تجاوز إلى المحتوى

من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

باب القول في الهدهد

وأما القول في الهدهد، فإنّ العرب والأعراب كانوا يزعمون أنّ القنزعة التي على رأسه ثواب من الله تعالى على ما كان من برّه لأمّه! لأنّ أمّه لما ماتت جعل قبرها على رأسه، فهذه القنزعة عوض عن تلك الوهدة.

والهدهد طائر منتن الريح والبدن، من جوهره وذاته، فربّ شيء يكون منتنا من نفسه، من غير عرض يعرض له، كالتيوس والحيّات وغير ذلك من أجناس الحيوان فأمّا الأعراب فيجعلون ذلك النّتن شيئا خامره بسبب تلك الجيفة التي كانت مدفونة في رأسه. وقد قال في ذلك أميّة أو غيره من شعرائهم. فأمّا أميّة فهو الذي يقول:

اعلم بأنّ الله ليس كصنعهصنيع ولا يخفى على الله ملحد
وبكلّ منكرة له معروفةأخرى على عين بما يتعمّد
جدد وتوشيم ورسم علامةوخزائن مفتوحة لا تنفد
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «تعلم فإن الله ليس كصنعه»
عمن أراد بها وجاب عنانهالا يستقيم لخالق يتزيّد
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «تعلم فإن الله ليس كصنعه»
غيم وظلماء وغيث سحابةأزمان كفّن واستراد الهدهد
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «تعلم فإن الله ليس كصنعه»
يبغي القرار لأمّه ليجنّهافبنى عليها في قفاه يمهد
للشاعر أمية بن أبي الصلت، من قصيدة «تعلم فإن الله ليس كصنعه»
مهدا وطيئا فاستقلّ بحملهفي الطّير يحملها ولا يتأوّد
من أمّه فجزي بصالح حملهاولدا، وكلف ظهره ما تفقد
فتراه يدلح ما مشى بجنازةفيها وما اختلف الجديد المسند

ويزعمون أنّ الهدهد هو الذي كان يدلّ سليمان ﵇ على مواضع المياه في قعور الأرضين إذا أراد استنباط شيء منها.

ويروون أنّ نجدة الحروريّ أو نافع بن الأزرق قال لابن عباس: إنّك تقول إنّ الهدهد إذا نقر الأرض عرف مسافة ما بينه وبين الماء، والهدهد لا يبصر الفخّ دوين التراب، حتى إذا نقر التّمرة انضمّ عليه الفخّ! فقال ابن عبّاس: «إذا جاء القدر عمي البصر».

ومن أمثالهم: «إذا جاء الحين غطّى العين».

وابن عباس إن كان قال ذلك فإنّما عنى هدهد سليمان ﵇ بعينه؛ فإنّ القول فيه خلاف القول في سائر الهداهد.

وسنأتي على ذكر هذا الباب من شأنه في موضعه إن شاء الله تعالى.

وقد قال الناس في هدهد سليمان، وغراب نوح، وحمار عزير، وذئب أهبان بن أوس، وغير ذلك من هذا الفنّ، أقاويل، وسنقول في ذلك بجملة من القول في موضعه إن شاء الله.

وقد قال صاحب المنطق وزعم في كتاب الحيوان، أنّ لكلّ طائر يعشّش شكلا يتخذ عشّه منه، فيختلف ذلك على قدر اختلاف المواضع وعلى قدر اختلاف صور تلك القراميص والأفاحيص. وزعم أنّ الهدهد من بينها يطلب الزّبل، حتّى إذا وجده نقل منه، كما تنقل الأرضة من التّراب، ويبني منه بيتا، كما تبني الأرضة، ويضع جزءا على جزء، فإذا طال مكثه في ذلك البيت، وفيه أيضا ولد، أو في مثله، وتربّى ريشه وبدنه بتلك الرائحة، فأخلق به أيضا أن يورث ابنه النّتن الذي علقه، كما أورث جدّه أباه، وكما أورثه أبوه. قال: ولذلك يكون منتنا.

وهذا وجه أن كان معلوما أنّه لا يتّخذ عشّه إلّا من الزّبل.

فأمّا ناس كثير، فيزعمون أن ربّ بدن يكون طيب الرّائحة، كفأرة المسك التي ربما كانت في البيوت. ومن ذلك ما يكون منتن البدن، كالذي يحكى عن الحيّات والأفاعي والثّعابين، ويوجد عليه التّيوس.

وذكر صاحب المنطق أنّ الطير الكبير، الذي يسمى باليونانية اغتيولس، يحكم عشّه ويتقنه، ويجعله مستديرا مداخلا كأنّه كرة معمولة. وروى أنّهم يزعمون أنّ هذا الطائر يجلب الدّارصينيّ من موضعه، فيفرش به عشّه، ولا يعشّش إلّا في أعالي الشّجر المرتفعة المواضع.

قال: وربّما عمد الناس إلى سهام يشدّون عليها رصاصا، ثمّ يرمون بها أعشتها، فيسقط عليهم الدّارصينيّ، فيلتقطونه ويأخذونه.

ويزعم البحريّون أنّ طائرين يكونان ببلاد السّفالة، أحدهما يظهر قبل قدوم السفن إليهم، وقبل أن يمكن البحر من نفسه، لخروجهم في متاجرهم فيقول الطائر:

قرب آمد، فيعلمون بذلك أنّ الوقت قد دنا، وأن الإمكان قد قرب.

قالوا: ويجيء به طائر آخر، وشكل آخر، فيقول: سمارو. وذلك في وقت رجوع من قد غاب منهم، فيسمّون هذين الجنسين من الطير: قرب، وسمارو، كأنّهم سمّوهما بقولهما، وتقطيع أصواتهما، كما سمّت العرب ضربا من الطّير القطا، لأن القطا كذلك تصيح، وتقطيع أصواتها قطا، وكما سمّوا الببغاء بتقطيع الصّوت الذي ظهر منه.

فيزعم أهل البحر أنّ ذينك الطائرين لا يطير أحدهما أبدا إلّا في إناث، وأنّ الآخر لا يطير أبدا إلّا في ذكورة.

وزعم لي بعض الأطباء ممن أصدّق خبره، أنّ الشّفنين إذا هلكت أنثاه لم يتزوّج وإن طال عليه التعزّب. وإن هاج سفد ولم يطلب الزواج.

وحكوا أنّ عندهم طائرين، أحدهما وافي الجناحين وهو لم يطر قطّ، والآخر وافي الجناحين، ولكنه من لدن ينهض للطّيران فلا يزال يطير ويقتات من الفراش وأشباه الفراش، وأنّه لا يسقط إلّا ميّتا. إلّا أنهم ذكروا أنه قصير العمر.

ولست أدفع خبر صاحب المنطق عن صاحب الدارصيني، وإن كنت لا أعرف الوجه في أنّ طائرا ينهض من وكره في الجبال، أو بفارس أو باليمن، فيؤمّ ويعمد نحو بلاد الدارصيني، وهو لم يجاوز موضعه ولا قرب منه. وليس يخلو هذا الطائر من أن يكون من الأوابد أو من القواطع. وإن كان من القواطع فكيف يقطع الصّحصحان الأملس وبطون الأودية، وأهضام الجبال بالتّدويم في الأجواء، وبالمضيّ على السّمت، لطلب ما لم يره ولم يشمّه ولم يذقه. وأخرى فإنّه لا يجلب منه بمنقاره ورجليه، ما يصير فراشا له ومهادا، إلا بالاختلاف الطويل. وبعد فإنّه ليس بالوطيء الوثير، ولا هو له بطعام.

فأنا وإن كنت لا أعرف العلّة بعينها فلست أنكر الأمور من هذه الجهة. فاذكر هذا.

وقال أبو الشّيص في الهدهد:

لا تأمننّ على سرّي وسرّكمغيري وغيرك أو طيّ القراطيس
للشاعر علي بن الجهم، اقرأ القصيدة
أو طائر سأحلّيه وأنعتهما زال صاحب تنقير وتدسيس
سود براثنه، ميل ذوائبهصفر حمالقه، في الحسن مغموس
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة
قد كان همّ سليمان ليذبحهلولا سعايته في ملك بلقيس
للشاعر أبو الشيص الخزاعي، اقرأ القصيدة

وقد قدّمنا في هذا الكتاب في تضاعيفه، عدّة مقطّعات في أخبار الهدهد.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الحيوان»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.