من «مطالع البدور ومنازل السرور» للغزولي (ت ٨١٥هـ)
الباب الثاني في أحكام وضعه وسعة بنائه وبقاء الشرف والذكر ببقائه
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ لما بلغه أن سعداً وأصحابه بنوا بالمدر كتب: أكره لكم البنيان بالمدر فإذا فعلتم فعرِّضوا الحيطان وأطيلو السُّمك وقاربوا بين الخشب.
ولما بنى معاوية داره بدمشق باللبن دخلها وفد من الروم فقالوا ما أحسن ما بناها للعصافير فهدمها وبناها بالحجر.
ورأى بعضهم رجلاً قد بنى حائطاً بالحجر وهو يبيضه فقال هذا يستر الذهب بالفضة.
وحكى أن يحيى بن خالد كان جالساً للقصص فرفعت إليه قصة متظلم من بعض عماله فقربه وسأله عن ظلامته، فقال له إن عاملك فلاناً ظلمني وأخذ مالي واغتصب صنيعتي وهدم شرفي، فقال له فهمت جميع ما ذكرته إلا قولك هدم شرفي فما معناه، فقال له أنا من أبناء فارس كانت لي ضيعة وبالقرب منها قصر على الطريق فيه سقاية ينزلها الناس ويسقون منها ويذكرون بانيها ويترحمون عليه فغصبني الضيعة وهدم القصر فأمر يحيى بالكتابة إلى العامل أن ترد عليه ضيعته وجميع ما أخذته منه وتبني القصر حتى ترده على هيئته كما كان، وقال لبنيه ابنوا فإذن الذكر والشرف باقيان ببقاء البنيان.
وقيل لأبي الدهمان أين دارك؟ فقال إذا دخلت سكة بني العنبر فالدار التي تدل على شرف أهلها داري.
وعلى ذكر السؤال ما أحسن ما ذكره ابن رشيق في الأنموذج أن عبد الرحمن بن محمد الفراسي جلس مع بعض شيوخ يونس وكان الشيخ نهاية في المجون فاجتاز بهم رجلاً يسأل عن دار ابن عبدون فأقبل الشيخ عليه فقال هي في تلك الرابعة حيث يقوم أيرك فقال الفراسي لأنظمنه، فما رأيت مثل هذا المعنى، وأنشد من وقته:
إن شئت أن تعرف عن صحةداري التي تعزى لعبدونه
فامش فإن أيرك أبصرتهقام فإن الباب من دونه
وقد عكس الشيخ صلاح الدين الصفدي (ومولده سنة أربع وتسعين وستمائة ووفاته سنة أربع وستين وسبعمائة) هذا المعنى فقال:
أقول لمن يسائل عن محليتقدم وامش من خلف السواري
ومر فحيثما تلقى حكاكاً+بسرمك لا تعد فثم داري
رجع: خرّج الخطيب الحافظ أبو بكر في تاريخه قال لما بنى المهدي قصره بالرصافة دخل يطوف فيه ومعه أبو البحتري وهب بن وهب بن وهب فقال له هل تروي في هذا شيئاً؟ قال نعم حدثني جعفر بن محمد عن ابنه أن رسول الله ﷺ قال: "خير صحونكم ما سافرت فيه أبصاركم".
وقال المأمون يوماً لجلسائه أتدرون من أهنى الناس عيشاً، فقالوا أمير المؤمنين فال لا قالوا فأمير المؤمنين أعلم، فقال أهنى الناس عيشاً رجل له دار قوراء وامرأة حسناء وكفاف من العيش لا يعرفنا ولا نعرفه.
قال سلمة الأحمر دخلت على الرشيد فيقصره الذي بناه فقلت:
أما بيوتك في الدنيا فواسعةفليت قبرك بعد الموت يتسع
فجعل يبكي وقيل: أن خالد بن الوليد ﵁ شكى إلى النبي ﷺ ضيق مسكنه، فقال: ارفع البناء وسل الله السعة.
وقال يحيى بن خالد لابنه جعفر وقد همّ ببناء دار استوسع فإن الهمة في السعة.
سئل بعضهم ما الغنى فقال سعة البيوت ودوام القوت.
وقال بعضهم طيب المساكن بثلاثة: سعة الصحن، وخرير الماء، وشيء من الخضرة.
(يحيى بن خالد) الدنيا ثمانية: الطعام الطيب، والماء البارد، والثوب اللين، والفراش الوطي، والدار الواسعة، والمرأة الموافقة، والخادم الفارة، والقدرة على الأخوان بالإحسان.
وكان يقال جنة الرجل داره.
وذكر الأحنف الدور فقال: ليكن أول ما يشترى وآخر ما يباع.
وقال يحيى لبعضهم ما السرور فقال: دار قوراء وامرأة حسناء وفرس مرتبط بالفناء وينشد:
ومن المروة للفتىما عاش دار فآخره
فما قنع من الدنيا بهاواعمل لدار الآخرة
وكان يقال: دار الرجل عيشه.
قال السلامي في كتابه نتف الطرف الدور للناس الأعشة للطير والأوجرة للوحش والحجرة للحشرات فدار الرجل حال نفسه وموضع أمنه ومسكن قلبه ومجمع أهله ومحرز ملكه ومأنس ضيفه وملتقى صديقه وعدوه ولا شيء أصعب على الناس من الخروج من ديارهم.
وقد قرن الله ﷾ الخروج منها بالقتل حيث قال: ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم﴾ وقال أحد الأشراف لابنه: يا نبي أحسن أثرك في هذه الدنيا بالبناء الحسن واسمع قول الشاعر:
ليس الفتى بالذي لا يستضاء بهولا يكون له في الأرض آثار
ولا تنس قول الآخر
إن آثارنا تدل علينافانظروا بعدنا إلى الآثار
ومن أحسن ما قيل في بناء الملوك قول علي بن الجمهم المتوفي سنة تسع وأربعين ومائتين:
وما زلت أسمع أن الملوك تبني على قدر أخطارها
فلما رأيت بناء الإمام رأيت الخلافة في دارها
حكي أن أبا العيناء دخل على المتوكل فيقصره فقال له: كيف ترى دارنا هذه؟ فقال الناس بنوا دورهم في الدنيا وأنت بنيت لدنيا في دارك.
أخذه اليزيدي فقال:
لما بنا الناس في دنياك دورهمبنيت في دارك الغراء دنياها
فلو رضيت مكان البسط أعيننالم يبق عين لنا إلا فرشناها
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع