من «مطالع البدور ومنازل السرور» للغزولي (ت ٨١٥هـ)
الباب الخامس في ذم الحجاب
خال بن عبيد الله القشيري كان يقول لحاجبه فلا يحجبن عليّ أحد فإنما الوالي يحتجب لثلاث: شر يكره أن يطلع عليه غيره، أو ريبة يخاف انتشارها، أو بخل يكره معه أن يسأل شيئاً.
ووقف رجل على باب أبي دلف فأقام به حيناً لا يصل به فتلطف في رقعة أوصلها إليه وكتب فيها:
إذا كان الكريم له حجابفما فضل الكريم على اللئيم
فأجابه:
إذا كان الكريم قليل المالولم يعذر تعلل بالحجاب
وأبواب الملوك محجباتولا تستكثرن حجاب باب
وقال علاء الدين الوادعي يعتذر إلى بعض أصحابه:
إن كنت يا أكرم الصحابحجبت لما طرقت بابي
فأنت قلبي ولا عجيبإذا غدا القلب في حجاب
وقال زين الدين بن الوردي (توفي سنة خمسين وسبعمائة) يلوم نفسه على زيارة أقوام:
مذ زرتهم صحبة ووداألفيتهم مغلقين بابا
سعيي إلى بابهم جنونمني فاستأهل الحجابا
وقال بعض الحكماء لبعض الملوك: لا تمكن الناس من كثرة رؤيتهم لك فإن أجرأ الناس على الأسد أكثرهم له رؤية.
وقال آخر كثرة الأذن مجلبة الابتذال وهيبة الملوك في الاحتجاب وكان يقال المبذول مملوك والممنوع متبوع.
ولله در ابن المعتز وما أحسن قوله:
كما يخلق الثوب الجديد ابتذالهكذا يخلق المرء العيون اللوافح
وقيل لبعض الحجاب متى تفرغ ولايتك فقال متى حضر طعام مخدومي وأين هذا من قول القائل:
جزت على باب صديق لناوبابه من دونه مقفل
وحول تلك الدار غلمانهقد أحدقوا بالباب واستكملوا
فقلت ما يصنع مولاكمقالوا سمعنا أنه يأكل
قلت فلما يفتح مولاكمقالوا بلى رأس الذي يدخل
وقيل لبعضهم: هل تغديت عند فلان؟ قال لا ولكنني مررت ببابه وهو يتغدى، قال فكيف علمت؟ قال رأيت غلمانه بأيديهم قسى البندق يرمون الطير في الهوى.
وقال بعضهم:
رأيت أبا زرارة قال يوماًلحاجبه وفي يده الحسام
لئن وضع الخوان ولاح شخصلأختطفن رأسك والسلام
فقال سوى أبيك فذاك شيخبغيض ليس يردعه الكلام
فقال وقام من حنق إليهبقد لام يزد فيه القيام
أبي وأبو أبي والكلب عنديبمنزلة إذا حضر الطعام
فما في الأرض أقبح من خوانعليه الخبز يحضره الزحام
وما أحسن قولا القاضي الفاضل:
بتنا علبى حال يسر الهوىوربما لا يمكن الشرح
بوابنا الليل فقلنا لهإن غبت عنا هجم الصبح
وله في بواب يلقب بالبحري:
وهب أن هذا الباب للرزق قبلةفها أنا وقد وليته دونكم ظهري
وهب أنه البحر الذي يخرج الغنىفكل خرافي الشط في لحية البحري
وقال كمال الدين بن النبيه (توفي سنة تسع عشرة وستمائة) لما سمع قول الفاضل:
قلت لليل إذا حباني حبيبابغناء يسبي النهى وعقارا
أنت يا ليل حاجبي فامنع الص??بح وكن أنت يا دجى برد دارا
وقال ناصر الدين بن النقيب:
ماذا على بواب دراكم الذيلا إذن يعطينا ولا يستأذن
لو ردنا رداً جميلاً عنكمأو كان يدفع بالتي هي أحسن
وللشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة في غير المعنى:
يا رب إن النيل زاد زيادةأدت إلىهدم وفرط تشتت
ما ضره لو جاء على عاداته ... في دفعة أو كان يدفع بالتي وأنشدني الشيخ العلامة عز الدين الموصلي لنفسه (المتوفي سنة تسع وثمانين وسبعمائة، وأخبرني أن مولده أربع وعشرين وسبعمائة):
قد سلونا عن الحبيب بخودذات وجه به الجمال تفنن
ورجعنا عن التهتك فيهودفعنا بالتي هي أحسن
رجع إلى ما كنا فيه: قال الناشئ الأصغر (المتوفي سنة ست وستين وثلاثمائة):
ليس الحجاب بآلة الأشرافإن الحجاب مجانب الإنصاف
ولقل ما يأتي فيحجب مرةفتعود ثانية بقلب صاف
وقال أبو الحسين الجزار (مولده سنة إحدى وستين وستمائة، ووفاته سنة اثنتين وسبعين وستمائة):
أمولاي ما من طباعي الخروجولكن تعلمته من خمولي
وصرت لديك أروم الغنىفيخرجني الضرب عند الدخول
وألم بهذا الأديب شمس الدين الضفدع فقال:
وافا إلى خدمته العبد كييحظى بتقبيل يد أو قبول
واستأذن الخادم في قربهمنكم لأن البعد ستر يحول
فكاد أن يخرجه الضرب عنغناك بالإيقاع قبل الدخول
أوحى إليه منه قولاً فما ... بلغ عنه ما يقول الرسول ونقلت من خط فخر الدين بن مكانس للجمال ابن عبد الغني:
أتيت إلى بابك يا سيديأهنيك بالعيد مع من يهني
فأخرجت من بعد ذاك الدخولوقد جئت يعني مدلاً بأني
مغن ويخرج بعد الدخولوتأبى الطباع خروج المغني
حكي عن أبي الحسين الجزار أنه جاء إلى باب الصاحب زين الدين بن الزبير فأذن للناس كلهم ولم يؤذن له فكتب في ورقة:
الناس قد دخلوا كالأير أجمعهموالعبد مثل الخصي ملقى على الباب
فلما قرأها ابن الزبير قال لحاجبه اخرج إلى الباب وناد يا خطي ادخل فلما سمع أبو الحسين قول الحاجب يا خصي ادخل فقال هذا دليل على السعة.
وهذا جميعه مأخوذ من قول الآخر:
أيدخل من يشاء بغير إذنوكلهم كسيد أو عوير
وأبقى من وراء الباب حتىكأني خصيه وسواي أير
وقال بعض الشعراء وقد منعه بواب اسمه بصاقة من الدخول
يا من سما في المكرمات وفاق أرباب الممالك
أعجب لأمر بصاقةمنع الدخول لباب خالك
وهو المعين على الدخول إذا تعسرت المسالك
وقال جحظة:
ولي صاحب زرته للسلامفقابلني بالحجاب الصراح
وقالوا تغيب عن دارهلخوف غريم ملح وقاح
ولو كان عن داره غائباًلأدخلني أهله للنكاح
وقال آخر:
وكل خفيف الشأن يسعى مشمراًإذا فتح البواب بابك أصبعا
وتحن الجلوس الماكثون توقراحياء إلى أن يفتح الباب أجمعا
وأنشدني صاحب الأمالي:
كم من فتى تحمد أخلاقهويسكن العارفون في ذمته
قد أكثر الحاجب أعداؤهوأحقد الناس على نعمته
حكى أبو السعادات بن شجري في شرح الحماسة أن أنس بن زنيم الهذلي وفد على عمرو بن عبد الله بن التميمي في جماعة من الشعراء فصده الحاجب عن الدخول وأذن لغيره من الشعراء فلما طال حجابه كتب إليه أبياتاً منها:
لقد كنت أسعى في هواك وأبتغيرضاك وأعصي أسرتي والأدانيا
حفاظاً وإمساكاً لما كان بيننالتجزيني يوماً فما كنت جازيا
أراني إذا ما شمت منك سحابةلتمطرني عادت عجاجاً وسافيا
أأقصى ويدنى من يقصر رأيهومن ليس يغني عنك مثل غنائيا
فلما قرأ الأبيات عنف حاجبه ثم أذن له وقال له ويحك ما هذا، قال فعل حاجبك وطول مقامي وأنت تعطي من أقبل وأدبر، فقال يا هذا أشهدت معي موذاة هجر قال لا، قال ألك من يد تضربني بها أو تستحق علي ما طلبت قال نعم كنت أجلس بين يديك وأسمع حديثك فأنشر محاسنه وأطوي مساوئه، فقال وأبيك إن في هذا لما يشكر كم أقمت بالباب، قال أربعين يوماً فأمر له بأربعين ألف درهم.
ولشهاب الدين ابن أبي حجلة:
ألا قل لشمس الدين صاحبنا العبسيأتينا مراراً نحو بابك بالأمس
فإن حجبتك الجدر عنا فربمارأينا جلابيب السحاب على الشمس
وقال شرف الدين بن عنين (ومولده سنة تسع وأربعين وخمسمائة ووفاته سنة ثلاثين وستمائة):
أين غلمانك الممطيفون بالبغ??لة والرافعون للأثواب
ردك الدهر كالنداء على الني??يل لا حاجب ولا بواب
وعلى ذكر الحاجب فما أحسن قول القائل في مليح قلندري:
بدا في حلق الحواجب فتنةفقلت لعقل ذاهل فيه ذاهب
حبيبي بحق الله قل لي ما الذيدعاك إلى هذا فقال مجاوبي
وعدت بوصل العاشقين تعطفاًفلم يثقوا فاسترهنوا قوس حاجبي
وقال السراج الوراق فيه:
عشقت من ريقته قرقفوما له إذ ذاك من شارب
قلندريا حلقوا حاجبامنه كنوز الخط من كاتب
سلطان حسن زاد في عدلهفاختار أن يبقى بلا حاجب
وقف بعض المطابيع على باب بعض الأمراء والطعام قد حضر فخرج حاجب الأمير إلى الباب فقال أيها المطبوع ألك حاجة، قال نعم قال ما هي؟ فقال له إذا دخلت فاقرئ خبر الأمير السلام.
وما أظرف في ذم الحاجب قول السراج الوراق:
لا ذقت ذل حجابولا وقوفاً بباب
فقد حنقت وقد قام شارب البواب
ورحت أجري وصحف??ت موضعين لما بي
وقال زين بن الوردي:
يقول بوابه إذا رأىبالباب مني وقفة الحائر
له محارلايم بها شغلةقلت محاريم بلا آخر
وقال السراج الوراق مضمناً:
وقطب عند دخولي إليهفتم له القبح معنى وصورة
ولولا الضرورة ما زرتهعلى الرغم مني وعند الضرورة
وقال جمال الدين ابن نباتة:
حجبتني فازددت عندي علبابرغم من أقبل كالعاتب
وقلت لا أعدم من سيديمن كان عيني فغدا حاجبي
وقال محمد بن العفيف (مولده سنة اثنتين وستين وستمائة، ووفاته سنة سبع وثمانين وستمائة):
ولقد وقفت ضحى ببابك ارتجيباللثم للعتبات حق الواجب
وأتيت أطلب زورة أحظى بهافرددت يا عيني هناك بحاجبي
وقال الشهاب فتيان الشاغوري (مولده سنة ثلاثة وخمسمائة، ووفاته سنة خمسة عشرة وستمائة):
وافيت تهنية الوزير فلم أجدلي في الدخول ببابه من مسعد
لم أحظ إلا بالقيام لمن أتىفحصلت منك على المقيم المقعد
قصد جماعة من الطفيلية وليمة فقال رئيسهم: اللهم لا تجعل البواب لكازاً في الصدور دفاعاً في الظهور طراحاً للقلانس، هب لنا رأفته ورحمته وبشره وسهل علينا إذنه، فلما دخلوا تلقاهم المضيف، فقال الرئيس عزة مباركة موصول بها الخصب معدوم بها الجدب فلما جلسوا على الخوان قال جعلك الله كعصى موسى وخوان إبراهيم ومائدة عيسى في البركة، ثم قال لأصحابه افتحوا أفواهكم وأقيموا أعناقكم وابسطوا الأكف وأجيدوا اللقم ولا تمضغوا مضغ المتعللين الشباع المتخمين واذكروا سوء المنقلب وخيبة المضطرب خذوا على اسم الله تعالى.
وقال زين الدين بن الوردي:
ماذا تقولون في محبعن غيره أبوابكم تخلا
وجاءكم زائراً عفيفاًعن مالكم هل يجوز أم لا
وقال جمال الدين بن نباتة:
ما يقول المقام أيده الل??هـ ولا زال للسعود يحوز
في ولي ببابكم ترك الخل??ق ووافى يجوز أم لا يجوز
كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام إذا قرأ عليه الطالب وانتهى يقول اقرأ من الباب الذي تليه ولو سطراً فإني لا أحب الوقوف على الأبواب.
وللنصير الحمامي بيتان كتبهما إلى السراج الوراق على يد غلام يدعى إبراهيم وهما:
عبدك إبراهيم وافى بهماوفي بها معنى لمن يعقل
وهو على الباب ومقصودهوفيك فهم أنه يدخل
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع