من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب القول في الرخم
وقال: إنّ لئام الطير ثلاثة: الغربان، والبوم، والرّخم
ويقال: إنّه قيل للرّخمة: ما أحمقك! قالت: وما حمقي، وأنا أقطع في أوّل القواطع، وأرجع في أوّل الرّواجع، ولا أطير في التّحسير. ولا أغتر بالشّكير، ولا أسقط على الجفير.
وقد ذكرنا تفسير هذا. وقال الكميت:
إذ قيل يا رخم انطقيفي الطّير، إنّك شرّ طائر
وقال أبو الحسن المدائني: أمر بعض ملوك العجم الجلندي بن عبد العزيز الأزديّ، وكان يقال له في الجاهلية عرجدة، فقال له: صد لي شرّ الطير، واشوه بشرّ الحطب، وأطعمه شرّ الناس. فصاد رخمة وشواها ببعر، وقرّبها إلى خوزيّ. فقال له الخوزيّ: أخطأت في كلّ شيء أمرك به الملك: ليس الرّخمة شرّ الطير، وليس البعرة شرّ الحطب، وليس الخوزيّ شرّ الناس. ولكن اذهب فصد بومة، واشوها بدفلى، وأطعمها نبطيّا ولد زنى. ففعل، وأتى الملك فأخبره، فقال: ليس يحتاج إلى ولد زنى! يكفيه أن يكون نبطيّا.
والغراب يقوى على الرّخمة، والرخمة أعظم من الغراب وأشدّ. والرّخمة تلتمس لبيضها المواضع البعيدة، والأماكن الوحشيّة، والجبال الشامخة، وصدوع الصّخر.
فلذلك يقال في بيض الأنوق ما يقال.
وقال عتبة بن شمّاس:
إنّ أولى بالحقّ في كلّ حقّثمّ أولى أن يكون حقيقا
من أبوه عبد العزيز بن مروان ومن كان جدّه الفاروقا
ردّ أموالنا علينا وكانتفي ذرى شاهق تفوت الأنوقا
وطلب رجل من أهل الشام الفريضة من معاوية فجاد له بها، فسأل لولده، فأبى، فسأله لعشيرته، فقال معاوية:
طلب الأبلق العقوق، فلمّالم يجده أراد بيض الأنوق
وليس يكون العقوق إلّا من الإناث، فإذا كانت من البلق كانت بلقاء. وإنما هذا كقولهم: «زلّ في سلى جمل»، والجمل لا يكون له سلى.
وقد يرون بيض الأنوق، ولكنّ ذلك قليلا ما يكون، وأقلّ من القليل، لأنّ بيضها في المواضع الممتنعة، وليست فيها منافع فيتعرض في طلبها للمكروة.
وأنا أظنّ أن معاوية لم يقل كما قالوا: ولكنّه قدم في اللّفظ بيض الأنوق، فقال:
«طلب بيض الأنوق، فلما لم يجده طلب الأبلق العقوق».
وأمّا قول ابن أحمر:
يمشي بأوظفة شديد أسرهاشمّ السنابك لا تقي بالجدجد
إذ صبّحته طاويا ذا شرّةوفؤاده زجل كعزف الهدهد
فقد يكون ألّا يكون عنى بهذا الهدهد، لأنّ ذكورة الحمام وكلّ شيء غنّى من الطير وهدر ودعا، فهو هدهد. ومن روى «كعزف الهدهد» فليس من هذا في شيء.
وقد قال الشاعر في صفة الحمام:
وإذا استشرن أرنّ فيها هدهدمثل المداك خضبته بجساد
وخطب رجل جميل امرأة، وخطبها معه رجل دميم فتزوجت الدّميم لماله، وتركته، فقال:
ألا يا عباد الله ما تأمروننيبأحسن من صلّى وأقبحهم بعلا
يدبّ على أحشائها كلّ ليلةدبيب القرنبى بات يقرو نقا سهلا
والأجناس التي تريد العذرة وتطلبها كثيرة، كالخنازير، والدّجاج، والكلاب، والجراد، وغير ذلك. ولكنها لا تبلغ مبلغ الجعل والرّخمة.
وقال ابن أبي كريمة: كنت عند أبي مالك عمرو بن كركرة، وعنده أعرابيّ، فجرى ذكر القرنبى. قال: فقلت له: أتعرف القرنبى؟ قال: وما لي لا أعرف القرنبى؟! فو الله لربّما لم يكن غدائي إلّا القرنبى يحسحس لي. قال: فقلت له: إنها دويبّة تأكل العذرة. قال: ودجاجكم تأكل العذرة! وقال: قال بعض المدنيّين لبعض الأعراب: أتأكلون الحيّات والعقارب والجعلان والخنافس؟ فقال: نأكل كلّ شيء إلّا أمّ حبين. قال: فقال المدنيّ:
«لتهن أمّ الحبين العافية».
قال: وحدثنا ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، أنّ رسول الله ﷺ قال: «من الدوابّ أربع لا يقتلن: النملة، والنّحلة، والصّرد، والهدهد».
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع