من «مطالع البدور ومنازل السرور» للغزولي (ت ٨١٥هـ)
الباب السادس في الخادم والدهليز
كان يقال أن الخصيان ملكية بني آدم وقيل لأبي العيناء لم اتخذت غلامين أسودين خصيين، قال لئلا اتهم بهما ولا يتهما بي.
وعرض على بعض الملوك غلام صبي خصي فقال هذا يصلح للفراش وللهراش.
وكان بعضهم يتخذ الخدام الخصيان ويختار منهم البيض الحسان، فقبل له في ذلك، فقال لأنهم بالنهار فوارس وبالليل عرائس، وفيهم يقول:
ونساء لمستريح مقيمورجال إن كانت الأسفار
وفيهم يقول محمد الخلوع القاهر:
مبرءون من الشعر الكريه ومنحمل الأيور وإخراج المناتين
وهم نساء إذا حاولت خلوتهموهم رجال لدى الهيجاء يحموني
وما أحسن قول الصابي في غلام أسود (مولده سنة عشرين وثلاثمائة، ووفاته سنة ثمانين وثلاثمائة):
لك وجه كأن يمناي خط??ته بلفظ يمله آمالي
فيه معنى من البدور ولكننفضت صبغها عليه الليالي
وقال الزين بن جبريل المصري:
وخادم قد حباه القلب حبتهحباله وكسته صبغها المقل
كأن ما هو في خد الجمال لمنيراه خال وفي أجفانه كحل
وقال ابن الجوزي في كتاب الأذكياء: قال أبو أحمد عبد الله بن عمر الحارثي اجتزت ببغداد وأنا أحدث جماعة من مجان أصحاب الحديث وإذا بخادم خصي جالس على الطريق وبين يديه أدوية ومكاحل ومباضع وعلى رأسه مظلة خرق، فسألت عنه فقيل طبيب حاذق وهو من عجائب بغداد فتقدم إليه شخص من الجماعة وتغاشى وتماوت وتمارض وقال يا أستاذ يا أستاذ دفعات، فقال أي شيء بكى إيش أصابكي قولي لا شفاك الله، فقال أجد ظلمة في أحشائي ومغصاً في أطراف شعري وما آكله اليوم يصبح غداً مثل الجيفة فصف لي دواء فقال وكأنه أعد الجواب أما ما تجد من المغص في أطراف شعرك فاحلقي لحيتك ورأسك جميعاً، وأما ظلمة أحشائك فعلقي على باب حجرك قنديلاً، وأما الثالث فكلي خراكي.
ولإبراهيم المعمار في خادم هندي:
تملك قلبي خادم قد هويتهمن الهند معسول اللما أهيف القد
أقول لصحبي حين يرنوا بلحظهخذوا حذركم قد سل صارمه الهندي
وقال:
وخادم يعلو على عشاقهبرتبة من الجمال نالها
واسمه وهو العجيب محسنوكم دموع في الهوى أسالها
ولقد أجاد من قال:
إن لمعت ليلاً نجوم السمابيضا على أدهم مرخي الإزار
وأوجب العكس مثالاً لهافي الأرض فالسود نجوم النهار
نادرة: قيل أن بعض أولاد الملوك كان يعشق خادماً يسمى ديناراً وكان من أوحش ما يبكون فاتفق أن أجري عند ذكر مغن جميل، فقال بلغني أن فلسه أسود، فقال له بعض الحاضرين والله يا مولانا فلسه خير من دينارك فأخجله.
ومن ظريف ألقاب الخدام ما لقبه سيدي المقر المجدي فضل الله بن مكانس أحسن اللله له العاقبة لخدمه وهم: إشراق الدين هلال، ونظام الدين لؤلؤ، وسيف الدين فولاذ.
وأنشدني من لفظه لنفسه إجازة سيدنا ومولانا أقضى القضاة بد الدين مجد بن أبي بكر بن عمر المخزومي المالكي أدام الله أيامه ونقلتها من خطه:
علقته خادماً لطيفاًلم أصغ فيه إلى الملامه
إليه قلبي انثنى وطرفيمذ لاح بين الأنام شامه
وللشيخ جمال الدين بن نباتة في خادم اسمه كافو:
يا لائمي في خادم لي سيدقسماً لقد زدن السلو نفورا
ولقد أدرت على المسامع قهوةفي الحب كان مزاجها كافورا
إبراهيم المعمار:
وخادم قبلت مشروطهفي خده لكن رأيت العجب
من ناعم حلو فناديتهما أنت يا مشروط إلا رطب
وقال ابن نباتة أيضاً:
بروحي مشروط على الخد أسمردنا ووفا بعد التجنب والسخط
وقال على اللثم اشترطنا فلا تزدفقبلته ألفا على ذلك الشرط
وقال: أرى لصواب يا أيري صفاتتحث على الخلاعة والتصابي
فبادرة فأنت خبيرومثلك لا يدل على صواب
وقال صلاح الدين الصفدي فيه:
إذا ما قام أيرك في الياجيوعندك من تحب فلا تحابي
وقم نحو الطواشي واعتنقهومثلك لا يدل على صواب
وقال الشيخ زين الدين بن الوردي:
أأخشى من الأعداء والله ناصريبخدام حظ إن دعوت أجابوا
فقلبي مسرور وسعدي مقبلوحزبي ناصر والمقال صواب
قلت: وإذا ذكرنا ما ورد في مدحهم فلا بأس بإيراد نبذة من غيره.
قال الجاحظ (توفي سنة خمس وخمسين ومائتين وقد نيف على التسعين سنة) ضيق الصدور وشدة النفور وطول الأعمار وقلة الاصطبار وكبر الأقدام واضطراب الأجسام وإنكار الحرمة وقلة الرحمة وسرعة الدمعة وابتغاء السمعة وطحن المعدة ولطف القيادة واسترخاء السرح وقلة الجرح وسوء الخلق وكثرة الحرق وشدة الحسد وانقطاع الولد والمشي بالتمائم والنظر إلى المحارم وتربية البغول والبغض للفحول خلاف النساء والرجال لا يجوز به الاستحلال مهلوس عبوس غايته طرسوس مؤاجر في صغره قواد في كبره إن ركب ركض وإن مشى مرض مختلف الرأي والعقل متخلق بأخلاق البغل إن لا ينته جمح وإن خاشنته رمح وإن أجعته طمح وإن أشبعته سلح يبول في فراشه إذا عمل النبيذ في مشاشه، إن حرد كفر وإن قدر قهر مختون على غير ملة حاذق بالهريسة والأخلة، إن غضب بكى وإن رضى شكى وإن هزل انطوى وإن سمن التوى معدن للمطائر ألوف للعجائز إن ائتمنته خانك وإن أكرمته هانك وإن أهنته أكرمك وإن أغضبته شتمك صاحب صوارات وجلاهق وحمام وبنادق حاص دجاج وفراريج وطير ما ورد أريج إن أمسكته خسرت وإن بعته ربحت وإن طردته وقفت وإن قتلته أجرت، صالحهم مأبون وطالحهم ملعون، شره عتيد وخيره بعيد معروف موصوف بالجلف مسترخي البدن طويل الحزن بين الموق بادي العروق يأتي العرقوب كثير العيوب طويل الذراع كثير النخاع مسلوب زينة اللحى محروم لذة النساء يتزوج بالأبكار ويهتك بالأستار، يابس المصانع عاري الأشاجع شديد النفاق قليل الإنصاف بين النفاق كثير البقباق شره عند الطعام سفيه هلى الأقوام فقير ذز مال وحيد ذو عيال شرس حسود حرون جحود بعيد الحياء بارد اللقاء يتلقاك بالبكاء، إن قلت نعم قال لا وإن قلت لا قال بلى إن منع فمن حمق وإن أعطى فمن حرق، جريء جبان طويل الأحزوان مظلوم القلفة خالي المعرفة أقلف مختون خائن مأبون ترضيه اللقمة ويخدع بالطعمة أكثر الناس غلمه وأقوده في الظلمة وأحذفه بالإجازة وأعرفه لجاره وأعمله لمزماره وأنحته لمصايد الفار وأبيعه للتكلك وأصيده للسمك، إذا أمن ملعقته غرزها في منطقته مأواه الدهليز وخبزه على الإفريز لهج بالقمار عليه سوء الدمار من قلة مروءته يدخل الفحل على امرأته ويجمع لها بكده وينفقه على ضده لا بد له فيها من شريك فهو مغرم وغيره ينيك يستر عورته عن الأنام ويبدي سوأته للطعام يقطع الصلاة ويمنع الزكاة بيعه الزمارات ونعته في الصورات، يأكل بشدقين، وينفق بيدين فضله محبوس ودعاؤه منكوس.
وقال الجاحظ أيضاً كان من ظريف ما يقص القاضي عبد الأعلى قوله في الخصي إذا قطعت خصيته قويت شهوته وسخنت مقعدته ولانت جلدته وانجردت شعرته وكثرت غلمته واتسعت فقحته وغزرت دمعته.
وقال غيره من جب زبه ذهب لبه.
وفي ذلك قول أبي الطيب المتنبي (ومولده سنة ثلاث وثلاثمائة، ووفاته أربع وخمسين وثلاثمائة):
وقد كنت أحسب قطع الخصيبأن الرءوس مقر النهى
فلما نظرت إلى عقلهوجدت النهى كلها في الخصى
ونقلت من خط الوزير العلامة المفتن فخر الدين بن مكانس سامحه الله تعالى أنه قال: سافرت مرة سنة إحدى وستين وسبعمائة مع الصاحب فخر الدين بن قروينة رحمه الله تعالى، إلى دمشق المحروسة عندما تولى نظر مملكها ووالدي ﵀، استيفاء بها وكان له دوادار يسمى صبيح ويلقب جودر من عتقاء جده الوزير أمين الدين بن الغنائم وكان كثير النوادر لطيف الدقات، فاتفق أن جمال الدين ابن الرهاوي موقع الوزارة ركب يوماً فتقنطر به الفرس وداسه على رأس أحليله فحمل إلى داره وأقام أياماً إلى أن عوفي وحضر مجلس الوزارة وهو غاص بالناس، فقال له الصاحب فخر الدين ما سبب تأخيرك قال له تقنطرني الفرس وداس رأس إحليلي فكدت أموت والآن قد لطف الله تعالى وحصل البرء والشفاء فقال له صبيح جودر الحمد لله على سلامة الخصى فانقلب المجس ضحكاً وخجل ابن الرهاوي وانصرف.
عود إلى ما كنا فيه: وصف الجماز رجلاً بالرعونة فقال: هو كالخصي يفتخر بزبه مولاه.
قال كشجام في خادم اسود جائر:
يا مشبهاً في فعله لونهلم تعد ما أوجبت للقسمة
فعلك من لونك مستخرجوالظلم مشتق من الظلمة
وقال آخر وأجاد:
جزا مذاكره بحق واجبإذا عندهم علم بخسة أصله
لو أنهم تركوه يبقى سالماًملأ البلاد أرذالاً من نسله
وقال بعضهم واصاب:
إن عاينت عيناك ظبياً سانحاًمع خادم يرعاه وهو شرود
فاقنصه لطفاً بالزمام ولا تخفمنه نفوراً فالزمام يقود
نادرة: قيل أن بعض أولاد الملوك كان يعشق خادماً يسمى ديناراً وكان من أوحش ما يبكون فاتفق أن أجري عند ذكر مغن جميل، فقال بلغني أن فلسه أسود، فقال له بعض الحاضرين والله يا مولانا فلسه خير من دينارك فأخجله.
ناردة قيل أن بعض الرؤساء كان له خادم وعبد فدخل يوماً وجد العبد فوق الخادم فضربه وخرج فرأى بعض أصدقائه فسأله عن عيظه، فقال هذا العبد النجس فعل بالخويدم الصغير فقال له مولانا السيد الكبير فخجل منه وأخرجها من مجانه.
وما أظرف من قال موالياً:
ستي الكبيرة لها الخدام والحشمةتحلف على النيك بالمصحف وبالختمة
... جاها الطواشي أفحشت لو نال من كلمةراحت يمين القواقية على قرمة وقال ابن إبراهيم المعمار:
وإن من الخدام من ليس يرتجىمكارمه فالبعد منهم غنائم
فلا تك ممن يتهمهم لحشمةفليس لهم بين الرجال محاشم
أهدى بعض عمال مروان بن محمد الجعدي الأموي لمروان عبداً أسود فقال لكاتبه عبد الحميد اكتب إلى هذا العامل كتاباً مختصراً وذمه على ما فعل، فكتب إليه لو وجدت لوناً أشر من السواد وعدد أقل من الواحد لأهديته والسلام.
ومن أحسن ما ورد في ذم السواد لا يحرم فيه محرم ولا يكفن فيه ولا تجلى فيه عروس.
وما أظرف قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
كان لي عبد يسمى فرجانصب الغير عليه الشبكا
فأنا الآن كما تبصرنيليس عندي فرج إلا البكا
القول في الدهليز بكسر الدار فارسي معرب، والجمع الدهاليز وهو بين الباب والدار وأحسن ما فيه:
ودهليز دار فيه للعين بهجةوللنفس فيه لذاذة أوطار
إذا داخل لم يعتبر ما وراءهتوهمه من حسنه أنه الدار
وقال يحيى بن خالد ينبغي للإنسان أن يتأنق في دهليزه لأنه وجه الدار ومنزل الضيف وجلس الصديق حتى يؤذن له وموضع المعلم ومقيل الخدام ومنتهى حد المستأذن.
وقال بعضهم: إذا كمل للإنسان في داره حسن ثلاثة مواضع لم يبال بما فاته وذكر من جملتها الدهليز.
وللشيخ برهان الدين القيراطي فيه:
أكرم بدهليز سمافإذا الكواكب من رفاقه
دهليز مولى سعدهما زال يخدم في وطاقه
قلت: من كان له عبد واسمع سعد ففي غاية الحسن.
وقال الشيخ شهاب الدين ابن أبي حجلة بيتين وفيهما ما فيهما:
دار ببدرا الدين أشرق نورهافبياضها من نوره مجبول
دهليزها حلو البنا يبدو لناطعمية في بابه ودخول
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع