من «جيش التوشيح» للسان الدين ابن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
الوزير الأجل الحفيد أبو بكر ابن زهر رحمه الله تعالى
بدر أشرق منتماه. وراقت في المجد التليد سيماه. وتبوأ من السؤدد أجل محل وأسماه. وأبدع في التوشيح وأغرب. وسهل السنن إلى المعارف وقرب. فجاء توشيحه يرف رونقه ويشف ألقه مع سهم في الطلب وافر. وطبع فيه غير متنافر. لسلفه السابقة التي لا ينكر إبداعها وإعجازها. وجده أبو العلا اختص بالدولة اليوسفية وانفرد فيها بطب ملكها. حتى اشتهر لذلك بتملكها. فأعلت مجلسه وأدنته. وأقطعته ما شاء من الرفعة وأسنته. وكان طبيب الأندلس قاطبة وله في الطب نوادر مشهورة. وآيات بالإعجاز مذكورة. وهاك من توشيح حفيده المذكور. ما ترتاح له النفس...
حسب الخليع ملجا روض على غديروقهوة مداره أنفاسها عبير
صفراء بنت دنبالنور تطّلعْ
ينشق كل دجنعنها وينصدع
إبريقها يغنيوالكأس يستمع
ولا تزال ترجى للحادث النكيرللهم أن إثاره بين الحشا مثير
هل الكؤوس راحهإلاّ لذي بلابل
يا واحد الملاحهبعد ابن راحل
هذي النوى مباحهفأحفظ وسائل
ما للكئيب منجي إذ بات في سعيرقلب يشب ناره في ادمع تفور
قد ملت كل ميللجانب الصبا
ويل واي ويللكل من صبا
أعيا على ليليشرقا ومغربا
كواكب ترجى تزاحف الكسيرفهن في استداره والليل كالأسير
ملك له جنودمن طرفه الكحيل
ألحاظه ترودفي هذه العقول
من ريقه البرودوخده الأسيل
راح تقل ثلجا كالدر في النحورونور جلّناره في سوسن نضير
لما نأيتَ عنيوبت مكمدا
عللت بالتنميقلبا مفرّدا
وإذ قربت منيغدوتُ منشدا
بشّر في كل من جا بإقبال الوزيرويمضي من بشاره ما يعطي البشير
هل لقلبي قراروالأحبة ساروا رواحا
يا فؤادي عزاء كان ما الله شاءهل ترد القضاء فلتوالي الدعاء
أن يرد القطارفيعود المزار سراحا
كتموا الارتحالا عن كئيب نكالاثم زمّوا الجمالا وعلوها الجمالا
حيث ساروا أنارواوالليالي أصاروا صباحا
إذ نأوا بارتحال وسروا بالهلالطالعا في كمال من ستور الحجال
ليت أني جارلُهم ما النهار ألاحا
تركوا بالمغاني هائم القلب عانيمغرما بالأماني نادبا للحسان
مفرداً لا يُزارأوحشته الديار فناحا
لا أسمي حبيبي خوف واش رقيبيا عليم الغيوب أنت تدري الذي بي
قلبي المستطارخانه الاصطبار فباحا
إن نأوا بفؤادي وتوخوا بعاديوأراحوا رقادي يا آله العباد
لقهم حيث سارواأنجدوا أم أغاروا نجاحا
يا من تعاطينا الكؤوس على أذكاره
وقضى على قلبي فلم يأخذ بثاره
وأقرّ أحكام القصاص على اختياره
أن أقل حسبيفالجور تأباه الطباع
علّقته ما شئت من حسن بديع
أودي بقلبي واستقام إلى ضلوعي
فأقامها عن موضع القلب الصديع
شِيَمُ الحبتكليف مالا يستطاع
سرّ الهوى شيء يؤول إلى افتضاح
فالشمس ضاق بحملها طلع الضياح
أخت السماك دعاك من غاظ اللواحي
أن يهم قلبيفالحسن أمّار مطاع
ما للحبيب أجدّ مرتحلا وسارا
لا صبر لي عنه ولو رمث اصطبارا
ملأ القلوب جوى وأنكاها أوارا
سل عن الركبهل يستطاع له ارتجاع
عقلي تحملْ أن ألمّ بي الرقيب
أن المحب لمثلها لا يستريب
ذُكِرَ الحبيب فقلت من هذا الحبيب
يا ربّ يا ربّهذا الحبيب اجمعني معو
حيِّ الوجوه الملاحاوحيِّ نُجْلَ العيون
هل في الهوى من جُناحِ
أو في نديم وراح
رام النصوح صلاحي
وكيف أرجو صلاحابين الهوى والمجون
أبكي عيون البواكي
تذكارُ أختِ السماك
حتى حمام الأراك
بكى بشجوي وناحاعلي فروع الغصون
ألقى إليها زمامه
صب يداري غرامه
ولا يطيق اكتتامه
غدا بشوق وراحاما بين شتى الظنون
يا غائبا لا يغيب
أنت البعيد القريب
كم تشتكيك القلوب
أثخنتهن جراحافاسأل سهام الجفون
يا راحلا لم يودع
رحلت بالأنس أجمع
والبحر يعطي ويمنع
حوت عيناك الملاحاسحراً، وما ودعوني
أيها الساقي إليك المشتكىقد دعوناك وأن لم تسمع
ونديم همت في غرّته
وسقاني الراح من راحته
فإذا ما صح من سكرته
جذب الزق إليه واتكىوسقاني أربعا في أربع
غصن بان مال من حيث استوى
بات من يهواه من خوف النوى
قلق الأحشاء مهضوم القوى
كلما فكّر في البين بكىما له يبكي لما لم يقع
ما لعيني غشيت بالنظر
أنكرت بعدك ضوء القمر
فإذا ما شئت فأسمع خبري
شقيت عيني من طول البكاوبكى بعضي على بعضي معي
ليس لي صبر ولا لي جلد
يا لقومي عذلوا واجتهدوا
أنكروا شكواي مما أجد
مثل حالي حقها أن تُشتكىكمدُ اليأس وذلُّ الطمع
كبدي حرّى ودمعي يكف
يعرف الذنب ولا يعترف
أيها المغرور عما أصف
قد نما حبك بقلبي وزكاوتقل أني في حبك مدّعي
يا صاحبي نداء مغتبط بصاحبْ
لله ما ألقاه من فقد الحبائب
قلب أحاط به الجوى من كل جانب
أي قلب هائملا يستريح إلى اللواحي
يا من أعانقه بإحناء الضلوع
وأقيمه بدلا من القلب الصديع
أنا للغرام وأنت للحسن البديع
وكلام اللائمشيء يمرّ مع الرياح
أنحى على رشدي وأفقدني صلاحي
ثغر ثنى الأبصار عن نَوْر الأقاح
يسقي بمختلطين من مسك وراح
كالحباب العائمفي صفحة الماء القراح
من لي به صبحا تجلى بالظلام
علقت من وجناته بدر التمام
وعلقت من أعطافه لدن القوام
كالقضيب الناعملم يستطع حمل الوشاح
حملتني في الحب ما لا يستطاع
شوقا يراع لذكره من لا يراع
بل أنت أظلم من له أمر مطاع
ومع أنك ظالمأنت هو منائي واقتراحي
قلب مدلهوفي الضلوع حريق يا له لاكان
يذيب صبريولا تزال تريق دمعها الأجفان
أخت السماكشوقي إليك شديد آه من قلبي
أما هواكفثابت ويزيد الهوى حسبي
على نواكأني هناك شهيد معرك الحب
يا من أضلهعن الصواب فريق قولهم بهتان
بل ليس تدريأن العذول حقيق منك بالهجران
قلب قريحوفي الفؤاد كلوم أبداً تدمى
ويا مشيحإلى متى تستديم جسدي سقما
ويا نصوحأهدي إليك الملوم إذنا صمّا
أطلت عذلهوما أراك تطيق رده عن شان
وأيّ نكرأن يلام مشوق عذره قد بان
كذا أذوبولا يزال الغليل جسدي يضني
فرّ الطبيب من علتيويقول أين هو مني
ولي حبيببسؤل الوصال بخيل سيئ الظن
أن رمت وصلهقال أنت صديق ضيّع الكتمان
أن باح سرّىأني بذا لخليق وبدا إعلان
يا من لديهحسن الملاح حقير كلما تاه
ومن عليهحرب المُوالي يسير حين يلقاه
ومن إليهأشكو الهوى ويجور حسبي الله
يا خير جملهفيك الجمال أنيق والصيبا ريّان
أنا لعمريفي مقلتيك أفوق في الهوى غيلان
يا من يطيلمن الصدود كفاكا استمع مني
ويا عذولأليس تملك فاكا أنته عني
ويا بخيلإليّ أبحت لماكا جود ممتنّ
قبلني قبلهومرّ عني طريق ذا الرشا الوسنان
يا ليت شعريوفي طريقي لحيق أملح الغزلان
كلُّ له هواك يطيبْأنا، عاذلي والرقيبْ
أما أنا فحيث تشاءهجر ولوعة وعناء يا ويلتاه مما أساء
قتلتني وأنت الطبيبفأنت عدو حبيب
لله عيش ما أمرالقد شقيت سراً وجهرا دمعا جرى فصادف مجرى
واستبطن الضلوع لهيبذابت بحرها وتذوب
مالي بمقلتيك حويلولا إلى رضاك سبيل من يحول فيما يقول
أشكو النوى وأنت قريبأمر كما تراه عجيب
لم يدر عاذلي ورقيبيأن الهوى أخف ذنوبي وأنت يا عذاب القلوب
كم تشتكي إليك القلوبوأنت معرض لا تجيب
قالت عليّ أنت ملولفقلت ودّك المستحيل فأنشد النصوح يقول:
من خان حبيبه الله حسيبالله يعاقبه ويثيب
هل للعزا فيك سبيل يا هاجري ما أغدروكذدت الكرى عن بصري اله طرف
أبصرك
طاوعت في أمري النوىولم ترق لي شفقا
وليس لي ذنب سوىأمر لحيني سبقا
تجور أحكام الهوىليت الهوى ما خلقا
صيرني عبداً ذليل إذ كان مولى صيركولم يكن في القدر من حيلة أن احذرك
يا طلعة الشمس أماأصلحت ذاك الخلقا
جعلت قربي حرماهيجت جسمي حرقا
ولم تعرج كلّماجئتك أشكو الأرقا
وقام للوجد دليل بالسر مني أخبركأخذت في قتل بري ولم تحقق نظرك
حكمت حبي زمناعن علمكم منتزحا
ولم أكن أبدي الضنىولا كشفت البرحا
حتى إذا الحين دناأدركت مني لمحا
وكان من رأي العذول إذ غشني أن أهجركوأنت بالهجر حري لكن وجدي
أظفرك
برّد جوى في كبديوأعطف لظمآن صدي
يا من سباني رشديوبزّ نفسي جلدي
تالله ما في جسديموضع لمس ليد
إلا سقام ونحول لم يبق لي ولا تركجاوزت حد البشر يا مهجتي ما أصبرك
بعدك ما نمت ولاألفت إلاّ السهرا
في ليلة طالت بلاصبح ولا ضوء يرى
فقلت والبدر علىحين من الليل سرى
يا ليل طل أو لا تطل لا بد لي أن أسهركلو بات عندي قمري ما بت أرعى
قمرك
صادني ولم يدر ما صادا
شادن سبى الليث فانقادا
واستخفّ بالشمس أو كادا
يا له قمر ضمّ بالغصن أزرارهوالحقف زناره
لو أجاز حكمي عليه
لاقترحت تقبيل نعليه
لا أقول ألثم خديه
أنا من أعظم والله مقدارهوالتزم أكباره
يا سِماكُ حسبك أو حسبي
قد قضيت في حبكم نحي
واحتسبت نفسي في الحب
أنها نفس لذا الحب مختارهوبالسوء أماره
عارض الفؤاد بأشجانه
ومضى على حكم سلطانه
تارة أقبل في الترب آثارهوأندبه تاره
أيها المدل بأجفانه
قد وَفَيْتُ والغدر من شانه
وأقول في بعض هجرانه
عليش حبيبي قطعت الزيارهوعينيك سحّاره
النص من طبعة مطبعة المنار بتونس، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع