربّة القرط

أهدها مّني ريحان السلام على الشحط

وأعتمد تذكارها بالعهد والود والشرط

ثم يا غيث اسق داراً كنت أعهد بالسقط

فوقها للمجد والعليا مجد وتعريشطالما أغلب به لا نالها منك تعطيش

يا خليّ النفس لا تعذل فؤادا شجيّا

هل ترى ما صنع الحب على عزّتي فِيّا

صّيرت أيدي الضنى جسمي بلا رقّة فَيّا

فاتركوا، لازال ثوب السقم وقفا عليّا

أن عذل الصبّ أغراء لديه وتوريشما عليكم أن متّ وجدا، هنيّا لكم عيش

اسقني، لا عذر لي أن لم أمت خالع العذر

في الملاح الخرّد العين الكعاب والخمر

ما أرى يصرف عذلي بعض ما قد طوى صدري

لا ولا أستطيع أن أسلُ ظبيا مدى عمري

والضنى نمّ على جسمي وقلبي مدهوشكيف يسعى طائر يا قوم ليس له ريش

بأبي عاطرة الأردان ساحرة الطرف

كاعب مائلة الزّنار منعمة الردف

حملت من كل حسن ليس تدرك بالوصف

بدر تمّ حفّه ليل من الشعر الوحف

تحته وجه من السوسان بالمسك مرشوشأن الحسن تنميق وبشر وترقيش

عاهدت بل حلفت ألاّ تقيم على العهد

فشكت ذاك وقالت سألتك بالود

فارتشفت الشهد من فيها وملت إلى النهد

ثم عادت عطفت حنّت فزارت بلا وعد

من عردس باصنت كان يعرد باسالعلاله بحط ست أطوطد مبروس
هزّ ارتياحي راح براحيمسكية الأنفاس سحب الوشاح
ما لذّة الدنياإلا كئوس
سلافة تحيابها النفوس
تديرها سقيالنا شموس
في روض راح غضّ النواحييهديك عرف الآس مع الرواح
يا شادنا أحوىرفعت أمري
إليك والشكوىعنوان صبري
لا تخش أن أهوىسواك عمري
أنت اقتراحي من الملاحأغنى عن النبراس ضوء الصباح
أهواك للفضلوللعلاء
وذلك النبلمع السناء
والمقل النجلوهن دائي
مرضى صحاح تبري صراحلا تنسني يا ناس وَرِشْ جناحي
صلني يا خلأخشى تلافي
والموت في الوصلمع العفاف
وليس من قبلولا ارتشاف
ثغر الأقاح على السماحلذي العلا من باس ولا جناح
لا أنس ما عشتيوما شربت
مع من به همتيوما فقلت
حين تناشيتوقد طربت
باله يا صاح در كأس راحودع كلام الناس مع الرياح
كم بالكثيب من غصن نضر يكاد في الوشاحينقدّ إذ يميس على دعص مهفهف

رداح

غصن سقته أندية الحسنهامية الصَّبا
هبّت على معاطفه اللّدننواسم الصبَّا
أحبب به وأن لم يكن يدنيصبّا به صبا
كم بتّ فيه على ذعر أراقب الصباحليل كعكسه حالك القُمص يقول لا براح
العذل في الصبابة لا يجديفليقصر العذول
بالسيد الموشّح بالحمدقد أُوضِح السبيل
ملك قد اقتفى سبل الرشدمُهْدٍ به دليل
في السلم باسم واضح البشر ليث لدى الكفاحكم جحفل للقياه ذا حرص حماه

مستباح

أبو عليّ السيد الأسنىذو المنظر الوسيم
من جلّ في السادة أن يكنىعن مجده العظيم
لله جوده فكم أغنىفلا يرى عديم
ضاءت بنوره غرّةُ الدهر فقل ولا جناحفالفكر لا يحيط ولا يحصي آلاءه

الفساح

لله منه في بارقة الحربأقدام ضيغم
والنقع من سنا بارق القضبينهلّ بالدم
كشفت فيه ما عرا من خطبعن كل مسلم
يختال بين ألوية النصر جذلان ذا ارتياحبدر حوى الكمال بلا تفص... مباح
لله مهرجانك في الهندوحلبة السباق
وسابق المضمّرة القودقد همّ باللحاق
وقول غادة كاعب رودتشدو على وفاق
ما هزّ للردينية السمر ولا انتضى السلاحمثل الأمير نجل أبي حفص الوارد

السماح

نسيم الصبا أقبل من نجد

لقد زادني وجدا على وجد

يا ريح الصبا بالله دارينيبعرف شذا مسك دارين
ووصف رشا بالهجر يبرينيوسل باللوى عن كثب يبرين

هل استوحشت بالنأي والبعد

وما صنعت بثينة بعدي

لئن هجر الشادن أوطانيوصعب العزا في النأي أوطاني
وضاقت بهجر الحب أعطانيوضّنت بما في الحب أعطاني

فيا عاذلي عن عذلي عدّ

فما حب ذا الحب قد يعدي

حمام اللوى بالنوح أرشانيبقمرية ناحت بورشان
تهيم به وهو لها شانيفقلت لها شأنك من شاني

وسعدك يا ورقاء من سعدي

وفي كل واد من بني سعد

بنفسي الذي قد بزّ أشرافاوحازت به الأيام إشرافا
أيا ابن سعيد سدت إيلافابذلت لهم جودك آلافا

أجريت إذ سميت بالحمد

وقمت من المهد إلى المجد

حبيب بدا مذ بدا أنسانيعلى أنه أسكن إنساني
غزال عن التعنيق أغنانيوأنصف إذ زار وغنّاني

لأي قصّة وحدك وأنا وحدي

كما بتّ عندك حتى تبيت عندي

أسهم عينيك فللت غربي

عقرب صدغيك أودعت قلبي

جرحا نبا عن علاجه طبي

فمن مجيري من لدغ صدغيكأو سهام عينيك

أنا قنوع من المجبينا

أرضى من الوصل في الهوى الدونا

ليس مرادي ما لا تريدونا

حسبي نيلا تقبيل كفيكوالتماح خديك

بكل ما ترتضيه لي أرضى

طوعا لتلك الملاحظ المرضى

فأن تشا عند وطئك الأرضا

جعلت خدي نعال رجليكقبل بساط نعليك

دعوتني دعوة إلى أجلي

بسحر تلك اللواحظ النجل

وها أنا طائع لأمرك لي

فأجرني مُنيتي حنانيكإذا جئت لبيك

أجفاك عني فزاد في سقمى

كل بغيض يحب سفك دمي

فلو تسمعت ما عدا كلمي

قد منعوني المجيء إليكوأحزني عليك
أيا عبرتي جريا ويا كبدي ورياويا قلب لا بقيا ومن عجب الدنيا
قلوب منحلةمع الدهر منهله
أيا غرة الشمس ويا منية النفسويا ظبية الإنس وريحانة الأُنس
أترضى الذي حلهبثوب الضنا حله
شكوت فلم تشك وقالت لما تبكيإذا كان ما تحكي ولم تك ذا أفك
ستعثر بالذلهوتقنع بالقله
فقلت سيكفيني أن أصبر للهونوأقنع بالدون ولو أن تمنيني
مواعيد معتلهأداري بها غله
فقالت لكي تصبي وتقدح في قلبيتعرّض بالحب لمكتئب صب
كن هو أنت الغلهترى ستري ذله

من لقلبي بإدراك الوصال

وهو من أوجاله في اتصال

أي قلب بجوا الحب صال

قلق مما به من وجيبمذيب للمشوق الكئيب

والذي أهواه سالي الفؤاد

ليس يدري بلذيذ الرقاد

ما أقاسي من اليم السهاد

أي ظبي ناظر كالمريبربيب ليس بالمنيب

ولمدحي في ابن عبد العزيز

شرف عال بلفظ وجيز

غاية المدرك حسب المجيز

هاك خذها تحفة من أديبأريب المعاني مصيب

يا أبا الأصبغ مني إليكا

مدحا مظهر حبي لديكا

وثناي من قديم عليكا

نعم للقول بلفظ غريبقريب للمعاني مصيب

وفتاة ذات حسن بهي

أعربت عن منطق أعجمي

تتقي منع الجمال السني

لمرني أو كدش دبيبحسب سم بغا درد مسيد
أبي أن يجود بالسلام فكيف يجود بالوصالمن كان تحية الوداع منه نظرة إلى

الجمال

أنا هو المتيم المعنى

أناب إلي أو تجنى

يروقك منظراً وحسنا

كالغصن النضير في القوامكالبدر المنير في الجمال
يروقك وهو ذو ارتياعكالليث الهصور كالغزال
تذكر عهديَ يا ملولوقد أخذت منك الشمول فجاد بزورة بخيل
أتى حين عب في المدامكالغصن أماله الشمال
ينثني بين لين وإطلاعفمنه انثناء واعتدال
محمد عبدك المنيبيدعوك وأنت لا تجيب لقد شقيت فيك القلوب
فسهل الهوى صعب المرامهي الشمس نيلها محال
تلقى العيون بالشعاعلمنعها من أن تنال
ألم يئن أن يلين قلبكويلتذ بالكرى محبك فلو أنه ينام صبك
ويجتمعان في المنامقنعت بذلك الخيال
من بات بذلك الاجتماععلى ثقة من النيال
يفوق سهما كل حينبما شئت من يد وعين وينشد في القصتين
خلقت مليحْ عملت رامفليس نبقى ساعة دون قتال
ونعمل بذي العينين تاعما تعمل يدي بالنبال
يا مدير كأس العقارقد جلوت نور الأنوار للأبصار

هم بها كؤوسا تدار

فتكاد تغشي الأبصار

وطلا بها الدن والقار

عجبا لرامي الجماركيف لا يخاف على القار من النار

ما عسى أخاف من اللائم

كما تمثلت للنائم

زارني خيال أبي القاسم

مرحبا بطيفٍ زوارلم يزل يهيج أفكار وتذكار

بأبي وأمي أفديه

شادن تقول تثنيه

للقضيب إذ مال يحكيه

القلوب طاعة أشفاروتلوح شمس النهار من أزرار

هذه دموعَي أسرابا

اتخذت وجهك محرابا

أخطأ الفتى أو أصابا

ما عليّ في الحب من عارأن يكون خلع العذار من أعذار

ورشا خضعت لسلطانه

وشقيت دهراً بهجرانه

قال لي بينه عن شانه

لا يطول عليك انتظارأن أردت تدري أخبار فمن داري

النص من طبعة مطبعة المنار بتونس، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «جيش التوشيح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.