تجاوز إلى المحتوى

من «جيش التوشيح» للسان الدين ابن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)

الوزير الكاتب أبو بكر أحمد ابن مالك السرقسطي ﵀

أي منصب علاء، وإشراف على المعارف وإستيلاء، جذوة فهمه اتفقت ما شاءت من الكلام واتفدت، كلفت به الملوك استنجاحا وتيمنا وعلما بغنائه في الكتابة عنها وتيقنا، وأحضرته بساطها تجملا وتزينا، وتنافست في استعماله، رغبة منها في كماله، قرط في التوشيح وشنف، ونور في الإعجاز فيه وصنف، واخذ نفسه في توشيحه، بتوليد الكلام وتنقيحه، وشعره رائق الصفات. بديع الإشارة والالتفات، رحل إلى مصر فانجلت هناك أنواره وتأرجت به أنجاده ذلك القطر وأغواره وله نظر في العلم الفلسفي أربى فيه على مباريه ومجاريه وكان الوزير أبوه أبو الوليد قد انتقل من موطنه سرقسطة قاعدة الثغر الأعلى إلى مرسية وبلنسية فتقلد بهما رئاسة الشرف والوزارة وحمل أعباء الملك وأوزاره وأستدعي من مراكش حضرة ملكها وطلع بدرا في فلكها وهاك من توشيحه ماترتشفه لعسا وتتنماه بلعل وعسى.

حُثّ كأس الطَلا على الزهر

وأدرها كالأنجم الزهر

أنسيم يفوح أم عطروغصون أمالها القطر تنثني وما بها سكر
وطيور نطقن بالسحرحين هبّ النسيم في السحر

أطرد الهمّ بابنة العنب

وأمزج الراح من لمى الشنب

إنما طيب عيش ذي أدب

قطع أيام دهره الغربسلاف وشادن غِرّ

بمعالي أبي عليّ أهيم

رقّ طبعا كالماء أو كالنسيم

ذي جبين طلق ووجه وسيم

ويمين تنهلّ بالتبروسيوف هام العدا تبري

ذو جلال سام وعز أثير

طالب حافظ ذكي وزير

زاد منا قربا بقرب الأمير

وهو فوق السماك والنسرأن دجا ليلنا به نسري

صل ثناء على ابن أبي زيد

بطل في الحروب ذي كيد

وعلى المارقين ذي أيد

لم يهم بالحسان والسمرإنما هام بالقنا السمر

رب هيفاء شفّها بعدا

عفّ عنها فلم تجد بدا

من هواه فأنشدت وجدا

ربّ قوِّفي ذا الهوى صبريأن هجر الحبيب كالصبر
قم حُثّها مدامهوالروض مشقوق الكمام نشره الأعطر
كأنه مسك الختامشابه عنبر
باكر إلى الرحيقفقد دنا الصبَاح
مع شادن أنيقتصبو له الصِباح
من خصره الدقيققد علق الرداح
مهما أقام قامهوهزها هزّ الحسام في نقا المئزر
يكاد من لين القوامقدّه يهصر
بدر بلا محاقتصبو له البدور
فالحسن ذو ائتلاقفي خدّه ينير
والزهر ذو شقاققد زانه الفتور
قد نمقته لامهزادت غراما للغرام كل من أبصر
يحميهما رشق السهاممن رشا أحور
بالماجد بن يوسفزين المديح يعقوب
جود الزمان أنصففنيل كل مرغوب
فتى غدا كيوسففي جنّة ابن يعقوب
في كفّه غمامهأربت على صوب الغمام والحيا الممطر
يا حبذاك القطر هاميينثني جوهر
عزّ له جلالوسؤدد ومجد
كإنما الزلالقد شيب فيه شُهد
في كفه نصالهام العدا يقدّ
إذا انتضى حسامهيقضي عليهم بالحمام يا له قسور
بلحظه أم بالحساميهزم العسكر
أمداحكم تسيرتسري مع الدجون
وعزّكم أثيرفي سعده المكين
فغنّت الطيورعلى ذرى الغصون
خُصّصت بالكرامهشُرّفت ما بين الأنام ذكركم أشهر
من الدراري في الظلامعندما تُزهر
أذكت سلمىحرب البسوس مذ فتكت بالنفوس
جرد نصلامحلا جراح
لمّا سلاأمضى صفاح
منها خلىعلى اقتراح
دمي ظلمادم حبيس على الجوى والرسيس
أن عذبتُتيها وصدّا
فكم بتُّأضمّ نهدا
ووسدتُللخد خدا
أجني الظَلْماللخندريس من ثغرها في الكؤوس
ذُلُّ الحبِّعند المحبِّ
صبا قلبيلذات قلب
فدع عتبيفتاك حسبي
أن السقماخير لبوس فلا تدعني ببوس
فلي جارحرز حريز
الكرّاريوم البروز
والجبارعبد العزيز
ساما النجماأي جليس على مدار الشموس
له المجدعلى انفراد
فلا ندّمن العباد
له أشدوعلى السداد
لقد تمّامدح الرئيس بكلّ معنى نفيس
ماذا حمّلوافؤاد الشجيّ يوم ودعوا
مالي بالنوىيد تستطاع
ونار الجوىيذكيها الوداع
وسر الهوىبالدمع يذاع
فكم تهملُعيون وتلتاع أضلع
هل يرجى إيابلعهد الحبائب
إذ غض الشبابمطلول الجوانب
ووصل الكعابمبذول المطالب
فلا تبخلبالوصل ولا الصبّ يقنع
لا أسلو ولاأصغي لّلواحي
بل أصبو إلىهضيم الوشاح
مجيل الطلاما بين الأقاح
فلو يعدلما بتّ أظما وتنقع
كم ذا تهجعوجفني ساهر
ظبي يطلعفي الصبح لنافر
له برقعمن سود الظفائر
إذا تسبلُفشمس بليلٍ تقَنّع
قدّ ذو اعتدالمنه الغصن اللدْنُ
معشوق الدلالبنا ثمّ يرنو
بعيني غزالفأحذر حينَ يدنو
لحظ يرسلسهاماً لها القلب موقع
مني النفس كمتزهى بالتجني
فيا بدر تمصل، بعض التمني
لمن لم ينموبات يغني
أسيمر حلوبياض كل عاشق يبيت معو
كم تصيد الحاظ المها الغيدمن أسود بأحداقها السود
هل يلامعلى فرط وجد
مستهامبصفحة خد
كالمدامأو صبغة ورد
والعميد لا يقبل تفنيدفي خدود بها الحسن محدود
عذليثير غرامي
أكحلرخيم الكلام
يبخلحتى في المنام
مستزيد من مطل المواعيدوعهود منها الخلف معهود
دع صبانجد وأنس ريّاه
صف أباإسحاق وعلياه
مرحبابمن جلّ مثواه
يستفيد منه العيس والبيدووجوده شخص الباس والجود
لا همامإلا ابن هُمُشْك
لا ينامعن تدبير ملك
ذو حساملِمحيْا وهُلْك!
كم يبيد به من صناديدويسود على الدهر محسود
ذو مننتزري بالسحاب
صدّ عندواعي التصابي
لا كمنيشدو للكعاب
تريد نقبل في توريدالخدود وبابي مسدود
مالي وللخرد العينحوتها الخدور
تغري بظلمي وتغرينيبظَلْم الثغور
ولا مجير فيعدينيإذا ما يجور
لم يبق لي في الهوى مُنّه تحمي من رشيْمنفّذ طرفه الأحور ما شاء عليّ
حكمت من جار في الحكمولا يستمال
علقته البدر في التموغصن اعتدال
حلو اللمى ضن باللثمفليس يبال
يبدو ويسفر عن وجنه ترى الرشد غيّلو علّ من ريقه الأعطر ميتا عاد حيّ
أقصر فما قمر السعدإلا ابن عبيد
أعلته في موقف المجدأياد وأيد
ذراه بالنيل والرفدللعافين قيد
عم الورى فكم مِنّه أولى دون ليْقد حوى آلاءه مفخر لم تدركه طيْ
مثابر الطعن والضربللهيجا طروب
يجلو بمرهفه العضبظلام الخطوب
قد فاق في الشرق والغربكماة الحروب
إذا ثنت روعه القينة قوى الصبر فيتراه كالليث إذ يزأر لا يثنيه شيّ
يسلو عن القصف واللهوويهوى الكفاح
والغيد تظهر عن زهوهواه اقتراح
فكم تصرخ بالشدوغواني الملاح
يا مَمْ أسد نعى للجنهالتسمري بدري السر جعفر عسى شز
من ذا يهيمبالخرد العين وبالراح فلا يصغي لنصّاح

رضيت الذي بي من الأشواق

في حور تثير على العشاق

حروباً صوارمها الأحداق

لها كلوم تردي على الحينوالأرماح نواهد كالتفاح

بنفسي وما عنه لي إقصار

محيّا له ساطع الأنوار

تجلى فحارت به الأبصار

خد وسيم يبدو فيعشونيكما لاح سنا الكوكب الوضاح

وليل أدارت به الكاسا

صهباء تبعث إيناسا

حكته رضابا وأنفاسا

لها شميم كمسك دارينكما فاح شذا العنبر النفّاح

سقتني وواليت سقياها

ولكن حثني للسكر عيناها

فغنت تحرض مضناها

... أشرب وغنينيبأقداح ترد الظلام صباح
سقيا لدهرقد نلت فيه اقتراحي من رشا وسنان
حلو التثنيتخاله وهو صاح أنه نشوان
لله قلبييفنا بحر اشتياقي والهوى يُنمي
وكل عتبأراه فيما ألاقي غاية الظلم
ختمت حبيلكن يوم الفراق خانني كتمي
أذاع سرّيمذ آذنوا بالرواح دمعي الهتان
وأهتاج حزنيفلم تشك اللواحي أنني غيلان
يا من يلومفي حبه غيرواني=لم يذق بلوى
دعني أهيمفالقلب لاشك فأني في الدهر أهوى
ويا ظلومأرضى بما أنت جاني ليس لي شكوى
أطلت هجريولم تخف من جناح ذلك الهجران
زدني التجنيفمن طباع الملاح جفوة الهيمان
كم ذا يجورخلّ أموت عليه وهو لا يدري
ظبي غريرسطت ظبا مقلتيه بالقنا السمر
ريم نفوريلوح من وجنتيه سنا البدر
أباد صبريبوجنة كالأقاح حفّ بالنعمان

انتهى بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه الجميل.

النص من طبعة مطبعة المنار بتونس، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «جيش التوشيح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.