من «مطالع البدور ومنازل السرور» للغزولي (ت ٨١٥هـ)
الباب الرابع في الباب
الباب يجمع على أبواب وقد قالوا فيه أبوبة للازدواج، وقيل أبواب مبوبة كما قيل أصناف مصنفة، ولبعضهم فيما يكتب عليه.
لذ بذا الباب كلماخفت ضيق المناهج
فهو باب مجرب لقضاء الحوايج
وأنشد الأصمعي وفي أبيات المعاني قول بعض العرب:
وذي رجلين لا يمشي عليهاولكن في القيام له صلاح
فندفعه إذا احتجنا إليهونجذبه إذا حان الرواح
وقال الحاتمي في باب بمصراعين (توفي المذكور سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة):
عجبت لمحرومين من كل لذةيبيتان طول الليل يعتنقان
إذا أمسيا كانا على الناس مرصداوعند طلوع الفجر يفترقان
وقال الشيخ شمس الدين بن دانيال (توفي سنة عشر وسبعمائة):
قل للوزير محمد بن محمديا من هو المسك الذكي لمن درج
أنت الذي دار السعادة دارهطول الزمان وبابه باب الفرج
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
بشر أمير المعالي باتصال هنايحفه السعد من أقصى جوانبه
واكتب على بابه الغربي معتمداًعز يدوم وإقبال لصاحبه
وقال:
أيا دار دار اليمن من كل وجهةعليك ولا زال الهنا لك يجاب
ولا عدم القصاد بابك إنهلنجح الرجا باب صحيح مجرب
قلت: قوله صحيح على غير طائل وصاحب الذوق السليم يشهد والمعنى يقدم.
وقال:
يا زائري قاضي القضاة لينهكمما صحح التجريب من أبوابه
أقسمت ما الحجر المكرم للغني إلا الذي تغشون من أعتابه
وقال:
يا مالكاً تقصر عن وصفهبذائع الشاعر والكاتب
في بابك العلم وفيض الندىفلا خلا بابك من طالب
وقال ناصر الدين ابن النقيب في المجون (توفي سنة سبع وثمانين وستمائة):
قال لي الخارج صف ليمثل ما أعرف وصفك
أين باب الخرق قل ليقلت باب الخرق خلفك
وعلى ذكر باب الخرق فلا بأس بإيراد نبذة مما قيل في باب زويلة، فمن ذلك قول إبراهيم المعمار (توفي سنة تسع وأربعين وسبعمائة):
زويلة بابك هذا سفيهيشرب ماء الخمر جهراً بفيه
ولم يزل يألف سفك الدماوكل ما يقطعه الشرع فيه
وله فيه:
حاذر زويلة إن مررت ببابهاوطعامها كن آيساً من خيره
فوسط القتلا يقول به انظروامن لم يمت بالسيف مات بغيره
وقال شهاب الدين بن أبي حجلة (مولده سنة خمس وعشرين وسبعمائة، ووفاته سنة ست وسبعين وسبعمائة):
برت زويلة إذا أمسى يقول لناباب لها قول صدق غير مكذوب
إذا وعدت حراميا بسفك دمافي الحال علق من وعدي بعرقوب
وقال الشيخ شمس الدين الضفدع فيما يكتب على الباب (مولده سنة ثلاث وتسعين وستمائة، ووفاته سنة ست وخمسين وسبعمائة):
من ذا الذي ينكر فضلي وقدفزت من الحسن بمعنى غريب
عندي لمن يخذله دهره﴿نصر من الله وفتح قريب﴾
وقال إبراهيم المعمار:
يا من بباب علاهالعيش للنا سطابا
أرسلت مدحي غلاماًإليك يخدم بابا
وما أظرف قول من قال وإن كان غير ما نحن فيه ولا تحسبه لك وحدك إن كنت راقداً اتنبه كما فتحت الطاقة غيرك يسد الباب.
وقال القاضي مدي الدين بن عبد الظاهر ملغزاً فيه (مولده سنة عشرين وستمائة ووفاته سنة اثنين وتسعين وستمائة):
أي شيء تراه في الدور والكت??ب مجازاً هذا وذاك محقق
يحفظ المال والحريم ولولاه حفيظاً لكان ذلك يسرق
هو زوج تارة وهو فردوهو في أكثر الأحايين يطرق
وطليق في نشأتيه ولكنبحديد من بعد ذلك يوثق
وثلاثاً تراه في الخط لكنهو اثنان كله إن يفرق
وتراه للحشو ينسب حيناًوهو مع ذلك لا يرى يتزندق
وهو في القلب يستوي وتراهبان تصفيحه لمن يترمق
فأجبني عنه بقيت مطاعاًلست في حلبة الفضائل تسبق
كتب الشيخ شرف الدين عبد العزيز الحموي المعروف بشيخ الشيوخ إلى والده ملغزاً (مولده سنة ست وثمانين وخمسمائة، ووفاته سنة إحدى وستين وستمائة):
ما واقف في المخرجيذهب طوراً ويجي
لست تخاف شرهما لم يكن بمرتج
فكتب إليه والده الجواب ذهاب وجيء وخوف وهذا باب خصومة والسلام.
وكتب الأديب نصر الدين الحمامي إلى السراج الوراق وكان السراج يسكن بالروضة (مولده سنة خمس وعشرة وستمائة، وتوفي سنة خمس وتسعين وستمائة):
كم قد أردد للباب الكريم لكيأبل شوقي وأحيي ميت أشعاري
وأنثني خائباً فيما أؤملهوأنت في روضة والقلب في نار
فكتب الجواب إليه:
الآن نزهتي في روضة عبقتأنفاسها بين أزهار وأثمار
أسكرتني بشذاها فانثنت بهاوكل بيت أراه بيت خمار
ولا تغالط فمن فينا السراج ومنأولى بأن قال إن القلب في نار
وقال الصاحب جمال الدين بن مطروح في قصيدة يمدح بها الملك الأشرف مظفر الدين موسى (ولد ابن مطروح سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، وتوفي سنة تسع وأربعين وستمائة):
ما كان أشوقني للئم بنانهولقد ظفرت بلئهما فليهنني
ودخلت من أبوابه في جنةيا ليت قومي يعلمون بأنني
وقال علاء الدين الوداعي (مولده سنة أربعين وستمائة وتوفي سنة ست عشرة وسبعمائة):
من أم بابك لم تبرح جوارحهتروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلةوالقلب عن جابر والسمع عن حسن
قلت: أما قرة فهو قرة بن خالد السدوسي وهو ثقة روى عن الحسن وابن سيرين وليس بتابعي، وأما صلة فهو صلة بن أشيم العدوي كان من عباد التابعين وهو زوج معاذة العدوية وهي تروي عن عائشة ﵂، وأما جابر فهو جابر بن عبد الله كان صاحب رسول الله ﷺ وليس هو جابر الجحفي لأن جابر الجحفي ضعيف وهو تابعي وإنما ضعفوه لأنه كان يؤمن بالرجعة، وأما حسن فهو حسن البصري كان تابعياً كبيراً رأى من أصحاب النبي ﷺ نحو ثلاثمائة رجل، ولقد أجاد علاء الدين في استعمال هؤلاء الرجال في أوصاف الممدوح ودل على جودة اطلاعه على أسماء رجال الحديث، رحمه الله تعالى.
وأنشدني سيدي وأخي تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي سلمه الله تعالى لنفسه الكريمة إجازة من قصيدة.
قصدت باب الحبيب والرقباعليّ من خيفة اللقا حنقه
قالوا: فما تبتغي فقلت لهمحتى تخلصت أبتغي صدقه
والشي يذكر بلوازمه ما ألطف وأبلغ ما ذكره ذو الوزارتين لسان الدين بن الخطيب الأندلسي في ترجمة شهاب الدين بن رضوان الغرناطي أبو جعفر في تاريخه بالإحاطة (وذكر أن وفاته سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة):
يا من اختار فؤادي مسكنابابه العين التي ترمقه
فتح الباب سهادي بعدكمفابعثوا طيفكم يغلقه
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة نثراً: أي والله تخلى الشباب وخمد آب الذهن اللهاب وخلا الفكر الحائم من صوب والفهم الخادم من صواب، واقصر عن نظمه ونثره من كانت له في الإنشاء نشأة وكانت له في الشعر أسباب، وغض بصر القريحة وتقاص ذيلها فما يرفع لها ولا تجر أهداب، واختبى لسان المنشئ المنشد عجزاً وأغلق عليه من شفتيه مصراعي الباب.
وقال القاضي الفاضل نثراً (مولده سنة اربع وعشرين وخمسمائة، ووفاته سنة ست وتسعين وخمسمائة): لا زالت الملوك ببابه وقوفاً والأقدار له سيوفاً والخلق له في دار الدنيا ضيوفاً ودين دين الحق تعلمه الناس أنه إذا جرد لتقاضيه سيوفاً سيوفى.
ومن نثره: كل لفظة موصولة بأنه وفي كل قلب من حربه وفي كل دار من فضله جنة فروح الله تلك الروح وفتح لها أبواب الجنة فهي آخر ما ترجوه من الفتوح.
من رسالة كتبها المرحوم العلامة فتح الدين بن الشهيد إلى بعض أصحابه، وقد طرق عليه الباب فوجده مقفلاً: فما هو إلاا أن قبلت العتبة فأعتبت، وتأدت فريضة الخدمة لما وقفت وتأدبت، وأطلت قرع حلقة الباب فقال الصدى ضربت من حديد بارد وجئت، وقد استقل ركاب المسود والسائد فاذكر حاجتك أبلغ عنك ما تقول وأسبق، يرجع الجواب إليك الرسول قلت محب يراهم بالقلب إن عاقب الحوايج والجوانح ورحت، وقلت إن جئت بجواب فسل عن سايح بن رايح وعدت أمشي بخفي حنين.
وأصغي إلى صوت الصدى عند ذكركمفأطرب للمغني وأهتف بالدار
وأسعى بها داراً على مروة الصفاأطوف بها سبعاً ولم أقض أوطاري
وما نافعي التطواف في دارة الحمىإذا لم يكن في دارة الحي أقماري
وترددت حتى كلل دمعي للطرق بالعقيق ورمت أنفاسي النار في الدار وصاحت الحريق.
وللقاضي الفاضل يصف الستائر من قصيدة أولها:
يا طالب الجود يمم كعبة الكرموقل سلام لها عن كعبة الحرم
كأن أستاره روض سمحت لهبماء يشرك هذا المخرق السم
غيم يزر على شمس وفي يدهغمامة لقيته كاشف الغمم
سحب تعود منه فيض أنملةوالسحب إن سيرت دلت على الديم
لو لم تكن سحباً ما كان ذيلهابرقا يشام إذا ما البرق لم يشم
بيض كعرضك في طول كطولك فيلمع كنشرك في سلك حكى كلم
فكنت كالشمس في ثوب النهار بهالا كالبدور بأثواب من الظلم
أظهرت عدلك فيها فهي معجزةفالأسد ما وثبت والريم لم يرم
قرب سانحة فيه وسارحةفأعجب لضدين في بحر من الكرم
تهيم بالصيد آمالي إذا نظرتفيها فأذكر منع الصيد في الحرم
كأن أحداقنا ترعى الحدائق منجنات عدن وعدل دائم قدم
أقاح روض كأن الورد فرزوهفيا لجريه ماء كف بالضرم
والطير في شجرات الرقم عاكفةونبت عنهن في التغريد بالنغم
إن لم يكن ثمر فيها ففي يدهثمار جود زهت في روضة الشيم
يود ما مثلوه فيه من صورلو أنها استخدمت في جملة الخدم
تلك الستور عجاج والنجوم لهاعرى وأيدي الظبا فروزنها بدم
أظن بابك خدا غرت من قبلعليه حتى منعت اللثم باللثم
إذا رأيت بها الأعلام مشرقةرأيت أشهر من نار على علم
مثل السراب ووقت القيظ بيضهالكن وردت بعيني حين هم فمي
وللمولى السيد شمس الدين القاسم ابن الصاحب موفق الدين علي بن الآمدي نقلته من خط الوداعي:
ومشعل قام في خشوعكراهب شق عنه جيبا
قد فني الجسم منه سقماًواشتعل الرأس منه شيبا
وورد على سيدنا ومولانا المرحوم القاضي أمين الدين محمد الأنصاري (المتوفي أواخر سنة ثمان مائة وأخبرني أن مولده سنة إحدى وخمسين وسبعمائة) صاحب ديوان الإنشاء الشريفة بالشام المحروسة كتاب من سيدنا ومولانا أوحد العصر القاضي بدر الدين محمد المخزومي المالكي الشهير بابن الدماميني (الذي مولده في سنة ثلاث وستين وسبعمائة) أنفذ الله أحكامه وذلك من مكة المشرفة بتاريخ التاسع والعشرين من شهر الله المحرم سنة إحدى وثمانمائة جاء منه وينهي أنه سطرها بمنى وقد سالت بأعناق البدن الأباطح ووقفت الجزر تؤمل سعد الأخبية، فما طلع لها غير سعد الذابح وقد برد الصدر المحرور برمي الجمار وقرت العيون برؤية تلك الآثار وقرع المملوك باب الرحمة عند وصوله إلى البيت الشريف، وقال للزمن تنكر ما شئت فقد حصل التعريف.
وذكر صاحب المباهج أن ستر إيوان كسرى أحرق لمات ملك المسلمون المدائن فأخرج منه ألف ألف مثقال ذهباً، وقيل مائة ألف مثقال.
وطرق رجل على عمرو بن عبيد الباب، فقال من هذا، فقال أنا، قال لست أعرف أحداً من إخواننا اسمه أنا.
وأخرج البخاري من طريق جابر ﵁، قال استأذنت على النبي ﷺ فقال من هذا، فقلت أنا، فقال أنا أنا كأنه كرهه.
وأنشدني الشيخ شمس الدين الجرائحي لنفسه فيما يكتب على ستر:
أنا الستر المجمل بالب??ها والعز والنصر
فلذ بي أن تجد ضيماًوقل يا مجمل الستر
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع