من «الحيوان» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
باب ليس في الأرض جنس يعتريه الأوضاح والشّيات
ويكون فيها المصمت والبهيم أكثر ألوانا، ومن أصناف التّحاسين ما يكون في الحمام، فمنها ما يكون أخضر مصمّتا، وأحمر مصمتا وأسود مصمتا، وأبيض مصمتا، وضروبا من ذلك، كلها مصمتة. إلّا أنّ الهداية للخضر النّمر. فإذا ابيضّ الحمام كالفقيع فمثله من النّاس الصّقلابيّ، فإن الصّقلابيّ فطير خام لم تنضجه الأرحام؛ إذ كانت الأرحام في البلاد التي شمسها ضعيفة.
وإن اسودّ الحمام فإنما ذلك احتراق، ومجاوزة لحدّ النّضج. ومثل سود الحمام من الناس الزّنج؛ فإن أرحامهم جاوزت حدّ الإنضاح إلى الإحراق، وشيّطت الشّمس شعورهم فتقبّضت.
والشّعر إذا أدنيته من النّار تجعّد، فإن زدته تفلفل، فإن زدته احترق.
وكما أنّ عقول سودان النّاس وحمرانهم دون عقول السّمر، كذلك بيض الحمام وسودها دون الخضر في المعرفة والهداية.
وأصل الخضرة إنّما هو لون الرّيحان والبقول، ثم جعلوا بعد الحديد أخضر، والسماء خضراء، حتّى سمّوا بذلك الكحل واللّيل.
قال الشّمّاخ بن ضرار:
ورحن رواحا من زرود فنازعتزبالة جلبابا من الليل أخضرا
وقال الرّاجز:
حتّى انتضاه الصّبح من ليل خضرمثل انتضاء البطل السّيف الذّكر
نضو هوى بال على نضو سفر
وقال الله ﷿: وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ، فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مُدْهامَّتانِ
قال: خضراوان من الرّي سوداوان.
ويقال: إن العراق إنّما سمّي سوادا بلون السّعف الذي في النّخل، ومائه.
والأسودان: الماء والتمر. والأبيضان: الماء واللبن. والماء أسود إذا كان مع التّمر، وأبيض إذا كان مع اللّبن.
ويقولون: سود البطون وحمر الكلى، ويقولون: سود الأكباد يريدون العداوة، وأن الأحقاد قد أحرقت أكبادهم، ويقال للحافر أسود البطن؛ لأن الحافر لا يكون في بطونها شحم.
ويقولون: نحن بخير ما رأينا سواد فلان بين أظهرنا، يريدون شخصه. وقالوا:
بل يريدون ظلّه.
فأمّا خضر محارب، فإنما يريدون السّود وكذلك: خضر غسّان ولذلك قال الشاعر:
إنّ الخضارمة الخضر الذين غدواأهل البريص ثمان منهم الحكم
ومن هذا المعنى قول القرشي في مديح نفسه:
وأنا الأخضر من يعرفنيأخضر الجلدة في بيت العرب
وإذا قالوا: فلان أخضر القفا، فإنما يعنون به أنّه قد ولدته سوداء. وإذا قالوا:
فلان أخضر البطن، فإنما يريدون أنّه حائك، لأنّ الحائك بطنه لطول التزاقه بالخشبة التي يطوى عليها الثّوب يسودّ.
وكان سبب عداوة العروضي لإبراهيم النّظام، أنّه كان يسمّيه الأخضر البطن، والأسود البطن؛ فكان يكشف بطنه للناس- يريد بذلك تكذيب أبي إسحاق- حتى قال له إسماعيل بن غزوان: إنّما يريد أنّك من أبناء الحاكة! فعاداه لذلك.
فإذا قيل أخضر النّواجذ، فإنما يريدون أنّه من أهل القرى، ممّن يأكل الكرّاث والبصل.
وإذا قيل للثّور: خاضب؛ فإنما يريدون أنّ البقل قد خضب أظلافه بالخضرة.
وإذا قيل للظليم: خاضب، فإنما يريدون حمرة وظيفيه فإنهما يحمرّان في القيظ، وإذا قيل للرّجل خاضب، فإنّما يريدون الحنّاء فإذا كان خضابه بغير الحنّاء قالوا: صبغ ولا يقال خضب.
ويقولون في شبيه بالباب الأوّل: الأحمران: الذهب والزعفران، والأبيضان:
الماء واللّبن، والأسودان: الماء والتمر.
ويقولون: أهلك النّساء الأحمران: الذّهب والزّعفران، وأهلك النّاس الأحامر:
الذهب، والزعفران، واللّحم، والخمر.
والجديدان: اللّيل والنهار، وهما الملوان.
والعصر: الدّهر، والعصران: صلاة الفجر وصلاة العشي، والعصران: الغداة والعشيّ، قال الشاعر:
وأمطله العصرين حتّى يملّنيويرضى بنصف الدّين والأنف راغم
ويقال: «البائعان بالخيار» وإنّما هو البائع والمشتري، فدخل المبتاع في البائع.
وقال الله ﷿: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ
، دخلت الأمّ في اسم الأبوّة، كأنهم يجمعون على أنبه الاسمين وكقولهم: ثبيرين، والبصرتين. وليس ذلك بالواجب؛ وقد قالوا: سيرة العمرين، وأبو بكر فوق عمر، قال الفرزدق:
أخذنا بآفاق السّماء عليكملنا قمراها والنّجوم الطّوالع
وأمّا قول ذي الرّمّة:
وليل كجلباب العروس ادّرعتهبأربعة والشخص في العين واحد
فإنه ليس يريد لون الجلباب، ولكنّه يريد سبوغه.
قال: وكذلك قول الأعرابيّ حين قيل له: بأيّ شيء تعرف حمل شاتك؟
قال: «إذا استفاضت خاصرتها، ودجت شعرتها». فالدّاجي هاهنا اللابس.
قال الأصمعي ومسعود بن فيد الفزاري: ألا ترونه يقول: «كان ذلك وثوب الإسلام داج». وأما لفظ الأصمعيّ فإنّه قال: كان ذلك منذ دجا الإسلام. يعني أنّه ألبس كلّ شيء.
ثمّ رجع بنا القول إلى ذكر شيات الحمام.
وزعموا أنّ الأوضاح كلّها ضعف، قليلها وكثيرها، إلّا أنّ ذلك بالحصص على
قدر الكثرة والقلّة، كذلك هي في جميع الحيوان سواء مستقبلها ومستدبرها. وذلك ليس بالواجب حتى لا يغادر شيئا البتة؛ لأنّ الكلبة السّلوقيّة البيضاء أكرم وأصيد، وأصبر من السّوداء.
والبياض في النّاس على ضروب: فالمعيب منه بياض المغرب والأشقر والأحمر أقلّ في الضّعف والفساد، إذا كان مشتقّا من بياض البهق والبرص والبرش والشيب والمغرب عند العرب لا خير فيه البتة. والفقيع لا ينجب، وليس عنده إلّا حسن بياضه، عند من اشتهى ذلك.
وزعم ابن سلّام الجمحيّ أنّه لم يرقطّ بلقاء ولا أبلق جاء سابقا. وقال الأصمعيّ: لم يسبق الحلبة أهضم قطّ؛ لأنهم يمدحون المجفر من الخيل، كما قال:
خيط على زفرة فتمّ ولميرجع إلى دقّة ولا هضم
ويقولون: إنّ الفرس بعنقه وبطنه.
وخبّرني بعض أصحابنا، أنّه رأى فرسا للمأمون بلقاء سبقت الحلبة. وهذه نادرة غريبة.
والحمام طائر ألوف مألوف ومحبّب، موصوف بالنّظافة، حتى إنّ ذرقه لا يعاف ولا نتن له، كسلاح الدّجاج والدّيكة. وقد يعالج بذرقه صاحب الحصاة.
والفلّاحون يجدون فيه أكثر المنافع. والخبّاز يلقي الشيء منه في الخمير لينتفخ العجين ويعظم الرغيف، ثمّ لا يستبين ذلك فيه. ولذرقه غلّات، يعرف ذلك أصحاب الحجر. وهو يصلح في بعض وجوه الدّبغ.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف عناوين المحقق وترقيمه وحواشيه وفهارسه؛ فكل صفحة هنا باب من أبواب الجاحظ. مصادر الموقع