تجاوز إلى المحتوى

من «جيش التوشيح» للسان الدين ابن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

الوزير الحكيم أبو عامر ابن ينق رحمه الله تعالى

اشتمل على البدائع واحتوى، وركب على مهرة الإجادة واستوى، وشعره رائق المحيا والأقسام، مسفر والوجوه الوسام، إلا أنه قليل المادة في التوشيح، يسير السبك له والتوشيح، له في الطلب قدم سابقة، ويد فيه سائقة، وله في الرد على ابن غرسية رسالة أعجز فيها وأبدع، ونظم فيها البدع، مع ماله من رسائل تروق ترصيعا وتقسيما، وترف بروض الكلام نسيما، وقد أتيت من توشيحه ما يزدهيك سرورا وتجتليه نورا. فمن ذلك قوله:

فتكت بالعميد إلحاظ تلك الغيدوانثنت كالصعاد تهتز يوم الطراد
رحن بين الرباطمشي القطا المبهور
كالعوالي السباطمهفهفات الخصور
كالظباء العواطيأو المها المذعور
يثنين وشي البرود على غصون القدودوهن ذات تهاد ثني القنا المنئاد
صاح عج بالكثيبوحيّ فيه مواقف
من عاطرات الجيوبتبض نبض الموالف
واضحات غروبتزهي بحلو المراشف
أيّ ريق برود لحر صب عميدما يصد الغواد تُصَدُّ عنه صوادي
كم بباب الوراقمن مهج سائلات
بظبا الأحداقمن ظبية ومهاة
هن حج العشاقومنك القينات
كم قتيل شهيد هناك أو مصفودما له من مفادي وسل بذاك فؤادي
رحت يوما إليهوللهوى أسباب
تتهادى لديهكواعب أتراب
وعلى أجرعيهمن الدمى أسراب
كاعبات النهود مضرجات الخدودهن بين انقياد إلى الهوى وعناد
وبسرب الظباءحوراء ذات دلال
أختها في السماءتبدو وذي في الحجال
أعرضت لعنائيوظلت أشدو بحالي
سمره كم ذا الصدود بالحُرمه يا ست جوديسمره في وسط واد ثم سلبتني

فؤادي

هل الوجيبإلا كما أجد
قلب يذوبولوعة تقد
ولي حبيبمحله الكبد
يدري الذي بي ويكتم الحال علماوما نصيبي منه سوى الهجر قسما
يا من أناديمن فرط بلواه
هل أنت هاديمن ضلّ مسراه
رعت فؤاديلا راعك الله
تذكي وجيبي وتتلف الجسم سقمامن للكئيب أن لم يكن منك رحمى
ما كل سؤددإلا أبا بكر
ليث ممجدمؤبد النصر
إذا تشددفي راحه الظفر
ناء قريب كالشمس نورا وعُظماخَطّ بطيب من ذكر علياه نمّا
ملك لديهمعاقد الأمر
لاحت عليهمخائل النصر
فأنظر إليهتنظر إلى البدر
كذا الخطوب ضلت ولم تبد عزماسهم الوثوب كالدهر حربا وسلما
يا أهل وديشفني البعد
ما مثل وجديلعاشق وجد
ولا كسهديلغادة تشدو
هجر حبيبي وزادني هما مَمّاآش كان ذنوبي فليس لو من هجر إثما
يا حادي العيس بالرحال عج بالطلولوسل بها الأربع البوالي أين الخليل
حثت به البزل والعشاريوم النوى
يا هل له بالعقيق دارأم باللوى
أمّنه بالوابل القطارحيث ثوى
وجاده الغيث بانهمال كل أصيليحدوه من نفحة الشمال ريح أصيل
كم شفني منه بالصدودظبي ربيب
يميس في معلم البرودمثل القضيب
لو علّ من ريقه البرودقلب الكئيب
شفا الذي بي من اعتلال ومن نحولكما شفت ريقه الغزال كالشمول
أحبب به رائق المحياحلو اللمى
جيّش جيش الهوى اليّاعرمرما
وصال من نخوة عليّافأكلما
بمقلة تزري بالعوال وبالنصولتراه في السلم والنزال بها يصول
قد عطل السحر والنصالابمقلتيه
واطلع الشمس والهلالافي صفحتيه
والسلسل الكوثر الزلالامن مرشفيه
أبدعه الله ذا كمال لا يستحيلقد جل في الحسن عن مثال وعن عديل
لما بدا السَفْر بالنياقوإحتملوا
وأجهش الركب للفراقوارتحلوا
شدوت والدمع بالآماقينهمل
يا حادي الركب بالجمال عرّس قليلعسى ترى مقلتي غزال قبل الرحيل
في ابنة الدوالي مع الخرد العينجملة المسره وعز بلا هون
أشرب العقارامعطرة النشر
وأخلع العذارافي ممشوقة الخصر
وبع الوقاراوما أنت في خسر
فهو الجمال فلست بمغبونقد تقال عثره بفتنة مفتون
بأبي كَعُوبحورا من الحور
تطلع الجيوبمنها بدر ديجور
قدها الرطيبينقد الخيزور
مال في اعتدال وهنا من اللينعطفه وجوره على كثب يبرين
لذ من الزمانبالجود من الندب
فهو ذو بيانمثل الغيث في الجدب
غاية الأمانفي معترك الحرب
كعبة النوال فيها للمساكينحجة وعمره من عز وتمكين
إنما عليُّمن محجة الفضل
طاهر زكيفي الفروع والأصل
ما جد أبيماضي العزم والنصل
ضيغم النزال له في الميادينحملة وكرّه ليث غير مأمون
كم سطا وصالافي الحرب على الأسد
ونداه سالاعلى القرب والبعد
فالجميع قالافيما حاز من مجد
سيد المعالي للدنيا وللدينكاشف المضره علي بن حيون
من لي بشكواكوكتمان حبي أضرّبي وأغراك
أرضى لعيني جناية عيني أن يدنَ حيْنِيفما حان حِنِي برا بدني مخضوب

اليدين

كالبدر يغشاكبنور تهادته أنجم وأفلاك
يا جيد ريم وعين مهاة روح النسيمبعرفك آت كم من سقيم يشكو شكاة
سقته عيناكمن خمرة ما أبت به ثناياك
خذني بذكرك معمور الضلوع وما يسركقلبي بالمبيع من لي بز هرك يا روض

الربيع

أن تجف مرآكفقد وصفت السن الرياح ريّاك
يا من ودادي عليه مضمون أما تدريفليس يكون هذا فؤادي لديك رهين
الله أعطاكما شئت من القلب فالجمال ولاك
تفديك نفسي وبالكل أفديك أبلى برمسيولست أسميك ذكراك أنسي فكيف

تناسيك

وكيف ينساكمن شخصك باق بقلبه وذكراك
بارق سرى فأومض مثل ما قدحت زنداترك الظلام أبقع وحواشي الأفق وردا
لم ينم حتى الصباحخافق خفوق قلبي
والهوى صافي الجناحفوق غصن النبت رطب
هاج من بعد ارتياحفسقيت الكأس صحبي
وإذا الغرار أغمض رعته بالشرب قصداونسيم الفجر يرفع عنه ذيله المردى
هاتها صفراء صرفامثل لوني واعتقادي
عطفت للساقي عطفافي وشاح أو نجاد
كلما ثُقّل خفّافي معاطاة الوداد
أخلص الهوى وأمحض وصفا وداً وعهدافإذا حياك أطمع وإذا سقاك فدّى
بأبي بكر فيه نوحقصرت عنه ألماني
الهوى فيه طموحغصن حلو المجاني
راح في عطفيه روحأنا أهوى مذ رماني
فوقه القلب تنفض سوسنا غضا وورداثمر الغرام أينع لوعة فيه ووجدا
راق خَلقا رقّ خُلقافهو معدوم الشبيه
ليتني لو كنت نطقاكارعا في عذب فيه
فأرى الكوثر حقاوأنال الرّي فيه
جنة العشاق فرض مقلة وسنى وجيداغير أن الخلد يمنع لا ينال الصب خلدا
ألعس اللثات ألمىلو رشفت من نميره
فك عن قلبي المعمىودرى ما في ضميره
قلت للرقيب لّماحثه لي مستديره
يا رقيب نفسك تبغض وتريد أن تكسب أعدالاش تكون بأني مُصرع ما تخله

ساعة يهدا

شِمْ ذائب العسجدفي رقة الآل إذ يرمق
شعاعها الشَرْبتخالها شعلهْ لا تحرق
الورق في الأشجارفي الروضة الغنّا صوادح
غنت لنا أسحاروالزمر والمثنى مطارح
وغنت الأطيارفعاشق حنّا ونازح
كأنها خرّدتشدو بآصال تشوّق
أدوارحها حجبمن باطن الكلهْ تستنطق
وبأبي المىسكري بعينيه من الحور
بنظرة تدمىأزهار خديه من الخفر
ناديته لمّاسطا بجفنيه على البشر
لحظك قد عربدمن غير جريال تعتق
دمي لها شربوهل دم الفصله ترمق
جلّ الثنا وأكْسُمن حلل الأشعار زينَ الملوك
ما أن له جنسفي الحظ والمقدار أن شبهوك
فإنك الشمسأن لحت للأقمار وأبصروك
خرّت له سجّدبدور إجمال إذ تشرق
وانقضت الشهبوقبلت نعله لا تسبق
يا طالب الرزقهل لك في زوره تروي الصدى
أقصد إلى الشرقويمم الحضره الأمجدا
مؤمن الطرفالواضح الغره السيدات والسيدا
ولذ به تسعدبنيل آمال ويُحدقْ
بربعك الخصبحتى ترى محله ماأروق
الموت مرهوبفي نصله الهندي من نصله
والقرب مشروبقد شيب بالشهد في ظله
والشاة والذيبيردن في ورد بعدله
حتى الظبا الشرّدبقرب أشبال لا تفْرق
والآل والسربقد ألفوا حوله لن يفرق
مرسيّة تجلىبالسيد الأعلى أبي علي
قد بسط العدلاواليمن والأمنا منذ ولي
فألهج الكلاّمن نظم المعنى نظم الحلي
أما ترى السيدفي المرتقى العالي لا يلحق
كأن له الغربإذ حازه كله والمشرق
كلني لوجد أثارفي قلب صب مستهام تذكارا
تأجت منه نارهبت بها ريح الجوا إعصارا
حسب الهوى أننيراض بما يقضي به
أقضي فلن ينثنيبالبعد عن تقريبه
لئن خلعت العذارفقد أقمت الملام أعذارا
أبانها في عذارخطت بها أيدي الهوى أسطارا
لله يوم الحمىإذ وصل سعدي مسعدي
لا ورد إلا اللمىأحبب به من مورد
يا بحر وجد طمابذكر ذاك المعهد
حيث الليالي قصارتخالها عند التمام أسحارا
شطت وشط المزارلما أجدوا للنوى تسيارا
بانوا وأني علىما عهدوا مستوثق
فليس مثلي سلابالبعد عمن يعشق
كأنهم بالقلىنجوم ليل تشرق
عهدي بهم والقطارتجري بهم تحت الظلام أقمارا
ما أن لها من سرارنأوا فأدنوا للتوى إعمارا
إليه منيَ الوفالا أبتغي خلا سواه
ولا أبيح الصفاإلا أبا عبد الإله
سليل من بالصفاأجاب ربي دعاه
فقل مفيض بحاركفيه لأجود الغمام إكثارا
كم مستجير أجارأعطى فأفنى ما حوى إيثارا
يا بطشة أطلعتأقمارها بالمغرب
لله ما أبدعتمن كل حسن مغرب
سلالة جمعتفيها سجايا يعرب
سبحان فيهم يحارأجروا ينابيع الكلام أسحارا
فلليراع افتخارابهم على سمر اللوا إكبارا
يا نخبة الحاج لاعدمت ما أوليته
كم منزل أمحلابالجود قد أمرعته
يا قاصدا أملابلغت ما أملته
عرج بسبته دارضمّت على جيد الكرام أزرارا
وأطلعت للفخارلمن بمثواها ثوى أنوارا
سراج عدلك يزهر قد عمّ كل العبادونور وجهك يبهر سناه للخلق باد
أنت العزيز الأبيوالملك ملك الأنام
أنت السراج الوضيوالبدر بدر التمام
ليث إذا ما الكميقد هاب روع الحمام
لله ليث غضنفر تلقاه يوم الجلادقد سلّ سيفا مشهر على رؤوس الأعادي
تملك الكل رقاملك كريم النجار
ومدّ للخلق سبقاإلى أعالي الدراري
وسربل الجود طرقاكما أرتدي بالفخار
وما جد عنه قصرّ في الجود كعب الأياديبناظر الحق أبصر إلى سبيل السواد
أدر كؤوس الرحيقفالدهر راق جمالا
من كل ضاف عتيقيسح ماء زلالا
أرى رياض أنيقوالغصن ماد ومالا
والمزن سحت بأعطر سحا كفيض الغوادإراحة الملك تمطر إذا بليل الأيادي
أيا سمي الخلالأني حثثت النياقا
من عند ملك جليلإلى علا يتراقى
إلى مليك أصيليحلّ سبعا طباقا
وما أرى عنه مصدر حللت منه بواديمنه نوال تفجر من كف ملك جواد
يا من تأوّد غصناغذاه ماء النعيم
حقا لَقَدْرُكَ أسنىمن كل ملك زعيم
قد فقت للبدر حسنايا ذا المحيا القسيم
يا حبذا منه منظر بالنور بادٍ وهاديكأنه الصبح أسفرْ على جميع البلاد
يا كبد كلها قروحويحك ما تنقضي الشجون
كم هاجها للنوى صدوحأنّ ولم يدر ما الأنين
يا طائر البان كم تنوحولم ترق عبرة الحزين
أفديك من طائر مُدَنّيتهفو بأفنانه الرياح
وافي على فرعه يغنيوالليل مغدودف الجناح
لله بدر إذا تجلىّنمّت عليه المحاسن
سدّد من مقلتيه نصلاما استودعته الكنائن
يا عاذلي في الملاح مهلافكل ما حان حائن
عيني جنت لوعتي وحينيوما على العين من جناح
دعيني لحيني أفديك دعنيفأن حين الوفا مباح
يا مقلة الدهر ويك غضيعن بعض أيامنا الأول
إذ ليّن الروض دون غمضكأنه شارب ثمل
وينثني بعضه لبعضكأنه يعرف الغزل
يا وجنة الروض لا تحنيواستقبلي مبسم الأقاح
هل كان إلاّ سُلاف مزنلا تحسبيه سلاف راح
يا منية الصب أن تمنىهل لي إلى الوصل من سبيل
الله يا ظالما تجنيفي مهجة شفها الغليل
أبيت في حالتي معنّىأخفي ويلحاني العذول
أسيء إلينا يا كل حسنأن لم يسوء فيك لاح
أن نلت من وصلك التمنيفليس لي غيرك اقتراح
أسرفت في التيه يا بديعهوأنت في الحسن أبدع
بعت رشادي وتلك بيعهلمثلها النفس تنزع
فاستمعي أن وجدت ربيعهمني سأسمع
إلى متى الحب يتّبعنيأفنيت عمري على الملاح
مر الهوى مر مر عنيلعل نرقد ونستراح

النص من طبعة مطبعة المنار بتونس، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «جيش التوشيح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.